تحميل مصاحف

 حمل المصحف

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الخميس، 4 أغسطس 2022

ج1:وج2. بغية الطلب في تاريخ حلب المؤلف : ابن العديم

 

ج1: بغية الطلب في تاريخ حلب
المؤلف : ابن العديم

الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي.
ذكر مدينة حلب
باب في
ذكر فضل حلب
أخبرنا القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن ياسر الجياني بالموصل.
وأخبرنا المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، ومنصور بن عبد المنعم بن عبد الله ابن محمد الفراوي في كتابيهما إلي من نيسابور قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن الفضل الفراوي قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد ابن سفيان قال: أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري قال: حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، تقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا ينثنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على فضل حلب قوله صلى الله عليه وسلم: ينزل الروم بالأعماق وبدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض، ذكره بحرف الفاء وإنها للتعقيب، والمدينة المذكورة التي يخرج منها الجيش هي حلب لأنها أقرب المدن إلى دابق، وفي تلك الناحية إنما ينطلق اسم المدينة على حلب عند الإطلاق، لا على يثرب كما في قوله تعالى: " وجاء رجل من أقصى المدينة " ، وفي قوله تعالى " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة " . حيث إنصرف الإطلاق إلى المدينة التي يفهم إرادتها عند الاطلاق، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنهم من خيار أهل الأرض، وما زالت عساكر حلب في كل عصر موصوفة بالمصابرة والغناء، والثبات عند المقاتلة واللقاء.
ويؤيد ذلك ما يأتي في فضل أنطاكية من قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها ظاهرين على الحق لا يبالون من من خذلهم ولا من نصرهم. الحديث، لأن الطائفة - والله أعلم - هي جيش حلب لأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا تزال طائفة من أمتي وأنطاكية استولى عليها الروم سنين عدة، ثم فتحها سليمان بن قطلمش، ثم استولى عليها الفرنج إلى زمننا هذا، فلولا أن يكون المراد بالطائفة المذكورة جيش حلب، وأنه يقاتل حول أنطاكية لتطرق الخلف إلى كلامه صلى الله عليه وسلم، وما زالت عساكر حلب ظاهرة على من مجاورها بأنطاكية في قديم الزمان وحديثه إلا ما ندر وقوعه.
باب في
بيان أن حلب من الأرض المقدسة
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي، إن لم يكن سماعاً فإجازة قال: أخبرنا أبو الحسن بركات بن عبد العزيز بن الحسين النجاد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن رزقويه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سندي بن الحسن الحداد قال: أخبرنا أبو حذيفة إسحق بن بشر القرشي قال: أخبرنا خارجة - يعني - ابن مصعب السرخسي عن ثور - هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي - عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله عنه قال: الأرض المقدسة ما بين العريش إلى الفرات.

وقد حكينا عن أبي العلاء بن سليمان المعري أنه قال في بعض رسائله: والشام خمسة أجناد، جند العواصم منه حلب وقنسرون، وجند حمص، وجند جلق، والأردن، وفلسطين، وهذه الأجناد الخمسة بلاد مقبلة يزعم الأنبياء أنها ذرت فيها البركة، ويذكرون أن جميعها أرض مقدسة.
باب في
بيان أن حلب مهاجر إبراهيم
صلى الله عليه وسلم وأنها من جملة الأرض المبارك فيها
أخبرنا الفقيه العالم فخر الدين أبو منصور بن عساكر الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم الدمشقي قال أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال يهاجر الرعد والبرق إلى مهاجر إبراهيم حتى لا تبقى قطرة إلا فيما بين العريش إلى الفرات.
وأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا علي بن الحسن الإمام قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن الحنائي في كتابه قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا أبو الدحداح قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن موسى قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن كعب الأحبار قال: يوشك بالرعد والبرق أن يهاجر إلى الشام حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا بين العريش والفرات.
قال علي بن الحسن وأنبأناه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي قال: حدثنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق قال: قرىء علي أبي بكر محمد بن أحمد بن النضر قال: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحق عن الأوزاعي عن يحيى قال: قال كعب: يهاجر الرعد والبرق إلى الشام حتى لا تبقى رعدة ولا برقة إلا فيما بين العريش والفرات.
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحسن قال أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا محمد بن موسى بن الحسن بن السمسار الحافظ قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن يزيد بن شريح عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش.
باب في
بيان أن أهل حلب في رباط وجهاد
أخبرنا سليمان بن الفضل بن سليمان البانياسي فيما أذن لنا فيه، واجتمعت به بحلب، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عوف أحمد المزكي قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين السمسار قال: أخبرنا محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا معاوية بن يحيى قال: حدثنا أرطاة عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الشام وأزولهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد.
وقال الحافظ أبو القاسم: وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي، وأبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، وأبو القاسم الحسين بن أحمد التميمي وأبو اسحاق إبراهيم بن طاهر الخشوعي قالوا: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن حريز بن أحمد بن خميس السلماسي قال: حدثنا أبو الحسن المظفر بن الحسن قال: حدثنا أحمد ابن عمير بن يوسف ابن جوصاء قال: حدثنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا ابن حمير عن سعيد البجلي عن شهر بن حوشب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاً، فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم وعبيدهم، فمن احتل ساحلاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط.

أنبأنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن أبي زيد الكراني قال: أخبرنا محمود بن إسماعيل قال: أخبرنا أبو الحسين بن فادشاه قال: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا أبو مطيع معاوية ابن يحيى عن أرطاة بن المنذر عن من حدثه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون فمن نزل مدينة من المدائن فهو في رباط، أو ثغراً من الثغور فهو في جهاد.
أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب عن أبي بكر بن عبد الباقي قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري إذناً: أخبرنا أبو عمر بن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف إجازة قال: حدثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عامر قال: سمعت أبان بن صالح يقول: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول بدابق: نحن في رباط.
باب في
بيان أن حلب كانت باب الغزو والجهاد
ومجمع الجيوش والأجناد
إعلم أن دابق كانت مجمعاً لعساكر الاسلام في كل صائفة من زمن معاوية ابن أبي سفيان، فكانوا يجتمعون بها فإذا تكامل العسكر وقبضوا عطاءهم دخلوا حينئذ من الثغور إلى جهاد العدو، واستمر ذلك في أيام بني أمية، لا سيما في أيام سليمان بن عبد الملك، فإنه أقام بدابق سنين، وسير أخاه مسلمة لغزو القسطنطينية، وكان يمده بالعساكر إلى أن مات سليمان بدابق، وبعد زوال ملك بني أمية تتبع بنو العباس مدن الثغور وحصونها فعمروها وحصنوها، وغزوا غزوات مذكورة من نواحي حلب من العراق ودابق وغيرهما، لا سيما أمير المؤمنين الرشيد رحمة الله عليه فإنه اجتهد في إقامة الجهاد، وأنفق الأموال الوافرة في الثغور وأهلها، وكان يقدم حلب ويرتب أمر الغزو منها، وكذلك فعل المأمون بعده، ومات غازياً بطرسوس، وجاء المعتصم كذلك وفتح عمورية.
أخبرنا أبو منصور بن محمد بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: قرأت على أبي القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان عن عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي زروان الحافظ قال: حدثنا عبد الوهاب بن الحسن قال: أخبرنا أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: وحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وغيره: أن جند حمص الجند المقدم، وأن قنسرين كانت يومئذ ثغراً وأن الناس كانوا يجتمعون بالجابية لقبض العطاء، وإقامة البعوث من أرض دمشق في زمن عمر وعثمان حتى نقلهم إلى معسكر دابق معاوية ابن أبي سفيان لقربه من الثغور.
قال: وكان والي الصائفة، وإمام العامة في أهل دمشق، لأن من تقدمهم من أهل حمص وأهل قنسرين، وأهل الثغور مقدمة لهم، وإلى أهلها يؤولون إن كانت لهم جولة من عدوهم.
وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه قال: أخبرنا علي بن أبي محمد الشافعي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد وعبد الكريم بن حمزة قالا: حدثنا عبد العزيز قال: أخبرنا تمام وعبد الوهاب قالا: أخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا أحمد بن المعلى.
قال تمام: وأخبرني أبو إسحق إجازة قال: حدثنا ابن المعلى.
قال تمام: وأخبرني يحيى بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر قال: حدثنا ابن المعلى قال: وأخبرني صفوان بن صالح، أملاه علي، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم قال: حدثنا محمد بن مهاجر قال: سمعت أخي عمرو بن مهاجر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق فذكر الحكاية ومقدم خالد بن عبد الله القسري إليه وقوله له حين هم برفع الزخرفة منه: ما ذلك لك، حتى قال: فما قولك وما ذلك لي؟ قال: لأنا كنا معشر أهل الشام وإخواننا من أهل مصر وإخواننا من أهل العراق نغزو فيعرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزاً بالصغير من فسيفساء، وذراع في ذراع من رخام، فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب، ويستأجر على ما حملوا إلى دمشق، ويحمله أهل حمص إلى حمص ويستأجر على ما حملوا إلى دمشق، ويحمل أهل دمشق ومن وراءهم حصتهم إلى دمشق.

وقرأت في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: وحدثني محمد بن سهم الأنطاكي قال: حدثني معاوية ابن عمرو عن أبي إسحق الفزاري قال: كانت بنو أمية تغزو الروم بأهل الشام والجزيرة صائفة وشاتية مما يلي ثغور الشام والجزيرة، وتقيم المراكب للغزو، وترتب الحفظة في السواحل، ويكون الإغفال والتفريط خلال الحزم والتيقظ، فلما ولي أبو جعفر المنصور تتبع حصون السواحل ومدنها فعمرها وحصنها وبنى ما احتاج إلى البناء منها، وفعل ذلك بمدن الثغور، ثم لما استخلف المهدي استتم ما بقي من تلك المدن والحصون وزاد في شحنها.
قال معاوية بن عمرو: وقد رأينا من اجتهاد هرون في الغزو، ونفاذ بصيرته في الجهاد أمراً عظيماً، أقام من الصناعة ما لم يقم قبله، وقسم الأموال في الثغور والسواحل، وأشجر الروم وقمعهم، وأمر المتوكل بترتيب المراكب في جميع السواحل، وأن تشحن بالمقاتله وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين.
باب في ذكر
صفة مدينة حلب وعمارتها وأبوابها
وما كانت عليه أولاً، وما تغير منها وما بقي
سور حلب: كان سوراً مبنياً بالحجارة من بناء الروم، ولما وصل كسرى أنوشروان إلى حلب واستولى عليها، شعث سورها عند الحصار، ثم رم ما هدم منه، فبني بالآجر الفارسي الكبار، وشاهدت مرمته بالآجر الكبار في الأسوار التي بين باب الجنان وباب النصر، وسترها السور الثاني الذي ابتناه الملك الظاهر رحمه الله، فيما بين باب الجنان وباب النصر، فلا يبين الآن إلا لمن يمر بين السورين، وأظن أن كسرى أنوشروان فتح حلب من هذه الجهة، فإنها كانت أضعف مكان في البلد، فلهذا كانت المرمة فيه دون غيره، وكان ملكها وملك أنطاكية الذي أخذها أنوشروان من يده يوسطينيانوس ملك الروم.
وفي أسوار حلب أبرجة عديدة جددها ملوك الاسلام بعد الفتوح، وأسماؤهم مكتتبة عليها، وبنى نور الدين محمود بن زنكي فصيلاً على مواضع من الباب الصغير إلى باب العراق، ومن باب العراق إلى قلعة الشريف، ومن باب اليهود - الذي يقال له الآن باب النصر - إلى باب الجنان، ومن باب الأربعين إلى باب اليهود، جعل ذلك سوراً ثانياً قصيراً بين يدي السور الكبير وأمر الملك الظاهر بتجديد سور من باب الجنان إلى برج الثعابين، وفتح الباب المستجد، فرفع الفصيل وجدد السور والأبرجة على علو السور الأول، وكان يباشر العمارة بنفسه، فصار ذلك المكان من أقوى الأماكن.
ثم إن أتابك طغرل ابتنى برجاً عظيماً فيما بين باب النصر وبرج الثعابين مقابل أتونات الكلس ومقابر اليهود.
ثم إن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد أعز الله سلطانه أمر بتجديد أبرجة من باب الأربعين إلى البرج الذي جدده أتابك، فجددت أبرجة عظيمة كل برج منها حصن مفرد، وسفح من السور والأبرجة في الميل إلى الخندق فصار ذلك كله كالقلعة العظيمة في الارتفاع والحصانة وأمر ببناء أبرجة كبار من باب الجنان إلى باب قنسرين، فقويت المدينة بذلك قوة ظاهرة.
وأما قلعة حلب فلم يكن بناؤها بالمحكم، وكان سورها أولاً منهدماً على ما ذكره أرباب التواريخ ولم يكن مقام الملوك حينئذ فيها، بل كان لهم قصور بالمدينة يسكنونها، ولما فتح الروم حلب في سنة احدى وخمسين وثلاثمائة لجأ إلى القلعة من لجأ، وستروها بالأكف والبراذع، فعصمتهم من العدو لعلوها، وزحف ابن أخت الملك فألقي عليه حجر فقتله، ورحل الدمستق عنها، فاهتم الملوك بعد ذلك بعمارة القلعة وتحصينها.
وعصى فيها فتح القلعي على مولاه مرتضى الدولة بن لؤلؤ، ثم سلمها إلى نواب الحاكم، فعصى فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم، وقتل بالمركز، وكان قصره الذي ينسب إليه خانكاه القصر متصلاً بالقلعة، والحمام المعروفة بحمام القصر إلى جانبه، فخرب القصر بعد ذلك تحصيناً للقلعة وصار الخندق موضعه. ودخلت أنا هذه الحمام وهي دائرة، فهدمها الملك الظاهر رحمه الله، وجعلها مطبخاً له.

ولما قتل عزيز الدولة، صار الظاهر وولده المستنصر يوليان والياً بالقلعة، ووالياً بالمدينة خوفاً أن يجري ما جرى من عزيز الدولة. فلما ملك بنو مرداس سكنوا في القلعة، وكذلك من جاء بعدهم من الملوك وحصنوها لا سيما الملك الظاهر غازي فإنه حصنها وحسنها وابتنى بها مصنعاً كبيراً للماء، ومخازن للغلة، ورفع باب القلعة وكان قريباً من المدينة، ويصعد منه إلى باشورة، هي موضع باب القلعة الآن.
ولها سور من موضع الباب الآن، يدور في وسط التل إلى المنشار المتصل بباب الأربعين وكان في الباشورة مساكن لأجناد القلعة، ورأيت في وسطه برجاً كبيراً، مبنياً فوق طريق الماء من القناة إلى الساتورة التي للقلعة، وكان على ذلك البرج اسم الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي، فخرب الملك الظاهر رحمه الله تلك الباشورة، وسفح القلعة من أسفل الخندق إلى سورها الأعلى، وكان قد بنى بعض السفح بالحجر الهرقلي، وعزم على تسفيحها بذلك الحجر، فحالت المنية بينه وبين أمله، وصده عن مراده ما حضر من أجله، وكان قد وسع الخندق الذي للقلعة وعمقه، وبنى حائطه من جهة المدينة، ورفع باب القلعة إلى مكانه الآن، وعمل له هذا الجسر الممتد، فجاء في غاية الحسن والحصانة، وعمل باباً آخر كان إذا ركب ينزل منه وحده ويصعد ويغلق فلا يفتح إلا له، وهو باب الجبل الذي هو إلى جانب دار العدل، وبنى الملك الظاهر سوراً على دار العدل، وفتح له باباً من جهة القبلة تجاه باب العراق، وباباً من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق، كان يخرج منهما إذا ركب، وبنى دار العدل لجلوسه العام فيها بين السورين، السور العتيق الذي فيه الباب الصغير، وفيه الفصيل الذي بناه نور الدين، وبين السور الذي جدده إلى جانب الميدان.
واهتم الملك الظاهر أيضاً بتحرير خندق الروم، وهو من قلعة الشريف إلى الباب الذي يخرج منه إلى المقام، وبنى ذلك الباب ولم يتمه، فتم في أيام ولده الملك العزيز رحمه الله، ثم يستمر خندق الروم من ذلك المكان شرقاً، ثم يعود شمالاً إلى الباب الذي جدد أيضاً في أيام الملك العزيز لصيق الميدان، ويعرف بباب النيرب، ثم يأخذ شمالاً إلى أن يصل إلى باب القناة الذي يخرج منه إلى بانقوسا، وهو باب قديم، ثم يأخذ غرباً من شمالي الجبل إلى أن يتصل بخندق المدينة. وأمر الملك الظاهر برفع التراب والقائه على شفير هذا الخندق فيما يلي المدينة، فارتفع ذلك المكان وعلا، وسفح إلى الخندق، وبني عليه سور من اللبن في أيام الملك العزيز محمد رحمه الله، وولاية الأتابك طغرل، وأمر الحجارون بقطع الأحجار من الحوارة من ذلك الخندق، فعمق واتسع وقويت به المدينة غاية القوة.
وأما قلعة الشريف فلم تكن قلعة بل كان السور محيطاً بالمدينة، وهي مبنية على الجبل الملاصق للمدينة وسورها دائر مع سور المدينة على ما هي الآن.
وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحتيتي الهاشمي مقدم الأحداث بحلب، وهو رئيس المدينة فتمكن وقويت يده، وسلم المدينة إلى أبي المكارم مسلم ابن قريش، فلما قتل مسلم انفرد بولاية المدينة، وسالم بن مالك بالقلعة على ما نشرحه في ترجمته، فبنى الشريف عند ذلك قلعته هذه، ونسبت إليه، في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، خوفاً على نفسه من أهل حلب، واقتطعها عن المدينة، وبنى بينها وبين المدينة سوراً، واحتفر خندقاً آثاره باقية إلى الآن، ثم خرب السور بعد ذلك في أيام ايلغازي بن أرتق حين ملكها، واستقل بملكها في سنة ست عشرة وخمسمائة، فعادت من المدينة كما كانت.
وأما أبواب مدينة حلب فأولها باب العراق، سمي بذلك لأنه يسلك منه إلى ناحية العراق.
ثم بعده إلى جهة الغرب باب قنسرين، سمي بذلك لأنه يخرج منه إلى ناحية قنسرين، وقد جدد في أيام السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز أعز الله أنصاره، وغير عن وضعه ووسع وعمل عليه أبرجة عظيمة، ومرافق للأجناد حتى صار بمنزلة قلعة عظيمة من القلاع المرجلة.
ثم باب أنطاكية سمي بذلك لأنه يسلك منه إلى ناحية أنطاكية.
ثم باب الجنان، سمي بذلك لأنه يخرج منه إلى البساتين التي لحلب.

ثم بعده باب اليهود سمي بذلك لأن محال اليهود من داخله، ومقابرهم من خارجه، وهذا الباب غيره السلطان الملك الظاهر رحمه الله، وكان عليه بابان، ويخرج منهما إلى باشورة يخرج منها إلى ظاهر المدينة، فهدمه وجعل عليه أربعة أبواب كل بابين بدركاة على حدة، يسلك من احدى الدركاتين إلى الأخرى في قبو عظيم محكم البناء، وجعل عليه أبراجاً عالية محكمة البناء، ويخرج منه على جسر على الخندق، وكان على ظاهره تلول عالية من التراب والرماد وكنايس المدينة، فنسفها وأزالها وجعلها أرضاً مستوية، وبني فيها خانات تباع فيها الغلة والحطب، وسمي الباب باب النصر، ومحي عنه اسم باب اليهود، فلا يعرف الآن إلا بباب النصر، وهجر اسمه الأول بالكلية.
ثم بعده باب الأربعين وكان قد سد هذا الباب مدة مديدة، ثم فتح واختلف في تسميته بباب الأربعين، فقيل إنه خرج منه مرة أربعون ألفاً فلم يعودوا.
وأخبرني والدي رحمه الله أنه بلغه أنه خرج منه أربعون ألفاً فلم يعد منهم غير واحد، فرأته امرأة في طاق في علو وهو داخل منه، فقالت له: دبير جئت؟ فقال لها: دبير من لم يجئ.
وقيل انما سمي باب الأربعين لأنه كان بالمسجد من داخله أربعون من العباد يتعبدون فيه، وكان الباب مسدوداً.
وأخبرني عمي أبو غانم رحمه الله أنه بلغه أنه كان به أربعون محدثاً، وقيل كان به أربعون شريفاً. وإلى جانبه أعلى المسجد مقبرة للشراف العلويين، قيل أنهم من بني الناصر.
والباب الصغير وهو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب الخندق وخانكاه القصر إلى دار العدل، ومن خارجه البابان اللذان جددهما الملك الظاهر رحمه الله في السور الذي جدده على دار العدل، أحدهما يفتح على شفير الخندق ويدعى باب الصغير أيضاً، وهو مسلوك فيه إلى ناحية الميدان.
والآخر القبلي الذي يقابل باب العراق، وهو مغلق لا يخرج منه أحد بعد موت الملك الظاهر إلا السلطان في بعض الأحيان، وكذلك باب الجبل الذي للقلعة أغلق بعده.
وجدد الملك الظاهر رحمه الله إلى جانب برج الثعابين فيما بين باب الجنان وباب النصر باباً سماه باب الفراديس، وبنى له جسر على الخندق، ومات الملك الظاهر ولم يفتحه، فسد وتطيروا به، وفتحه الملك الناصر بعد ذلك، ورتب فيه أجناداً.
وجدد الملك الناصر أيضاً باباً إلى جانب برج الغنم، وعمل عليه برجان عظيمان وفتحة إلى جهة ميدان باب قنسرين في سنة خمس وأربعين وستمائة وسمي باب السعادة.
وكان لحلب باب يقال له باب الفرج إلى جانب حمام القصر، كان إلى جانبه القصر المشهور الذي يلي قلعة حلب، فخربه الملك الظاهر رحمه الله.
وكان خارج باب أنطاكية على جسر باب أنطاكية على نهر قويق باب يقال له باب السلامة، وهو الذي ذكره الواساني في قصيدته التي يهجو فيها ابن أبي أسامة، وأولها:
يا ساكني حلب العوا ... صم جادها صوب الغمامه
وسيأتي ذكره بعد هذا.
وعلى خندق الروم أبواب مجددة أولها باب الرابية التي تباع فيها الغلة والتبن، خارج باب قنسرين، والسور اللبن المجدد على خندق الروم من حده.
والثاني الباب المعروف بباب المقام خارج باب العراق من القبلة يسلك فيه إلى مقام إبراهيم عليه السلام وغيره.
والثالث باب النيرب خارج باب العراق، وقد ذكرنا أنه جدد في أيام الملك العزيز رحمه الله ثم باب القناة، وقد ذكرناه أيضاً.
وأما قناة حلب التي تدخل إلى المدينة فقيل هي عين إبراهيم عليه السلام، وهي تأتي من حيلان، قرية شمالي حلب، وفيها أعين، جمع ماؤها وسيق إلى المدينة، وقيل إن الملك الذي بنى حلب، وزن مائها إلى وسط المدينة، وبنى المدينة عليها، وهي تأتي إلى مشهد العافية تحت بعاذين، وتركب بعد ذلك على بناء محكم رفع لها لانخفاض الأرض في ذلك الموضع، ثم تمر إلى أن تصل إلى بابلي، وهي ظاهرة في مواضع، ثم تمر في جباب قد حفرت لها إلى أن تنتهي إلى باب القناة، وتظهر في ذلك المكان، ثم تمر تحت الأرض إلى أن تدخل من باب الأربعين، وتنقسم في طرق متعددة إلى البلد.

ولأهل حلب صهاريج في دورهم يخزنون فيها الماء منها ويبردونه فيها، إلا ما كان من الأمكنة المرتفعة كالعقبة، وقلعة الشريف فإن صهاريجهم من المطر، وقد كانت هذه القناة فسد طريقها لطول المدة ونقص منابيع عيونها فكراها السلطان الملك الظاهر رحمه الله، وحرر طريقها إلى البلد وكلمه وسد مخارج الماء فيه، فكثر ماؤها وقويت عيونها، وجدد القنوات في حلب والقساطل، وأجرى الماء فيها حتى عمت أكثر دور البلد، واتخذت البرك في الدور، حتى قال أبو المظفر بن محمد بن محمد الواسطي المعروف بابن سنينير يمدحه، وسمعتها من لفظه:
روى ثرى حلب فعادت روضة ... أنفاً وكانت قبله تشكو الظما
أحيا رفات مّواتها فكأنّه ... عيسى بإذن الله أحيا الأعظما
لا غرو أن أجرى القناة جداولاً ... فلطالما بقناته أجرى الدّما
ووصل ماء القناة في أيامه إلى مواضع من البلد لم يسمع بوصوله إليها، حتى أنها سيقت إلى الحاضر السليماني، ووقف عليها أوقافاً لعمارتها وإصلاحها.
قرأت في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلبي للعزيز الفاطمي المستولي على مصر قال: فأما حلب فهي مدينة قنسرين العظيمة وهي مستقر السلطان، وهي مدينة جليلة عامرة آهلة، حسنة المنازل، بسور عليها من حجر، وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة لا ترام، ليس لها إلا طريق لا مقابلة عليه، وعلى القلعة أيضاً سور حصين؛ وشرب أهل حلب من نهر على باب المدينة يعرف بقويق، ويكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وأعمال قنسرين كلها ومدينة حلب فتحت صلحاً.
وقال: فأما الأقاليم التي هي منها، فإن من الإقليم الرابع حلب، وعرضها أربع وثلاثون درجة.
فأما أهلها فهم أخلاط من الناس من العرب والموالي، وكانت بها خطط لولد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وتأثلت لهم بها نعمة ضخمة، وملكوا بها نفيس الأملاك، وكان منهم من لحقت بقيتهم بنو القلندر فإنني شاهدت لهم نعماً ضخمةً، ورأيت لهم منازل في نهاية السرو.
وكان بها أيضاً قوم من العرب يعرفون ببني سنان، كانت لهم نعمة ضخمة.
وسكنها أحمد بن كيغلغ وبنى بها داراً معروفة إلى الآن؛ وملك بها بدر غلامه ضياعاً نفيسة، فأتى على ذلك كله الزمان، وسوء معاملة من كان يلي أمورهم، لأنه لم يكن بالشام مدينة أهلها أحسن نعماً من أهل حلب، فأتى على ذلك كله، وعلى البلد نفسه سوء معاملة علي بن حمدان لهم، وما كان يراه من التأول في المطالبة.
قلت إلى ذلك أشار أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان في قصيدته التي يقول فيها:
أودى علي بن حمدان بوفرهمُ ... وقُدّرت لهُم في ملكه المحنُ
وكان سيف الدولة علي بن حمدان قبض أملاك جده سعيد وهي مزرعة تعرف بكفر صفرا من كورة قورس، ورحى الديناري وأرضها السقي والعذي، وبستان البقعة بحلب.
عدنا إلى كلام العزيزي قال: وحلب من أجل المدن وأنفسها، ولها من الكور والضياع ما يجمع سائر الغلات النفسية، وكان بلد معرة مصرين إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق، وحبة الخضراء يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مصر والعراق، ويجهز إلى كل بلد، وبلد الأثارب والأرتاح إلى نحو جبل السماق أيضاً، مثل بلد فلسطين في كثرة الزيتون. ولها ارتفاع جليل من الزيت، وهو زيت العراق، يحمل إلى الرقة إلى الماء. ماء الفرات، إلى كل بلد، وقد اختل ذلك ونهكه الروم.
فأما خلق أهلها، فهم أحسن الناس وجوهاً وأجساماً، والأغلب على ألوانهم الدرية والحمرة والسمرة، وعيونهم سود وشهل، وهم من أحسن الناس أخلاقاً وأتمهم قامة وكانت إعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديماً، إلا من تخصص منهم، وقبلتهم موافقة لقبلة أهل الشام.
يشير بقوله: وكانت إعتقاداتهم مثل ما كان عليه أهل الشام قديماً؛ إلى مذهب أهل السنة وكذلك كان مذاهب أهل حلب، حتى هجمها الروم في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وقتلوا معظم أهلها، فنقل إليها سيف الدولة من حران جماعة من الشيعة مثل الشريف أبي إبراهيم العلوي وغيره، وكان سيف الدولة يتشيع، فغلب على أهل حلب التشيع لذلك.

وقوله: وفي وسطها قلعة على جبل وسط المدينة، ليس كذلك، بل القلعة في طرف المدينة، وسور المدينة يختلط بسورها، والظاهر أنه شاهد القلعة من داخل المدينة فظنها في وسطها، ولم يشاهدها من خارج.
وقوله: وشرب أهل حلب من نهر قويق، ليس كذلك، إلا من كان بالقرب منه، أو أنه أراد ما يحمله السقاؤون في الروايا، بل الغالب في شرب أهلها من قناة حيلان.
وقد أنبأنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف عن أبي الفتح بن البطي قال: أخبرنا الحميدي قال: أخبرنا محمد بن هلال بن المحسن الصابيء وقال: كتب المختار بن الحسن بن بطلان المتطبب كتاباً إلى والدي هلال بن المحسن في سنة أربعين وأربعمائة يذكر له فيها خروجه من بغداد وما دخل من البلاد، قال فيها: رحلنا من الرصافة إلى حلب في أربع مراحل، وحلب بلد مسور بحجر أبيض، فيه ستة أبواب، وفي جانب السور قلعة في أعلاها مسجد وكنيستان، وفي أحديهما كان المذبح الذي قرب عليه إبراهيم عليه السلام. وفي البلد جامع، وست بيع، وبيمارستان صغير، والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية، ويشرب أهل البلد من صهاريج فيه مملوءة بماء المطر، وعلى بابه نهر يعرف بالقويق، يمد في الشتاء وينضب في الصيف. وفي وسط البلد دار علوة صاحبة البحتري. وهو بلد قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من بلاد الروم، وفيها من الشعراء جماعة، وذكر أبا الفتح بن أبي حصينة، وذكر كاتباً نصرانياً هو صاعد بن عيسى بن سمان، وذكر أبا محمد بن سنان، وأبا المشكور.
ثم قال: ومن عجائب حلب أن في قيسارية البز عشرين دكاناً للوكلاء، يبيعون فيها كل يوم متاعاً قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة، وإلى الآن وما بحلب موضع خراب أصلاً.
قلت: الكنيسة التي أشار إليها في القلعة أن فيها مذبح إبراهيم عليه السلام، هي الآن مقام إبراهيم عليه السلام الأسفل، والكنيسة الأخرى دثرت، والمسجد الذي في أعلى القلعة هو مقام إبراهيم عليه السلام الأعلى، وأما البيع الست، فاثنتان باقيتان أحديهما بالقرب من الزجاجين إلى جانب مسجد ابن زريق، والأخرى بالقرب من الرحبة، والبواقي جعلت الذي بمشهد الدكة، ويقال إن به سقطاً للحسين بن علي رضي الله عنه، وكان يدبر أمر البلدة أبو الفضل ابن الخشاب، لأن صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق كان بماردين فجعل ابن الخشاب كنائس حلب هذه مساجد، أحديهما الكنيسة العظمى التي يقال إن هيلانة ملكة القسطنطينية بنتها، فجعل فيها محراب، وعرفت بمسجد السراجين، وهي غربي المسجد الجامع وجعلها نور الدين محمود بن زنكي مدرسة لأصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه، والأخرى جعلت مسجداً بالحدادين، فوقفت مدرسة للحنفية أيضاً، وقفها حسام الدين لاجين وهي مدرسة الحدادين، والأخرى كانت بدرب الخزاف فهدمها عبد الملك بن المقدم، وبناها مدرسة للحنفية أيضاً، وأما الرابعة فلا أعلم بها.
قرأت بخط الحسين بن كوجك العبسي الحلبي في كتاب سيرة المعتضد بالله تأليف سنان بن ثابت بن قرة، كتب بها إلى أبي الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري الكاتب، قال ثابت بن سنان في أول الجزء السادس منها: لما انتهيت إلى هذا الموضع، أمرني أمير المؤمنين أن أميز معه وبحضرته ما في الخزائن القديمة للسلطان من الدفاتر والآلات النجومية وغيرها مما يجري مجراها فما كان يصلح للأميرين أبي جعفر وأبي الفضل أيدهما الله عزلته لهما على ما رسمه لي فيما رغب في إختياري إياه لهما مما يشاكل سنهما من كتب الفقه، وكتب اللغة، وكتب السير القديمة والقريبة العهد وأخبار الملوك وأيام الناس، وأخبار الدولة العباسية وأشباه ذلك.

قال: فكان فيما أخرج إلينا صناديق كثيرة فيها كتب أحمد بن الطيب التي كان المعتضد قبضها لما نكبه، وكنت بها عارفاً، وقد كنت ميزتها للمعتضد في ذلك العصر وعملت لها فهرستاً، فمر فيها كتاب بخط أحمد بن الطيب بأخبار مسير المعتضد بالله من مدينة السلام إلى وقعة الطواحين وأخبار إنصرافه عنها، فتتبعته نفسي تتبعاً شديداً لصحته، وأنه أصل لرجل محصل وبخطه، وكان وقوع هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يدي، فبدأني بما كان في نفسي، فرمى به إلي لأتأمله، ثم قال لي: أحسب هذا مما سبيله أن تقتصه في الكتاب الذي عملته لمحمد بن عبد الرحمن الروذباري، فقلت: بل أنسخه فيه حرفاً حرفاً، فقال: إفعل، ثم اردده، فنسخه ثابت من خط أحمد بن الطيب كما قال، وذكر فيه المنازل إلى أن ذكر وقال: ورحلنا عن بالس ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا على ميلين من بالس على صهريج في أول برية خساف، ثم رحلنا عن الموضع سحراً فقطعنا برية خساف إلى انقضائها، وبين بالس وبين انقضاء برية خساف خمسة عشر ميلاً بأميال العراق، وفيها قرى خراب، ثم يوجد بعد هذه الخمسة عشر ميلاً ماء نزر قليل ينصب من قني من حد حلب، حتى ينتهي إلى هذا الموضع قليلاً يسيراً، وفي هذا الموضع يجري إليه الماء من قرية لمحمد بن العباس الكلابي، تعرف بقرية الثلج، كانت المنزل ذلك اليوم، والقني في هذه القرية غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب من نهر قويق من موضع إلى موضع حتى انتهى إليها، ثم إلى الموضع الذي ذكرناه على رأس برية خساف، وبين بالس وبين قرية محمد بن العباس الكلابي ثلاثة وعشرون ميلاً، تكون سبعة فراسخ وميلين.
قلت هكذا ذكر أحمد بن الطيب، وقد أخطأ في موضعين أحدهما قوله: ينصب من قني من حد حلب، والآخر في قوله: والقني في هذه القرية غزيرة كثيرة الماء، قد سيقت من نهر حلب، من نهر قويق، فإن حد حلب ونهر قويق بعيد من هذا المكان، يكون مقدار ستة فراسخ من جهة الغرب، وهذه القني تأتي من جهة الشمال، لكن الماء في هذه المواضع التي ذكرها وفي قرى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضع وبين الناعورة، قد حفر له جباب إلى منبع الماء، ومنبع الماء قريب في تلك الأرض كلها، ثم خرق بعض الجباب إلى بعض إلى أن ينتهي الماء إلى أرض يتسلط عليها، فيسقي أرض تلك القرية، وهذه القرية التي أشار إليها أظنها تعرف الآن بالكلابية.
قال ابن الطيب: ورحلنا عن هذا الموضع يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، فنزلنا منزلاً يعرف بالناعوره، بينه وبين المنزل الذي كنا نزلناه ثمانية أميال، تكون فرسخين وميلين وفيه قصر لمسلمة بن عبد الملك من حجارة صلدة ليس بالكبير، وماؤه من العيون التي ذكرناها.
قلت: هذا القصر كان مبنياً من الحجارة السود الكبار المنحوتة، وأدركت أنا قطعة منه، وهو برج من أبرجة القصر، وقد انهدم الآن، وتقسمت حجارته إلا القليل منه.
قال ابن الطيب: ورحلنا غداة يوم الاثنين لإثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، فنزلنا مدينة حلب في وقت ارتفاع النهار من هذا اليوم، وبين المنزلين ثمانية أميال تكون فرسخين وميلين، وأقمنا بحلب إلى إنقضاء يوم الأربعاء لليلة خلت من رجب.
قال: وعلى حلب سور محيط بها وبقلعتها، كانت الروم بنته، وبنت الفرس بعضه أيام أنوشروان، والقلعة على جبل مشرف على المدينة، وعليها سور، وعليها بابا حديد واحد دون الآخر، وفي وسطها قد حفر إلى الماء ينزل إليه على مائة وعشرين مرقاه، قد خرقت تحت الأرض خروقاً، وصيرت آزاجاً، ينفذ بعضها إلى بعض إلى ذلك الماء، وفيها دير للنصارى، وفيه امرأة قد سدت الباب عليها في وجهها منذ سبع عشرة سنة. ثم ينحدر السور إلى المدينة من جانبي القلعة. ولها ستة أبواب، تعرف: بباب العراق، وباب قنسرين، وباب أنطاكية، وباب الجنان وباب اليهود، وباب أربعين، وهو مما يلي القلعة، ومن جانبها الآخر باب العراق.
وشرب أكثر أهل حلب من ماء قويق، لأنه يجري إلى أبواب الجنان وأنطاكية وقنسرين، وقدام باب أنطاكية ربض يعرف بربض الدارين في وسطه قنطرة على قويق، كان محمد بن عبد الملك بن صالح بناه، أعني الربض، ولم يستتمه، واستتمه سيما الطويل، ورم ما كان استهدم منه وصير عليه باب حديد حذاء باب أنطاكية، أخذه من قصر لبعض الهاشميين بحلب، يسمى قصر البنات: ويسمى الباب باب السلامة.

قلت والقصر قد كان في الدرب المعروف بدرب البنات بحلب، بالقرب من الصناديقيين، وشرقي الدارين بستان، يعرف ببستان الدار من شمالي ميدان باب قنسرين، وهو الآن وقف على المدرسة النورية الشافعية المعروفة ببني أبي عصرون، وهو منسوب إلى إحدى الدارين اللتين ذكرهما أحمد بن الطيب.
قال ابن الطيب: وشرب أهل باب أربعين، وأهل باب اليهود، وأهل الأسواق من عيون تجري على وجه الأرض مقدار أربعة فراسخ في موضع هو أعلى من حلب، ثم تجري على باب اليهود على وجه الأرض، وتسقي بساتين الدور هناك سيحاً، ثم يكون ما وراء هذا الموضع من حلب أسفل منه فقد عدل بعبارة بنتها الروم في الطريق، يجري الماء عليها، فهو في السوق، وإنما بينه وبين باب أربعين ربع ميل على عشرة أذرع من الأرض.
قلت: يريد بالعيون المذكورة قناة حلب الآتيه من حيلان، وهي تسقي داخل باب الأربعين بستاناً بطل، وبني دوراً، وتسقي بستان اليهود بباب اليهود الذي هو وقف على الكنيسة.
قال: وقويق نهر يأخذ من واد على أربعة فراسخ من حلب مما يلي جبلاً يتصل بوادي العسل.
قلت: وادي العسل غربي مدينة حلب، ونهر قويق يأتي إلى حيلان، ثم يجري في الوادي بين جبلين، لا يتصل بوادي العسل.
وقال أبو إسحق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيات الفيلسوف في كتاب نزهة النفوس وأنس الجليس: ذكر مدينة حلب، وهي في الإقليم الرابع قريباً من أنطاكية، وبها ينزل الولاة العزام، وهي عامرة، أهلها كثير، وبعدها عن خط المغرب ثلاثة وسبعون درجة، وعن خط الإستواء خمسة وثلاثون درجة.
وقرأت في كتاب جغرافيا تأليف ابن حوقل النصيبي، وهو كتاب حسن في بابه، قال: حلب وهي مدينة جند قنسرين، وكانت عامرة جداً غاصة بأهلها، كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق إلى الثغور وسائر الشامات، إفتتحها الروم، وكان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدو شيئاً، بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلة، فأخرب جامعها، وسبى ذراري أهلها، وأحرقوها، وكان لها قلعة غير طائلة ولا حسنة العمارة، لجأ إليها قوم من أهلها فنجوا، ونقل ما بها من المتاع والجهات للسلطان وأهل البلد وسبى بها، وقتل من أهل سوادها ما في إعادته إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله.
وكانت لها أسواق حسنة وحمامات وفنادق ومحال وعراص فسيحة، ومشايخ وأهل جلة، وهي الآن كالمتماسكة.
ولها واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس ولم تزل أسعارها في الأغذية وجميع المآكل قديماً واسعة رخيصة.
وعليهم الآن للروم في كل سنة قانون يؤدونه وضريبة تستخرج من كل دار وضيعة معلومة، وكأنهم معهم في هدنة، وليست وإن كانت أحوالها متماسكة وأمورها راجية بحال جزء من عشرين جزءاً مما كانت عليه في قديم أوانها وسالف أزمانها.
أشار ابن حوقل إلى فتح الروم لها وتخريبها في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وفي ذكر الضريبة التي تؤدى إلى الروم في كل سنة إلى ما قرره قرعويه السيفي مع الروم من الأتاوة التي تؤدى في كل سنة عن حلب إلى الروم، وليس هذا موضع ذكرها.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: وأما جند قنسرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب.
قال: وهي عامرة بالأهل جداً، على مدرجة طريق العراق إلى الثغور، وسائر الشامات.
سمعت أبا عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر يقول: بلغني أن حلب كانت من أكثر المدن شجراً، فأفنى شجرها وقوع الخلف بين سيف الدولة والإخشيد على ما نذكره، فإن كل واحد منهما كان ينزل عليها ويقطع شجرها، فإذا أخذها جاء الآخر وفعل مثله.
وأخبرني مكي بن هرون بن صالح الكفر بلاطي وكان من كفر بلاط من نقرة بني أسد قال: أخبرني هرون عن أبيه صالح يأثره عن سلفه أن الناس كانوا يمشون من مقام إبراهيم عليه السلام الذي على سطح جبل نوائل إلى زبيدة، وهي قرية على طرف جبل الأحص، وهي مشرفة على النقرة، في ظلال شجر الزيتون، والدليل على صحة ما ذكره أنه ما من قرية في نقرة بني أسد إلا وفيها أثر معصرة للزيت والحجر الذي كان يعصر بها.
أعمال حلب
باب في
ذكر قنسرين
وتسميتها بهذا الاسم ومعرفة من بناها

قد ذكرنا فيما تقدم أن إسم قنسرين كان أولاً صوبا، فسميت بعد ذلك قنسرين، وصوبا بالعبرانية، قيل إن اسمها في التوراة كذلك، ويقال فيها قنسرون أيضاً، ويقال بفتح النون بعد القاف وكسرها.
وقرأت بخط محمد بن يوسف بن المنيرة في حرفية اشتقاق أسماء البلدان: قنسرين من قولهم للشيخ قنسري، وقيل نزل بها رجل يقال له ميسرة، فقال: ما أشبه هذه بقن نسرين، فبني منه اسماً للمكان.
وقال محمد بن سهل الأحول في كتاب الخراج: قنسرين سميت برجل من قيس يقال له ميسرة، وذلك أنه مر به رجل فقال له: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين، فسميت بذلك.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن الأوقي بالبيت المقدس قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصفاني قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن المسبح قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن سعيد الحبال قال: أخبرنا أبو العباس منير بن أحمد بن الحسن بن منير الخشاب قال: أخبرنا علي ابن أحمد بن إسحق البغدادي قال: أخبرنا الوليد بن حماد الرملي قال: أخبرنا الحسين بن زياد عن أبي إسماعيل محمد بن عبد الله البصري قال: وحدثني الحسين ابن عبد الله قال: ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه في ألفي فارس، فمر على قنسرين فأخذ ينظر إليها في الجبل، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالرومية، فقال: إنها لكذلك، والله لكأنها قن نسر.
وقال أبو بكر الأنباري: قنسرون أخذت من قول العرب رجل قنسري، أي مسن، وأنشد للعجاج:
أطرباً وأنت قنّسريُّ ... والدهر بالانسان دوّاريُّ
وأنشد غيره:
وقنسرته أمور فاقسأن لها ... وقد حنى ظهره دهرٌ وقد كبرا
وقال أبو بكر بن الأنباري: وفي إعرابه وجهان يجوزان تجريها مجرى قولك الزيدون، فتجعلها في الرفع بالواو فتقول: هذه قنسرون، وفي النصب والخفض بالياء، فتقول مررت بقنسرين ودخلت قنسرين، والوجه الآخر أن تجعلها بالياء على كل حال، وتجعل الإعراب في النون، فلا تصرفها.
وقال أبو القاسم الزجاجي: هذا الذي ذكره ابن الأنباري من طريق اللغة، ولم يسم البلد كما ذكر، ولكنه روى أنها سميت برجل من عبس يقال له ميسرة وذلك أنه نزلها فمر به رجل فقال: ما أشبه هذا الموضع بقن نسرين فبني منه اسم للمكان، فقيل قنسرين بفتح النون من قنسرين.
وذكر عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي اللخمي ثم الرشاطي في كتاب إقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار قال: قال آخرون: دعا أبو عبيدة ميسرة بن مسروق القيسي فوجهه في ألف فارس، في أثر العدو فمر على قنسرين، فجعل ينظر إليها، فقال: ما هذه؟ فسميت له بالروميه، فقال: والله لكأنها قنسرين فسميت قنسرين بذلك.
قال الرشاطي: فهذا الخبر يدل على أن قنسرين إسم مكان آخر عرفه ميسرة القيسي، فشبه به هذا، فسمي به.
قلت: وهذا وهم من الرشاطي، وقد تصحف عليه قن نسرين، أو قن نسر، على ما ذكرناه بقنسرين، فقال ما قال، ولعله بلغة أن حيار بني القعقاع يقال لها قنسرين أيضاً، فوقع في هذا الوهم، ولا يمكن الإعتداد بذلك، فإن من ذهب إلى ذلك جعل مدينة قنسرين هي قنسرين الأولى، وحيار بني القعقاع هي قنسرين الثانية، فلا يمكن تشبيه الأولى بالثانية.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا القاضي أبو البركات محمد بن حمزة العرقي إجازة قال: وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر بن حسين سماعاً منه قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر المعروف بابن القطاع قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن البر اللغوي قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وقنسرون بلد بالشام، بكسر القاف والنون مشددة تكسر وتفتح، وأنشد ثعلب بالفتح هذا البيت لعكرشة العبسي:
سقى الله فتياناً ورائي تركتهم ... بحاضر قنّسرين من سبل القطر
قال: والنسبة إليه قنسري، وإن شئت قنّسريني.

وقع إلي كتاب ألفه أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي سماه الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها والأقاليم وأسماء بلدانها في سياقها، وهو مسموع عليه، وأحسبه بخطه، فقرأت فيه: حدثنا جدي رحمه الله قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا أشعث وسعيد جميعاً عن الحسن أنه قال: الأمصار: المدينة، والشام، ومصر، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، والبحرين.
قال ابن المنادي: وحدثني جدي قال: حدثنا روح قال: حدثنا سعيد عن قتادة أنه كان يجعلها عشرة: المدينة، ومصر، والكوفة، والبصرة، ودمشق، والجزيرة، وحمص، والأردن، وفلسطين، وقنسرين.
وقال ابن المنادي: الشامات خمس كور: الأولى قنسرين، ومدينتها العظمى حلب، وقنسرين أقدم منها، وبينهما أربع فراسخ، وبها آثار الخليل عليه السلام ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك كبني حمدان وغيرهم.
قال: ومن رسداقها منبج، وهي مدينة قديمة.
وذكر ابن حوقل النصيبي في كتابه قال في ذكر جند قنسرين: هي مدينة تنسب الكور إليها من أضيق النواحي بناء وإن كانت نزهة الظاهر، معونة في موضعها لما كان بها من الرخص والسعة في الأسعار والخيرات والمياه، اكتسحها الروم، فكأنها لم تكن إلا بقايا دمن، وجميع جند قنسرين أعذاء، وشربهم من السماء، وهي مدينة كثيرة الخير والسعة، وبها الفستق والتين وما شاكل ذلك.
قوله: وشربهم من السماء، يعني ضواحي قنسرين وقراها، أما المدينة نفسه فقويق يمر بجانبها وكانت القناة من بركة عين المباركة بقرب حلب يأتي ماؤها إلى مدينة قنسرين، وكانت القناة قد سيقت في لحف الجبل عند الوضيحي إلى صلدي، ثم سيقت تحت الأرض إلى أن انتهت إلى القناطر، وهي قرية من عملها، فعقدت لها قناطر رفيعة، ورفع ماء القناة فوقها إلى أن انتهى إلى مكان مرتفع، فسيقت تحت الأرض إلى مدينة قنسرين، فكان شرب أهل قنسرين منها، وأدركت أنا معظم أسوارها، وبعض أسوار قلعتها، وأبواب مدينتها قائمة.
وكان سليمان بن قطلمش بعد قتله مسلم بن قريش قد استولى على قنسرين وعمر قلعتها وتحصن فيها، وحصر حلب، فاتفق على ما اتفق من قتله على ما نذكره في ترجمته، فخربت قلعة قنسرين مع المدينة؛ وأخذ الناس حجارتها لعمارتهم، وسكورة الأرحاء.
وبنى محمود بن زنكي أولاً خان قنسرين منها، وزاده أتابك طغرل الظاهري ثانياً.
ونقل من عند المدينة إلى حلب شيء وافر، ونقل أيضاً من حجارتها إلى الجسر الذي جدده سيف الدين علي بن سليمان بن خدر في الوطاة، ورصفه بالحجارة، وفي الخان الذي جدده بتل السلطان، فتداعت أقطارها، وأمحت أثارها، ولم يبق منها اليوم غير قرية قنسرين يسكنها الفلاحون والأكره، ويرى من شاهد آثارها فيها معتبره.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: وقنسرين مدينة تنسب إليها الكور، وهي من أصغر المدن بها.
وقرأت في بعض كتبي من تواريخ القدماء، ولم يسم القائل أن سلوقوس، وهو الملك الأول بعد الاسكندر بنى فامية، وحلب، وقنسرين، وقد ذكرت ذلك، والله أعلم.
قلت: ويقال لقنسرين هذه قنسرين الأولى، كذا ذكره ابن الطيب وابن واضح وقال ابن واضح: وقنسرين الثانية، هي حيار بني القعقاع.
وقال ابن الطيب السرخسي في رحلة المعتضد: ورحل الأمير نحو قنسرين الأولى وقنسرين مدينة صغيرة لأخي الفصيص التنوخي، وعليها سور، ولها قلعة، وسورها متصل بسور سائر المدينة.
وقال ابن واضح: وكورة قنسرين الأولى، وهي مدينة على جادة الطريق الأعظم، وبها قوم من تنوخ.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن: وقنسرين مدينة تنسب الكورة إليها، وهي من أخصب المدن.
وقال أيضاً: وأما جند قنسرين، فإن مدينتها قنسرين، غير أن دار الإمارة والأسواق ومجامع الناس والعمارات بحلب.
باب في
فضل قنسرين
واعلم أن لحلب من هذه الفضيلة الحظ الأوفر والنصيب الأكثر، لأن ذكر قنسرين في الغالب عند الإطلاق ينصرف إلى جند قنسرين، فيتناول ناحيتها، وقد بينا فيما تقدم أن قصبتها حلب، وأنها المدينة العظمى، فشاركتها في هذه الفضيلة المذكورة.

أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي فيما أذن لنا فيه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي زيد بن حمد الكراني، وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسي قالا: أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه، قال الطرسوسي: وأخبرنا أبو نهشل العنبري قال: أخبرنا أبو بكر بن ريذة قالا: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل أوحى إلي أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين.
وأخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذناً، وأبو محمد عبد العزيز ابن الأخضر مكاتبة قالا: أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي قال: أخبرنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي قال: أخبرنا عبد الجبار ابن محمد الجراحي قال: أخبرنا محمد بن أحمد المحبوبي قال: أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الحافظ قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين.
قال أبو عيسى الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، تفرد به أبو عمار. وقد تابع أبا عمار الحسين بن حريث جعفر بن محمد الخراساني، فرواه عن الفضل بن موسى السيناني.
أخبرناه شيخنا الزاهد الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي الحلبي مشافهة قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل قال: أخبرنا جدي أبو محمد قال: حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم قال: حدثنا أبو القاسم حمزة بن عبد الله ابن الحسن الأديب بأطرابلس قال: حدثنا القاضي أبو نصر محمد بن محمد بن عمرو النيسابوري قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي قال جعفر ابن محمد الخراساني قال: حدثنا الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان ابن عبد الله العامري عن أبي زرعة عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أوحى إلي أي هؤلاء نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين.
وقد تابع الفضل بن موسى السيناني علي بن الحسن بن شقيق فرواه عن عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري.
أخبرناه زين الأمناء أبو البركان الحسن بن محمد بن الحسن بدمشق قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي إجازة، إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي.
وأخبرنا المؤيد بن محمد الطوسي، وزينب بنت الشعري في كتابيهما إلي من نيسابور عن أبي عبد الله الفراوي.
قالت زينب: وأنبأنا أبو المظفر القشيري قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً قال: أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو قال: أخبرنا إبراهيم بن هلال قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين.
قال أبو عبد الله الحاكم في المستدرك على الصحيحين: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
باب في
ذكر أنطاكية
وتسميتها بهذا الاسم ولقبها ومعرفة من بناها وما قيل فيها

وهي من الإقليم الرابع أيضاً، وكانت دار الملك للروم، إلى أن كانت وقعة اليرموك، ونصر الله المسلمين فلم تقم للروم راية بعدها، فانتقل الملك عن أنطاكية إلى القسطنطينية، ولما انفصل هرقل عنها، وخرج طالباً القسطنطينية، التفت نحو الشام عندما جاوز الدرب وقال: عليك يا سورية السلام، وسورية هي الشام الخامسة، وأنطاكية منها، وقد ذكرنا أن في طرف الأحص مدينة خربة يقال لها سورية.
وأنطاكية أعجمية معربة، قيل إنها بتشديد الياء، وقيل بالتخفيف، واسمها بالرومية أنطوخيا.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسين الكندي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: في كتابه: فيما تلحن فيه العامة، ومما يشدد، والعوام تخففه، قال: وأنطاكية بتشديد الياء.
وقال أبو منصور في كتابه المعرب: وأنطاكية اسم مدينة معروفة، مشددة الياء، وهي أعجمية معربة، وقد تكلمت بها العرب قديماً، وكانوا إذا أعجبهم عمل شيء نسبوه إليها. قال زهير:
علون بأنطاكية فوق عقمة ... وراد الحواشي لونها لون عندم
قلت: والمشهور من شعر زهير:
وعالمين أنماطاً عتاقاً وكلة ... وراد الحواشي......
البيت. وقد جاء في رواية، كما ذكره أبو منصور.
أنبأنا زيد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الفضل بن ناصر قال: أخبرنا أبو زكريا التبريزي قال: أخبرنا أبو محمد الدهان اللغوي قال: أخبرنا علي بن عيسى الرماني عن ابن مجاهد القاريء عن أبي العباس ثعلب.
وقال ابن ناصر: وأخبرنا الحميدي سماعاً من لفظه قال: أخبرنا الشيخ أبو غالب أحمد بن محمد بن سهل النحوي الواسطي قال: قرأت على أبي الحسين بن دينار قال: أخبرنا أبو بكر بن مقسم قال: حدثنا أبو العباس ثعلب وأنشد بيت زهير.
وعالمين أنماطاً عتاقاً وكلة ... وراد الحواشي لونه لون عندم
وقال: ويروى:
علون بأنطاكية فوق عقمة ... وراد الحواشي لونه لون عندم
وقال في تفسيره: أنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى أنطاكية، قال: وكل شيء عندهم من قبل الشام فهو أنطاكي.
قلت: وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
أهاجتك سعدى إذ أجد بكورها ... وحفت بأنطاكي رقم خدورها
وذكر أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في اللامع العزيزي، قيل: إنما سميت أنطاكية، لن الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك ولا شك أن لفظها قد عرب بعض التعريب، فلو أنها عربية لوجب أن تكون من النطك، ولم يذكر ذلك أحد من الثقات.
قال أبو العلاء: أنطاكية بلد قديم، وقد ذكرته العرب في أشعارها، وقيل أنهم كانوا يقولون لمن جاء من الشام، ولما جلب من متاعه أنطاكي، ومنه قول امرىء القيس:
علون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يترب
أي بثياب أنطاكية.
قال السكري: وهي قرية من قرى الشام، ويقال لكل ما يأتي من الشام أنطاكي وقرأت في كتاب أبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، كتاب معجم ما استعجم في ذكر ما جاء في أشعار العرب من الأماكن، قال: أنطاكية بتخفيف الياء، مدينة من الثغور الشامية معروفة، قال اللغويون كل شيء عند العرب من قبل الشام، فهو أنطاكي، قال زهير:
وعالمين أنطاكية فوق عقمة ... وراد الحواشي لونه لون عندم
وقد وجدت بخط علي بن حمران في ديوان شعر زهير هذا البيت، وكتب بخطه نسبها إلى أنطاكية، وكتب فوقها خف، وذكر أنه نقله من أصل أبي الحسين علي بن محمد بن دينار، وهي مقابلة بنسخة أبي الفتح جخحج، وذكر أنه قابل بها كتاب أبي عمر القطربلي، وكتاباً بخط أبي موسى الحامض، ونسخة بخط أبي الحسن محمد بن محمد الترمذي، ونقوله من أصل أبي بكر بن مجاهد، وذكر أبو الفتح أنه قابل نسخته بأصل ابن الخياط، وقابل أيضاً بأصل أبي سعيد بخطه، قال ابن حمران: وقرأته على أبي أحمد عبد السلام البصري، وسمعته يقرأ على أبي الحسن علي بن عيسى صاحب أبي علي.
وقال الحسن بن أبي الخصيب الكاتب في كتاب الكارمتهر في علم أحكام النجوم: أقسام الأرض أربعة، أولها أنطاكية وناحية المشرق، لها من البروج السرطان والأسد والعذراء ومن السبعة الشمس والمشتري.

وقرأت في تاريخ أبي الثناء حماد بن هبة الله بن حماد الحراني، بحران، قال: وقيل أن إبراهيم عليه السلام قال: أخبرني ربي أن أول مدينة وضعت على وجه الأرض حران، وهي العجوز، ثم بابل، ثم مدينة تيونه، ثم دمشق، ثم صنعاء اليمن، ثم أنطاكية، ثم رومية.
وهذا خلاف ما يأتي من أن بنائها كان بعد موت الاسكندر.
قرأت بخط محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي الحافظ: أنطاكية تسميها النصارى مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، لأنها أول بلد ظهرت فيه النصرانية، وبها كرسي باطره، وهو المقدم على التلاميذ، وهو سمعون، وقيل أنه هو الذي ابتدأ بنيان الكنيسة بأنطاكية، التي تسمى القسيان.
وقرأت بخط الشريف ادريس بن حسن بن علي الادريسي المؤرخ ما ذكر أنه نقله من تاريخ أنطاكية لبعض النصاري، أقلو ذنوس ملك ثلاثة عشر سنة وتسعة أشهر، وسمي المؤمنون بالمسيح - يعني في أيامه - بأنطاكية نصارى، ومنها كان ابتداء النسبة وانتشر هذا الاسم في سائر البلاد.
وذكر في هذا التاريخ يوسطليانوس ملك تسعاً وثلاثين سنة، وفي السنة الثالثة من ملكه خسف بأنطاكية. وأبصر رجل قديس في نومه قائلاً يقول له: تكتب على أبواب المدينة، الله معنا. ومن ذلك اليوم دعيت مدينة الله.
وقرأت في بعض تواريخ المسيحية أن مقام الروم بأنطاكية - وكانوا يدعونها مدينة الله، ومدينة الملك، وأم المدن، وإنما قيل لها أم المدن، لأنها أول بلد ظهر فيه دين النصرانية، وسميت مدينة الله، لأنه خسف بها في السنة الثالثة من مملكة يوسطليانوس الرومي، وأبصر رجل صالح في نومه قائلاً يقول: يكتب على أبواب المدينة، الله معنا، فدعيت من ذلك اليوم مدينة الله.
وأما
معرفة من بناها
فقرأت بخط يحيى بن جرير التكريتي في كتابه الذي ضمنه أوقات بناء المدن، وقد قدمنا ذكره قال: بعد دولة الاسكندر وموته باثنتي عشرة سنة بنى سلوقس اللاذقية، وسلوقية وأفامية، وباروا وهي حلب وإذا سا وهي الرها، وكمل بناء أنطاكية، وكان بناها قبله، أعني أنطاكية، أنيطغنوس في السنة السادسة من موت الاسكندر.
قال يحيى بن جرير: بني أنطيغنوس الملك على نهر أورنطس مدينة سماها أنطوغنيا وهي التي كمل سلوقوس بناءها، وزخرفها وسماها على اسم ولده أنطيوخوس، وهي أنطاكية.
وذكر أحمد بن محمد بن اسحق الهمذاني المعروف بابن الفقيه، فيما قرأته في كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: وقال الهيثم بن عدي: أنطاكية بناها أنطيخس الملك الثالث بعد الاسكندر وقد ذكرنا عن أبي العلاء أن الذي بناها يقال له أنطيخنوس الملك.
وقرأت في تاريخ قديم وقع إلي وعدد فيه ملوك سورية قال: وهي بالشام فذكر سلوقس، وهو الذي بنى حلب وقنسرين، ثم ملك بعده أنطياخوس بن سوطر تسعاً وعشرين سنة، وبنى أنطاكية، وسمي الاله خمسة عشر سنة.
وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وملك بطليموس محب أمه عشرين سنة، وفي أيامه غلب على الشام وأرض يهوذا أنطياخوس ملك الروم، فأخرج اليهود من الشام، ونالهم منه كل شدة وعذاب. وملك بعده أخوه بطلميوس ويلقب أيضاً الصائغ ثلاثاً وعشرين سنة، وفي أيامه بنى أنطياخوس ملك الروم أنطاكية، وسماها باسمه فسميت مدينة أنطياخوس وهي أنطاكية.
وقرأت في بعض ما علقته من الفوائد قيل أن أول من سكن أنطاكية وعمرها أنطاكية بنت الروم بن اليفن بن سام بن نوح، وهي أخت أنطالية باللام.
وقرأت في بعض تواريخ القدماء قال أونيناوس: في السنة الثالثة عشر من تاريخ الاسكندر بنى سولوقس أنطاكية.
قرأت بخط غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن في كتاب الربيع، وأنبأنا به جماعة عن ابن البطي عن محمد بن فتوح الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أنه نقل من خط ابن بطلان الطبيب رسالة، كتبها إلى والده هلال بن المحسن، بعد خروجه من بغداد يخبره فيها بأحوال البلاد التي مر بها في سفره، وذلك في سنة أربعين وأربعمائة قال فيها: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية، وبين حلب وبينها يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وأنطاكية أرضاً عامرة لا خراب فيها أصلاً، لكنها أرض زرع للحنطة والشعير تحت شجر الزيتون، قراها متصلة ورياضها مزهرة، ومياهها متفجرة، يقطعها السفر في بال رخي وأمن، وسكون.

وأنطاكية بلد عظيم ذو سور وفصيل، ولسوره ثلاثمائة وستون برجاً يطوف عليها بالنوبة أربعة آلاف حارس، ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك يضمنون حراسة البلد سنة، ويستبدل بهم في السنة الثانية. وسكك البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل، والسور يصعد مع الجبل إلى قلته، فيتم دائرة، وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها عن البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية، وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب، وفي وسطها بيعه القسيان، وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده فطرس رئيس الحواريين عليه السلام، وهو هيكل طوله مائة خطوة، وعرضه ثمانون، وعليه كنيسة على أساطين، وكان بدور الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة، ومعلموا النحو واللغة، وعلى أبواب هذه الكنيسة بنجام للساعات يعمل ليلاً ونهاراً دائماً، اثنتي عشر ساعة، وهو من عجائب الدنيا، وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين، ومعاصر حسنة تخرقها المياه، وعلة ذلك أن الماء ينزل إليهم من الجبل المطل عليهم، وهناك من الكنائس ما لا نحد كثرةً، كلها معمولة بالفص المذهب، والزجاج الملون والبلاط المجزع.
قال: وظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب، يأخذ من الجنوب إلى الشمال، وهو مثل نهر عيسى، وعليه رحى، يسقي البساتين والأراضي.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، عليها سور صخر يحيط بها، وبجبل مشرف عليها، فيه مزارع ومياه وأشجار، ومراعي وأرحة، وما يشتغل به أهلها من مرافقها، يقال إن دور السور للراكب يومين، وتجري مياههم في دورهم، وسككهم، وبها مسجد جامع، وبها ضياع وقرى ونواحي خصبة جداً.
وقرأت في كتاب ابن حوقل النصيبي قال: والعواصم اسم الناحية، وليس بمدينة تسمى بذلك، وقصبتها أنطاكية، وهي بعد دمشق أنزه بلد بالشام، وعليها إلى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها، وجبل مشرف عليها، فيه لهم مزارع ومراعي وأشجار وأرحية، وما يستغل بها أهلها من مرافقها.
ويقال إن دور السور للراكب يوم واحد، وتجري مياههم في أسواقهم ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم، وكان لها ضياع وقرى ونواحي خصبة حسنة، استولى عليها الروم، وكانت قد اختلت قبل افتتاحها، في أيدي المسلمين، وهي أيضاً في أيدي الروم أشد اختلالاً، وفتحها الروم في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
قلت: وبعد استيلاء الروم عليها في هذه السنة فتحها المسلمون، وذلك أن سليمان قطلمش بن قاؤر بن سلجوق، وجده قاؤر أخو ألب أرسلان، أسرى من نيقيه، وكتم خبره وجد في السير فوصل إلى أنطاكية في مائتي فارس وثمانية فوارس ليلاً، فتسوروا الأسوار، وفتحوها ليلاً، وذلك في أول شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ثم قتل سليمان بن قطلمش واستولى يغي سيان على أنطاكية، وأخذها الفرنج خذلهم الله منه في سنة تسعين وأربعمائة، وبقيت في أيديهم إلى الآن.
والمسجد الجامع الذي كان بأنطاكية للمسلمين، هو إلى جانب القسيان، ودخلت أنطاكية في سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة وستمائة، ودخلت بيعة القسيان فوجدت بجانبها محراب المسلمين على حاله، وفي سقوفه آيات القرآن مكتوبة في النقش، وهي على ما ذكره ابن بطلان من الصورة، وبيعة القسيان مزخرفة بالرخام والفسيفساء.
وقرأت في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها، تأليف أبي الحسين ابن المنادي، يقال: ما من بناء بالحجارة أبهأ من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهأ من كنيسة منبج ولا بناء بالرخام أبهأ من قسيان أنطاكية.
قال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي في ذكر أنطاكية: وهي من المدن التي كانت يتسلى بها الغريب عن وطنه، وأما اليوم فلا يعنى لكربها صائم.

ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب: ولجند قنسرين والعواصم من الكور، كورة أنطاكية، وهي مدينة قديمة، يقال إنه ليس في أرض الإسلام، ولا أرض الروم مثلها، أجل ولا أعجب سوراً، عليها سور حجارة في داخل السور منازل تسير فيها الركبان. وبلغني أن مساحة دور السور، وهو يحيط بالمدينة وبالجبل الذي المدينة في سفحه إثنا عشر ميلاً، وافتتحت مدينة أنطاكية صلحاً، صالحهم أبو عبيدة بن الجراح، وعندهم كتاب الصلح إلى هذه الغاية، وبها الكف التي يقال أنها كف يحيى بن زكريا عليه السلام في كنيسة يقال لها كنيسة القسيان. ولها نهر يقال له الأرنط، عليه العمارات والأجنة، ولها عيون كثيرة تأتي من الجبل، ثم تجري في منازل المدينة، ويصرف الماء فيها كيف أحب أهلها، وأهلها الغالبون عليها قوم من العجم، وبها قوم من ولد صالح بن علي الهاشمي وقوم من العرب من يمن.
قرأت في كتاب أبي إسحق إبراهيم بن الحسن بن أبي الحسن الزيات الفيلسفوف، المسمى نزهة النفوس وأنس الجليس في ذكر المدن والأقاليم، فقال: ذكر مدينة أنطاكية، وهي في الإقليم الرابع، وبعدها من خط الإستواء ستة وثلاثون درجة، وهي مدينة قديمة، وليس في أرض الإسلام ولا في أرض الروم مثلها، ولها سور من حجارة، ودورها اثنا عشر ميلاً وبعدها عن خط المغرب إثنتان وستون درجة إفتتحها أبو عبيدة بن الجراح صلحاً، وعندهم الآن كتاب الصلح، وبها قبر يحيى بن زكريا عليه السلام، وكنيسة يقال لها القسيان، وبها نهر الأرنط، عليه العمارات والضياع والبساتين، وبها عيون كثيرة تأتي من قنوات من الجبال، فتدخل منازلهم، فيضرب الماء لكل جهة، وأهلها قوم من العجم، وبها قوم من العرب.
وقرأت في كتاب المسالك والممالك للحسن بن أحمد المهلبي العزيزي، وضعه للعزيز الفاطمي المستولي على مصر، قال: فأما مدينة أنطاكية فهي مدينة العواصم، وهي مدينة جليلة فتحها أبو عبيدة بن الجراح، وأسكنها المسلمين، وهي من الإقليم الرابع، وعرضها خمس وثلاثون درجة، وهي مدينة عظيمة ليس في الإسلام، ولا في بلد الروم مثلها، لأنها في لحف جبل، هو من شرقها مطل عليها، لا تقع عليها الشمس إلا بعد ساعتين من النهار، وعليها سور من حجارة يدور بسهلها، ثم يطلع إلى نصف الجبل، ثم إلى أعلاه، ثم ينزل حتى يستدير عليها من السهل أيضاً، وفي داخل السور عراص كثيرة في الجبل ومزارع وأجنة وبساتين، ويتخرق الماء من عيون له في الجبل مقناة إلى المدينة والأسواق والمنازل، كما يتخرق مدينة دمشق، وأبنيتها كلها بالحجر، والفواكه والزهر بها كالمجان، ومساحة دور السور إثنا عشر ميلاً، وبها كنيسة القسيان، وهي كنيسة جليلة عظيمة البناء والقدر عند النصارى، ويقال أن بها كف يحيى بن زكريا عليه السلام، وبرسمها بطريق، وتجل النصارى قدره، لها أعمال واسعة من المشرق إلى المغرب، وأهلها الغالبون عليها قوم من الفرس، وقوم من ولد صالح بن علي ومواليه، وأهلها أحسن خلق الله تعالى وجوهاً، وأكرمهم أخلاقاً، وأرقهم طباعاً، وأسمحهم نفوساً، والأغلب على خلقهم البياض والحمرة، ومذاهبهم على ما كان عليه أهل الشام إلا من تخصص ولها من الكور، كورة تيزين، وهي ضياع جليلة القدر، وكورة الجومة وبها العيون الكبريتية التي تجري إلى الحمة، وكورة جندارس مدينة عجيبة البناء، مبنية بالحجارة والعمد، وكورة أرتاح، وهي مدينة جليلة القدر، وكورة الدقس، وهي كورة جليلة، وكورة قرصيلي، وهي ضياع جليلة، وكورة السويدية وهي مدينة على ضفة البحر المالح، وكورة الفارسية والعربية، وهي جليلة القدر، وكورة يدابيا والقرشية.
قلت وأهلها الآن هم من أبناء الروم والأفرنج، وخلقهم في الحسن والجمال على ما ذكر. وكورة تيزين وكورة الجومة، وكورة جندارس، وكورة أرتاح في يد المسلمين الآن مضافة إلى ولاة حلب.
وحارم من هذه الناحية لها قلعة عظيمة حصينة، وهي عامرة، ولها ربض وأسواق ومسجد جامع، وهي كثيرة البساتين والفواكه نزهة، كانت من أعمال أنطاكية، وهي الآن مستقلة بنفسها، مستتبعة لغيرها من أعمال حلب حرسها الله.

نقلت من خط بنوسة في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري مما حكاه عمن حدثه من أهل الشام، قالوا: ونقل معاوية بن أبي سفيان إلى أنطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة من الفرس من أهل بعلبك وحمص، ومن المصرين، فكان فيهم مسلم بن عبد الله، جد عبد الله بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي، وكان مسلم قتل على باب من أبواب أنطاكية يعرف اليوم بباب مسلمة، وذلك أن الروم خرجت من الساحل، فأناخت على أنطاكية، وكان مسلم على السور، فرماه علج بحجر فقتله.
وقال البلاذري: وحدثني جماعة من مشايخ أهل أنطاكية منهم ابن برد الفقيه أن الوليد بن عبد الملك أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل، وصير الفلثر، وهو الجريب، عليهم بدينار ومدي قمح، فعمروها، وجرى ذلك لهم، وبنى حصن سلوقية.
قال: وحدثني أبو حفص الشامي عن محمد بن راشد عن مكحول قال: نقل معاوية في سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين إلى السواحل قوماً من زط البصرة والسيابجه، وأنزل بعضهم أنطاكية.
قال أبو حفص: بأنطاكية محلة تعرف بالزط، وببوقا من عمل أنطاكية قوم من أولادهم يعرفون بالزط، وقد كان الوليد بن عبد الملك نقل إلى أنطاكية قوماً من زط السند ممن حمله محمد بن القاسم إلى الحجاج، فبعث بهم الحجاج إلى الشام.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي مشافهةً عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: أنطاكية هي من أحسن البلاد في تلك الناحية وأكثرها خيراً، استولى عليها الفرنج، وهي في أيديهم الساعة، وهي دار مملكتهم، والدواء المسهل الذي يقال له الأنطاكي منسوب إلى هذه البلدة، المعروف بالسقمونيا، ولا يكون ببلد إلا بهذه البلدة، وقيل إن هذه الآية في أنطاكية: " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية، إِذ جاءها المرسلون " . وبها قبر حبيب النجار في السوق كان بها، ومنها جماعة من العلماء المشهورين قديماً وحديثاً.
قرأت في كتاب أحمد بن محمد بن إسحق الهمذاني الفقيه في البلدان وأخبارها: لما أن افتتح أنوشروان قنسرين ومنبج وحلب وحمص ودمشق وإيليا وأنطاكية استحسن أنطاكية، فلما انصرف إلى العراق، بنى بها مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها وشوارعها ودورها، وسماها رندخسره، وهي التي يسميها العرب الرومية، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية، فلما دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئاً، فانطلق كل رجل منهم إلى منزله، إلا رجل أسكاف، كان على باب داره بأنطاكية شجرة فرصاد فلم يرها على بابه ذلك، فتحير ساعةً، ثم دخل الدار فوجدها مثل داره.
وقرأت في بعض ما علقته من الفوائد أن كسرى بنى الرومية بالمدائن وهي باذبجان خسره، وتفسيرها خير من أنطاكية.
وهذا الذي ذكره ابن الفقيه أحمد بن محمد بن إسحق الهمذاني من أنهم لم ينكروا من منازلهم، وأن الرجل الأسكاف لم ير شجرة الفرصاد على بابه فتحير ساعة ثم دخل، بعيد جداً، بل هو من المستحيلات، لأن أبنية أنطاكية بالحجر، وبناء هذه المدينة بالآجر، بل يحتمل أنه شبهها بها في المنازل والشوارع، فدخل كل واحد إلى ما يشبه منزله، لا أن الأسكاف أنكر الموضع لأنه لم ير شجرة الفرصاد.
وذكر أبو عبد الله حمزه بن الحسن الأصبهاني في كتاب تواريخ الأمم: كسرى أنوشروان بن قباذ، وبنى عدة مدن، منها مدينة دخلت في عداد مدن المدائن السبع، وسماها به أربذ يو خسره ومعنى به أربذ يو خسره، أي خير من أنطاكية وقال: أربذ يوم اسم لمدينة أنطاكية، وبه اسم للخير.
وقع إلي قصيدة من نظم أبي عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي مزدوجة وسمها بقصيدة الأعلام يذكر فيها خروجه من طرسوس سنة ثمان وثلاثمائة، ويصف فيها المنازل التي نزلها فذكر أنطاكية وفضلها، وفسر الأبيات، والنسخة نسخة عتيقة جداً. قال فيها:
ثم وردنا غُدوة أنطاكية ... وأهلها في خيره مُواسيه
أهل عفاف وأمور عالية ... أخلاقهم قدماً عليها جارية
مدينة ميمونةٌ مذ لم تزل ... النصف في السهل ونصف في الجبل
والبق لا يدخُلها ويتّصل ... لكن بها فأر عظيم كالورل
كثيرة الخيرات والثمار ... وتينها القلار في الأشجار
مثل النجوم في دجى الأسحار ... حصينة كثيرة الآثار

صاحب ياسين حبيب فيها ... وكان عند ربّه وجيها
في الخُلد والثمار يجتنيها ... أكرم به مُفتخراً نبيها
وقال في تفسير الأبيات: أما أنطاكية فإن لها حصناً نصف في السهل ونصف في الجبل ولا يدخلها البق، ومن خرج منها آذاه البق، وهي كثيرة الفأر، والتين القلاري لا يكون إلا بها، ويعرف بالعراق بالشامي، وصاحب ياسين حبيب النجار قبره بها، وهو الذي قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.
باب
ما جاء في ذم أنطاكية
قيل إن أمير المؤمنين هرون الرشيد رحمة الله عليه كان ورد أنطاكية، فاستطابها جداً، وهم بالمقام فيها، وكره ذلك أهلها، فقال له شيخ منهم، وصدفه عن الصورة،: يا أمير المؤمنين ليست هذه من بلدانك، قال: وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر يتغير فيها حتى لا ينتفع به، والسلاح يصدأ فيها، ولو كان من قلع الهند، فتركها ورحل عنها.
ويقال إن أنطاكية كثيرة الفأر، وقد ذكر ذلك أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في أرجوزة له، فقال في ذكر أنطاكية:
والبق لا يدخلها ويتصل ... لكن بها فأرٌ عظيم كالورل
أنبأنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب عن أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس قال: أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن الحسين بن دوما النعالي قال: أخبرنا أبو علي محمد بن جعفر بن مخلد الباقرحي قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن علوية القطان قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار قال: حدثنا إسحق بن بشر أبو حذيفة عن ابن سمعان قال: بلغني عمن له علم بالعلم الأول أن كل رجل بعثه سمعون بعد عيسى إلى أناس أو بلدة أقام عندهم حتى مات في بلادهم، واتبعوه ما خلا يحنى وتومان بعثا إلى أنطاكية فلم يجيبوهما، وقتلوا من آمن بهما واتبعهما، وعدوا عليهما، وأرادوا قتلهما، وقتلوا حبيب النجار، فأخذهم الله بالصيحة، وكانت أول مدينة أهلكها الله بعد عيسى أنطاكية.
قال أبو حذيفة إسحق بن بشر: وقال الحسن: إن مدينة أنطاكية من مدائن جهنم.
قلت ظن أبو حذيفة أن الحسن أراد بقوله إن مدينة أنطاكية من مدائن جهنم، أنطاكية الشام، فذكر ذلك عقيب ذكر حبيب النجار وأخذ أهل أنطاكية بالصيحة، وليس الأمر كذلك، بل المراد من أنطاكية التي ذكرها الحسن أنطاكية المحترقه، وهي أنطاكية الروم، لما نذكره ونبينه، وأخذ أهل أنطاكية بالصيحة لعتوهم وتكذيبهم، لا يدل على عدم الفضيلة، فإن مكة أشرف البقاع وقد كذب أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتقم الله منهم، ونصره عليهم، بل عقوبة الجاني في الموضع الشريف أليق بحال الجاني، ألا ترى إلى أصحاب الفيل كيف انتهكوا حرمة الحرم، فأهلكهم الله تعالى كما أخبر في كتابه بقوله تعالى: " وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول " ، فكان ذلك زيادة في شرف الحرم، فهكذا فيما نحن فيه. ألا ترى إلى ما حكيناه فيما تقدم من تسميتها مدينة الله، أنه لما خسف بها رأى رجل صالح في نومه قائلاً يقول: تكتب على أبواب المدينة الله معنا، فسميت مدينة الله.
والدليل على أن المراد يقول الحسن أنطاكية الروم، ما أخبرنا الشيخ الإمام أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال أخبرنا عمي أبو القاسم على بن الحسن قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال أخبرنا جدي أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو المعمر المسدد بن علي بن عبد الله بن العباس بن أبي السحيس الحمصي، قدم علينا، قال: حدثنا أبو بكر محمد ابن سليمان بن يوسف الربعي قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي قال: حدثنا ادريس بن سليمان بالرمله قال: حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن حازم قال: حدثنا الوليد بن محمد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع مدائن في الدنيا من الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأربع مدائن من النار روميه وقسطنطينية وأنطاكية وصنعاء، قال إدريس: يعني أنطاكية المحترقه.

وقد جاء في رواية أخرى مصرحاً في الحديث بأنها أنطاكية المحترقة. أخبرنا بذلك الفقيه العالم شرف الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد ابن الحسن الدمشقي قال أخبرنا عمي أبو القاسم بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفر بن سبط وأبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع ببغداد، وأم البهاء فاطمة بنت علي بن الحسين العكبرية بدمشق قالوا: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي الدجاجي قال: أخبرنا علي بن عمر بن محمد الحربي قال حدثنا أبو السري سهل بن يحيى، وقال ابن السبط: ابن يحيى بن سبأ الحداد، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الرازي قال: حدثنا عبد الواحد بن يزيد عن محمد بن مسلم الطائفي عن محمد بن مسلم الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مدائن من مدائن الجنة وأربع مدائن من مدائن النار، فأما مدائن الجنة فمكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأما مدائن النار فالقسطنطينيه وطبريه وأنطاكية المحترقة وصنعاء.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري أن أنطاكية المحترقة ببلاد الروم، أحرقها العباس بن الوليد بن عبد الملك.
وقال أبو عبد الله السقطي ليس هي صنعاء وإنما هي صنعاء بأرض الروم.
وقد جاء في رواية أخرى بدل طبرية الطوانه وهو الصحيح قرأت في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والأقاليم وأسماء بلدانها تأليف أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي، وأظنه بخطه، والنسخة مقروءة عليه، قال: بلغنا عن يزيد بن عبد الله الخولاني عن كعب الأحبار أنه قال: خمس مدائن في الدنيا من مدائن الجنة وخمس مدائن في الدنيا من مدائن النار، فأما مدائن الجنة فحمص، ودمشق، وبيت المقدس، وبيت جبرين، وظفار اليمن، وأما مدائن النار فالقسطنطينيه وعمورية وأنطاكية وتدمر وصنعاء اليمن.
قال أبو الحسين بن المنادي: هذه ليست أنطاكية الشام، ولكنها أنطاكية الروم.
أخبرني من أثق به، وكتبه لي بخطه، قال: قرأت في مجموع جمعه رشاء بن نظيف، قال: وأظنه بخطه، قلت وأخبرنا به إجازة أبو البركات الحسن بن محمد ابن الحسن عن عمه أبي القاسم الحافظ قال: أنبأنا أبو القاسم النسيب عن رشاء بن نظيف قال: حدثني أبو سعيد محمد بن أحمد بن عبادة البيروتي، بمدينة دمشق قال: حدثني عبد المؤمن بن المتوكل قال: حدثنا أبو عبد الرحمن مكحول قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه الوليد عن عروة عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تثور بنو الأصفر بالعرب فتكون بينهم وقعة في موضع يقال له الرأس واللفئكة، فتسيل فيه دماء حتى تخوض الخيل في الدماء إلى أرسانها، قال ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أفمن قلة؟ قال: إنما تكثر الأعمال السوء، ولينزع الله المهابة من صدور أعدائكم منهم، وتكونوا في عينهم كغثاء السيل، ويفتحون الملعونتان، قال ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله وما الملعونتان؟ قال: أنطاكية وصيدا.
وهذه أيضاً أنطاكية المحترقة أيضاً، والله أعلم، لأنه قد ورد أنها من مدائن النار أما أنطاكية الشام، فقد جاء في فضلها من الأخبار والآثار ما نذكره إن شاء الله تعالى.
باب في
فضل أنطاكية
ذكر الله تعالى أنطاكية في القرآن في موضعين وسماها قرية، وسماها مدينة في الموضعين، ذكرها في سورة الكهف في قصة الجدار الذي أراد أن ينقض فأقامه، وسماها في أول القصة قرية بقوله تعالى: " حتى إِذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها " وسماها تبارك وتعالى في آخر القصة بالمدينة حيث قال عز من قائل: " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة " .
جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنه أنها أنطاكية، وذكر ذلك أبو إسحق الثعلبي وغيره.
وذكرها الله تعالى أيضاً في سورة ياسين في قصة حبيب النجار، قال سبحانه وتعالى في أول القصة: " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إِذ جاءها المرسلون " . وقال عز من قائل في آخر القصة: " وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى " .

أخبرنا أبو الغنائم محمد بن أبي طالب بن شهريار في كتابه إلينا من أصفهان قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي الفضل، المعروفة ببنت البغدادي، قالت: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقرىء قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن السدي عن عكرمة في قوله تعالى: " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية " . قال هي أنطاكية.
ونقلت من كتاب أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي الذي سماه الحافظ، وهو مسموع عليه، قال: حدثنا جدي قال: حدثنا يونس قال: حدثنا شيبان عن قتادة: واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية. قال: ذكر لنا أنها أنطاكية، مدينة من مدائن الروم.
قلت: قوله من مدائن الروم يعني أنها كانت من مدائن الروم، والروم يعظمونها.
قال: قصة حبيب كانت بأنطاكية الشام، وقبره بها.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذناً، قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا الحسين بن علي بن الحسين بن بطحاء المحتسب قال: أخبرنا أبو سليمان محمد بن الحسين بن علي الحراني قال: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبه قال: حدثنا أحمد بن مسلم الحلبي قال: حدثنا عبد الله بن السري المدائني عن أبي عمر البزاز عن خالد بن سعيد عن الشعبي عن تميم الداري قال: قلت يا رسول الله ما رأيت بالروم مدينة مثل مدينة يقال لها أنطاكية، وما رأيت أكثر مطراً منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم وذلك أن فيها التوراة، وعصا موسى ورضراض الألواح، ومائدة سليمان بن داوود في غار من غيرانها، ما من سحابة تشرف عليها من وجه من الوجوه إلا أفرغت ما فيها من البركة في ذلك الوادي، ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسكنها رجل من عترتي، اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يشبه خلقه خلقي وخلقه خلقي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وقد روي هذا الحديث عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه زيادة على ما رواه الشعبي عن تميم الداري، نقلته من خط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وكان فاضلاً مسنداً، قال: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال: حدثنا يوسف ابن سعيد بن مسلم قال: حدثنا الحجاج عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه تميم الداري، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أين قدمت؟ قال: من الشام، فقال تميم: يا رسول الله لم أر بالشام مدينة أحسن من أنطاكية ولا أطيب إلا أنها كثيرة الأمطار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما السبب في ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فيها جبل، وفي ذلك الجبل غار، وفي ذلك الغار عصاة موسى صلى الله عليه، وشيء من ألواحه، ومائدة سليمان، ومحبرة إدريس، ومنطقه شعيب، وبردا نوح، ولا تطلع سحابة شرقية ولا غربية ولا قبلية ولا حربية إلا حط من بركتها عليها وعلى ذلك الغار قبل أن تمطر في الدنيا، ولا تقوم الساعة ولا تذهب الليالي والأيام حتى يخرج رجل من أهل بيتي ومن عترتي يوافق اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، فيستخرج جميع ما في ذلك الغار، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
أنبأنا عبد العزيز بن الحسين بن هلالة قال: أخبرتنا عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الأصبهانية قالت: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت: أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال: أخبرنا عبد الرحمن بن حاتم قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق عمن حدثه عن كعب قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر قد خفي، ويستخرج التوراة والإنجيل من أرض يقال لها أنطاكية.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود بن علي القرشي.

وأخبرنا أبو محمد هبة الله بن الخضر بن هبة الله بن طاوس إجازة قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن محمود قال: حدثنا علي بن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو الحسن فاتك بن عبد الله المزاحمي بصور قال: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن طاهر بصور قال: حدثنا أبو عبد الملك محمد بن أحمد بن عبد الواحد بن جرير بن عبدوس قال: حدثنا موسى بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن قسيم عن السري بن بزيع عن السري بن يحيى عن الحسن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزة من الطالقان فيحيي به دينه كما أميت من قبل.
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي القاضي: حدثنا أبو الفضل صالح بن يوسف العجلي قال: حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال: حدثنا ابن مسرور عن ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الرباط أربعة: عسقلان، والاسكندرية، وهما العروسان، وأنطاكية ثم قال: لا تزال طائفة من الملائكة يقاتلون حول أنطاكية وحول دمشق وحول الطالقان إلى أن يخرج يأجوج ومأجوج.
وسقط ذكر الرابعة في رواية القاضي أبو عمرو، وأظنها دمشق.
قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن إبراهيم الطرسوسي حدثنا أبو الحسن علان بن عيسى بن مشكان القاساني سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة قال: حدثنا أبي وعمي قالا: حدثنا إسحق بن راهويه قال: حدثنا روح ابن عيادة قال: حدثنا زكريا بن إسحق عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قبة بيضاء لم أر أحسن منها، وحولها قباب كثير، فقلت ما هذه القباب يا جبريل؟ قال: فقال هذه ثغور أمتك، فقلت: ما هذه القبة البيضاء فإني ما رأيت أحسن منها؟ قال: هي أنطاكية، وهي أم الثغور، فضلها على الثغور كفضل الفردوس على سائر الجنان، الساكن فيها كالساكن في البيت المعمور، يحشر إليها أخيار أمتك، وهي سجن عالم من أمتك، وهي معقل ورباط، وعبادة يوم فيها كعبادة سنة، ومن مات بها من أمتك كتب الله له يوم القيامة أجر المرابطين.
وقرأت في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثني محمد بن سهم الأنطاكي عن أبي صالح الفراء قال: قال مخلد بن الحسين سمعت مشايخ الثغر يقولون كانت أنطاكية عظيمة الذكر والأمر عند عمر وعثمان رحمهما الله تعالى.
أنبأنا أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح المعزم قال: أخبرنا أبو بكر هبة الله بن الفرخ بن أخت الطويل قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي المحكمي قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سليمان بن كامل الكرابيسي البخاري قال: حدثنا أبو عبد الله محمد ابن موسى قال: حدثنا أبو جعفر هرون بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أمير المؤمنين الهاشمي ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن الحسن الأنطاكي والربيع بن ثعلب قالا: حدثنا ربيع بن جميع عن الأعمش عن بشر بن غالب قال: قدم أهل أنطاكية على الحسين بن علي فسألهم عن حال بلدهم وعن سيرة أميرهم فيهم، فذكروا خيراً، إلا أنهم شكوا البرد، فقال الحسين بن علي: حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما بلده كثر أذانها بالصلاة كسر بردها.
وقد رواه الربيع بن ثعلب عن عمرو بن جميع عن بشر بن غالب.

أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله مشافهة قال: أخبرنا أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش قال: أخبرنا أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري بقراءة أبي بكر الخطيب وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الصيرفي المعروف بابن الزيات قراءة عليه، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن الحسين بن إسحق الصوفي الصغير قال: حدثنا الربيع بن ثعلب العابد قال: حدثنا عمرو بن جميع عن بشر بن غالب قال: قدم على الحسين بن علي عليهما السلام ناس من أهل أنطاكية فسألهم عن حال بلادهم، وعن سيرة أميرهم، فذكروا خيراً، إلا أنهم شكوا إليه البرد، فقال الحسين رضي الله عنه: حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما بلدة كثر أذانها بالصلاة كسر بردها.
وقد روي ذلك عن الحسن بن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنذكره في ترجمة أخي بشر بن غالب فيمن لا يعرف اسمه.
باب في
ذكر منبج واسمها وبنائها
وهي مدينة حسنة البناء صحية الهواء كثيرة المياه والأشجار، يانعة البقول والثمار، وأهلها خلق حسنة، ويقال أنها كانت مدينة الكهنة ودورها وأسوارها مبنية بالحجارة، ولم تزل أسوارها في أكمل عمارة إلى أن حصرها الملك الظاهر غازي ابن يوسف بن أيوب في سنة ثمان وتسعين وخمسمائه.
ولما فتحها خرب حصنها وكان حصناً مانعاً، وهو الذي حصره بلك بن أرتق وصاحبها إذ ذاك حسان، فقتل عليها، وبقي السور على حاله، وإذا انهدم منه شيء لا يعمر، فلما مات الملك الظاهر جاء كيكاوس ملك الروم وفي صحبته الملك الأفضل علي بن يوسف أخو الملك الظاهر، فاستولى على المدينة، ورم ما تشعث من سورها، وفتح تل باشر من يد ابن دلدرم، واستدعى أتابك طغرل الملك الأشرف موسى بن الملك العادل من حمص ليدفع كيكاوس، فجاء وخرج بعسكر حلب إلى الباب، واتفق للعسكرين وقعة أسر فيها جماعة من أمراء الروم، فاندفع كيكاوس عن البلاد، فاستعادها الملك الأشرف، فشعت أتابك طغرل سور منبج عند ذلك تشعيثاً فاحشاً، وتداعت أركانه، وبنى منه الخان الذي جدده أتابك للسبيل، وهو موضع الحصن الذي خربه الملك الظاهر، وأخذ أهل البلد من حجارة السور أحجاراً كثيرة لعمائرهم، فلم يبق منه إلا ما يمنع الغارة، وأما البلد فإنه عامر آهل كثير الخيرات ومعايشهم وافرة جداً، لا سيما في استخراج ماء الورد والخلاف الأبريسم.
وكان اسمها أولاً سرياس ثم سميت أبروقليس، فسماها كسرى منبه، وعربت فقيل منبج.
قرأت في تاريخ وقع إلي ذكر جامعه أنه انتسخه من كتب شتى، ومن التوراة اليونانية والسريانية، ومن تاريخ للروم وغيرهم، قال: وفي سنة خمسين من ملكه - يعني ملك بختنصر - قتل فرعون الأعرج ملك مصر واسمه يوياقيم، قال: وكان فرعون قد أحرق مدينة منبج، ثم بنيت بعد ذلك، وسميت أبروقليس، وتفسيره مدينة الكهنة.
أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني في كتابه إلي من مرو قال: أخبرنا أبي أبو سعد إجازه، إن لم يكن سماعاً، قال: ومنبج بناها كسرى حين غلب على ناحية من الشام مما كان في أيدي الروم، وسماها منبه، وبنى بها بيت نار، ووكل به رجلاً يسمى يزدانيار من ولد أزدشير ابن بابك، وهو جد سليمان بن مجالد الفقيه، ومنبه بالفارسيه أنا أجود، فأعربت العرب منبه منبج، ويقال إنما سميت ببيت نار منبه، فغلب على اسم المدينة.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذناً قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: ومنبج اسم البلد، أعجمي، وقد تكلموا به، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية.
قلت: ويقال الأنبجانية أيضاً، وقد جاء في الحديث....
وقال: أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن: وأما منبج فهي مدينة في برية، الغالب على مزارعها الأعداء، وهي خصبة.
وبقربها سنجه، وهي مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجاره، تعرف بقنطرة سنجه، ليس في الإسلام قنطرة أعجب منها.
وقرأت في كتاب أحمد بن الطيب السرخسي في المسالك والممالك، في الطريق من بلاد الروم إلى الشام في بعض مسالكه، قال: ثم ارجع إلى الحوره، فمنها طريق إلى بحيرة سماطي ثم بعقبة بيغاس، إلى علو وهي الفرات، ثم إلى سرياس وهي منبج.

وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان في بغداد، كور جند قنسرين والعواصم، فقال وكورة منبج وهي مدينة قديمة، افتتحت صلحاً صالح عليها عمرو بن العاص وهو من قبل أبي عبيدة بن الجراح، وهي على الفرات الأعظم، وبها أخلاط من الناس من العرب والعجم، وبها منازل وقصور لعبد الملك ابن صالح بن علي الهاشمي.
قلت: قوله " وهي على الفرات " خطأ، لكن جسر منبج على الفرات.
وقيل إن عياض بن غنم فتح منبج صلحاً على مثل صلح حلب.
وذكر البلاذري قال: ولم تزل قنسرين وانطاكية ومنبج وذواتها جنداً، فلما استخلف هرون بن المهدي أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جنداً واحداً، وأفرد منبج ودلوك ورعبان وقورس وأنطاكية وتيزين، وسماها العواصم، لأن المسلمين يعتصمون بها، فتعصمهم وتمنعهم إذا انصرفوا من عدوهم وخرجوا من الثغور، وجعل مدينة العواصم منبج، فسكنها عبد الملك بن صالح ابن علي في سنة ثلاث وسبعين ومائه، وبنى بها أبنيته.
وذكر قدامه في كتاب الخراج نحواً من ذلك.
وقرأت في كتاب ابن حوقل النصيبي: مدينة منبج، وهي خصبة كثيرة الأسواق قديمة عظيمة الآثار، وهي ذات سور أزلي رومي، وبقربها أيضاً مدينة صنجه، وهي مدينة صغيرة، بقربها قنطره حجاره تعرف بقنطره صنجه، ليس على الإسلام أعجب بناءً منها، يقال أنها من عجائب الزمان.
قال: وجسر منبج مدينة صغيرة لها زرع سقي ومباخس، وماؤها من الفرات، حصينة، وزروعها سقي، نزهة ذات مياه وأشجار، وهي قريبة من الفرات، وقد قاربت أن تختل وتخرب.
قال البلاذري في كتاب البلدان: وقرية جسر منبج، ولم يكن الجسر يومئذ، إنما اتخذ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه للصوائف، ويقال بل كان له رسم قديم.
وقال: قالوا: وأتى أبو عبيدة حلب الساجور وقدم عياضاً إلى منبج، ثم لحقه وقد صالح أهلها على مثل صلح أنطاكية، فأنفذ أبو عبيدة ذلك.
قرأت بخط علي بن هلال الكاتب، المعروف بابن البواب،: لما دخل الرشيد منبج قال: لعبد الملك بن صالح، وكان أوطنها،: هذا منزلك؟ قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل الناس، قال: فكيف طيب منبج؟ قال: عذبة الماء، غذيه الهواء، قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها؟ قال سحر كله.
وفي رواية أخرى من غير خط ابن البواب، قال: إنها لطيبة؟ قال: بك طابت، وبك جملت.
وقرأت في تاريخ محمد بن الأزهر الكاتب: يقال إن الرشيد لما وصل منبج، قال: له، يعني لعبد الملك بن صالح،: كيف مدينتك؟ قال عذبة الماء، باردة الهواء، صلبة الموطأ، قليلة الأدواء، قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله. وقال له يوماً: يا أبا عبد الرحمن ما أحسن بلادكم ! قال: وكيف لا يكون ذلك، وهي برية حمراء، وشملة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيح وجبال وضح ! فالتفت الرشيد إلى الفضل بن الربيع فقال له: ضرب السوط أسهل من هذا الكلام.
أنبأنا أحمد بن عبد الله الأسدي عن الحافظ أبي طاهر الأصبهاني عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادي قال: يقال: إن ما من بناء بالحجارة أبهأ من كنيسة الرها، ولا بناء بالخشب أبهأ من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العناب، ولا بناء بالرخام أبهأ من قسيان أنطاكية، ولا بناء بطاقات الحجارة أبهأ من كنيسة حمص، ولا بناء بالآجر والجص أبهأ من إيوان كسرى بالمدائن، ولا منارة أعجب بناءً من منارة الإسكندرية.
نقلت من خط أبي جعفر أحمد بن جبير في رحلته، ذكر مدينة منبج حرسها الله، بلدة فسيحة الأرجاء صحيحة الهواء، يحويها سور عتيق ممتد الغاية والانتهاء، جوها صقيل، ومختلاها جميل، ونسيمها أرج النشر عليل، نهارها يندى ظله، وليلها كما قيل فيها سحر كله، يحف بغربيها وشرقيها بساتين ملتفة الأشجار مختلفة الثمار، والماء يطرد فيها، ويتخلل جميع نواحيها.
قرأت في رسالة أبي المظفر إبراهيم بن أحمد بن الليث الأذري، بخط أبي طاهر السلفي الحافظ: ورحلنا منه، يعني من نهر الساجور، إلى منبج، فرأيته ثغراً قد تشعث سوره، وبلداً قد اختلت أموره، إلا أني رأيت له ظاهراً حسناً أديمه، وجواً طيباً نسيمه، فلم ألم صديقنا الطائي على قوله:
أوطنتها وأقمت في أفيا ... ئها فكأنني في منبج

ولأبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي يصف منتزهات منبج، وقد أنشدنا بعض قوله والدي رحمه الله قال: أنشدنا أبو المظفر سعيد بن سهل بن محمد الفلكي قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد قال: أنشدنا أبو منصور بن طاهر قال: أنشدنا محمد بن عمر المتكلم قال: أنشدنا أبو فراس لنفسه، فذكر بيتين من شعره، والأبيات:
قف في رسوم المستجا ... ب وحي أكناف المصلا
فالجرس فالميموم فالسُ ... قيا بها فالنهر الأعلى
تلك الملاعبُ والمنا ... زل لا أراها الله محلا
حيث التفتّ وجدت ما ... ءً سايحاً وسكنت ظلاّ
تر دار وادي عين قا ... صر منزلاً رحباً مطلاّ
وتحلُّ بالجسر الجنا ... ن وتسكن الحصن المُعلّى
يجلو عرائسُه لنا ... مرج أحسن العيش سهلا
والماءُ يفصل بين زه ... ر الرّوض في الشطّين فصلا
كبساط وشيٍ جرّدت ... أيدي القيون عليه نصلا
قلت: وجسر منبج الآن تحت قلعة نجم، وهي قلعة صغيرة على الفرات، والجسر في ذيلها، وهي قلعة حسنة المنظر محمودة المخبر، كان لها ربض صغير ومسجد لطيف، فأقطعها الملك الظاهر بدر الدين ايدمر عتيقه عند موته، وأخذ ولاية قلعة حلب منه، فعمرها وبنى في الربض مسجداً جامعاً، وجعل فيه منبراً وخطيباً، وبنى سوقاً حسناً، فعظم الربض، ورغب الناس في المقام فيه، وعوض عن قلعة نجم باللاذقية، وجعل في القلعة وال من جهة السلطان الملك الناصر أعز الله نصره، وفي البلد وال، فكثرت العمائر في الربض، وبنيت فيه منازل كثيرة، فاتسعت أرجاؤه، وكثر بناؤه، وصار مصراً من الأمصار، مقصداً للمعاش من سائر الأقطار.
والقلعة منسوبة إلى نجم غلام جني الصفواني، وكانت لبني نمير، وآخر من كان بها منصور بن الحسن بن جوشن بن منصور النميري من ولد الراعي عبيد بن الحصين الشاعر، فقتل منصور وأخذت القلعة منهم، وخلف ولداً اسمه نصر، فأضر وعمره أربع عشرة سنة، وقال الشعر، وانتقل إلى بغداد بعد أن تغلب الترك على ديارهم، فقال ولده يذكر أباه، وأنشدنيها أبو الحسن المبارك بن أبي بكر بن مزيد الخواص البغدادي بها عنه.
لا تبعدنّ حسام دولة عامرٍ ... من ليث ملحمة وغيث عطاء
أنحى على شمل العشيرة بعده ... ريبُ الزمان بفرقةٍ وتناء
وسنذكر ترجمة نصر في الأسماء إن شاء الله تعالى.
وقد ذكرها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي بن الشيباني في بعض رسائله فقال: وجئنا قلعة نجم، وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، هامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خصها الأصيل كان الهلال لها قلامة.
باب في
ذكر رصافة هشام
وهي من عمل حلب، واسمها بالرومية قطا ميلا، وذكر ذلك أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك، وقال: ومن قطا ميلا إلى العذيب أربعة أربعة وعشرون ميلاً.
وبناها هشام بن عبد الملك بن مروان، ولها سور من الحجر، وفي داخلها مصنع كبير لماء المطر يشرب منه أهلها، وهي قوية منيعة لأنها في برية ولا ماء عندها إلا ماء المصنع الذي هو داخل السور، وكان هشام قد اتخذها دار إقامته، ويجري بها خيل الحلبة، وتفد إليه الوفود بها.
وأهلها مياسير وتغلب عليهم التجارة.
نقلت من كتاب ربيع الآداب في محاسن الأخبار وعيون الأشعار، تصنيف أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، من نسخة مقروءة عليه، قال: أخبرني محمد بن يحيى بن العباس، أخبرنا الحسن بن عليل العنزي بها قال: حدثنا علي بن الصباح قال: حدثني هشام بن محمد قال: لما كثر الطاعون في زمن بني أمية وفشا، كانت العرب تنتجع البر وتبتني القصور والمصانع هرباً منه، إلى أن ولي هشام بن عبد الملك، فابتنى الرصافة.
وكانت الرصافة مدينة رومية بنتها الروم في القديم، ثم خربت، وكان الخلفاء وأبناؤهم يهربون من الطاعون، فينزلون البرية، فعزم هشام على نزول الرصافة، فقيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون، لم نر خليفة طعن، قال: أفتريدون أن تجربوا بي، فخرج إلى الرصافة، وهي برية فابتنى بها قصرين.

وذكر حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب تواريخ الأمم أن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن مايه ذات القرطين، وهو أول ملوك غسان هو الذي أصلح صهاريج الرصافة وكان بعض ملوك لخم خربها.
قلت وفي الرصافة دير مذكور للنصارى ذكره الشمشاطي في كتاب الديارات، وذكر حكاية الأخطل، وشد راهب الدير إياه على هجوه الناس، وسنذكر ذلك في ترجمة الأخطل إن شاء الله.
باب في
ذكر خناصره
وكانت بلدة صغيرة ولها حصن، وبناؤه بالحجر الأسود الصلد، وهي من كورة الأحص، وبلاد بني أسد، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قد تديرها وكان يقيم بها في أكثر أوقاته، وهي اليوم قرية من قرى الأحص، يسكنها الفلاحون، وخرب حصنها وأبنيتها، ونقلت حجارته.
وسميت باسم بانيها خناصره بن عمرو بن الحارث، وقيل بناها أبو شمر بن جبلة بن الحارث.
أنبأنا أبو المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني عن أبيه أبي سعد قال: وخناصره بناها خناصره بن عمرو بن الحارث بن كعب بن الوغى بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة الكلبي، وقيل الخناصره بن عمرو، خليفة إبراهيم الأثرم صاحب الفيل، خلفه باليمن بصنعاء إذ سار إلى كسرى أنوشروان، ويوم خناصره أجاروا على العجم، وقيل بناها أبو شمر بن جبلة بن الحارث.
ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: حدثني العباس بن هشام عن أبيه قال: خناصرة نسبت إلى خناصر ابن عمرو بن الحارث الكلبي ثم الكناني.
وقرأت بخط محمد بن أسعد الجواني النسابة في كتاب الجوهر المكنون: خناصرة فخذ في عذرة كلب، هم ولد خناصرة بن عمرو أحد بني عبد ود بن عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، وبه سميت خناصره.
وقرأت في جمهرة نسب اليمن، ولا أعلم مؤلفه، في ذكر كعب المعروف بالوكاء بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن زيد بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، قال: فمن بني الوكاء بن عمرو خناصر بن الحارث بن كعب الوكاء، كان قد ملك الشام وبه سميت خناصرة.
وقال ابن الكلبي: بناها خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن عبد ود بن عوف بن كنانة، وكان ملك الشام.
وقال غيره: عمرها الخناصر بن عمرو خليفة الأثرم صاحب الفيل.
وقال جران العود، وجعلها خناصرات:
نظرت وصحبتي بخُناصرات ... ضحياًّ بعدما متع النهار
إلى ظعن لأخت بني نُميرٍ ... بكابة حيث زاحمها العقار
يعني الرمل.
وفي خناصرة يقول عدي بن الرقاع العاملي، وقد نزل بها الوليد بن عبد الملك، ووفد عليه.
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحصّ وزادها
نزل الوليد بها فكان لأهلها ... غيثاً أغاث أنيسها وبلادها
وقال أبو زيد البلخي في جند قنسرين: والخناصرة حصن على شفير البرية كان يسكنه عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا: خناصرة، هي حصن يحاذي قنسرين من ناحية البادية، وهي على شفيرها وسيفها، وكان عمر بن عبد العزيز يسكن بها، وهي صالحة في قدرها، مغوثة للمجتازين عليها في وقتنا هذا، لأن الطريق انقطع من بطن الشام بإتيان الروم عليه، وهلاك مرافقه وبوار ولاته، واستيلاء الأعراب عليهم بعد هلاك ولاته، فلجأ الناس إلى طريق البادية والبر بالأدلاء والخفارة.
باب في
ذكر بالس
وهي مدينة كانت في أول الإسلام عامرة جداً، وهي أول مدن جند قنسرين وكان لها سور من بناء الروم، وكانت تفضل على قنسرين في العمارة، وخرج منها جماعة من العلماء والرؤساء، وفي زماننا خرب سورها، ولم يبق فيها من العلماء أحمد ولا من الرؤساء، وينسب أهلها إلى قلة العقول.
والغالب على أهل البلد بنو كلاب، وبريتها نزلها قديماً بنو فزارة.
أخبرنا أبو منصور بن محمد الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد، أخبرنا أبو القاسم بن طاهر قال: أخبرنا علي بن محمد قال: أخبرنا محمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو حاتم البستي قال: أول الشام بالس.
وقال أبو زيد البلخي في كتابه: وأما بالس فهي مدينة على شط الفرات صغيرة، وهي أول مدن الشام، من العراق إليها عامر، وهي مدينة فرضة الفرات لأهل الشام.

قلت: وكانت الفرات تلصق بسور المدينة، فجزرت عنها وبعدت جداً حتى صار بينهما بعد، وفي زماننا قد قربت منها.
وقرأت في كتاب البلدان لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: وحدثني سفيان بن محمد البهراني عن أشياخه قالوا: فتح عبادة والمسلمون معه أنطرسوس وكان حصناً، ثم جلا عنه أهله، فبنى معاوية أنطرسوس ومصرها وأقطع بها القطائع، وكذلك فعل بمدقية وبالس.
وقال البلاذري، فيما حكاه عن شيوخ الشام: قالوا: ثم سار أبو عبيدة - يعني بعد فتح دلوك ورعبان - حتى نزل عراجين وقدم مقدمته إلى بالس، وبعث جيشاً عليه حبيب بن مسلمة إلى قاصرين وكانت بالس وقاصرين لأخوين من أشراف الروم أقطعا القرى التي بالقرب منهما، وجعلا حافظين لما بينهما وبين مدن الروم بالشام، فلما نزل المسلمون بها صالحهم أهلها على الجزية أو الجلاء، فجلا أكثرهم إلى بلاد الروم وأرض الجزيرة.
قالوا: ورتب أبو عبيدة ببالس جماعة من المقاتلة، وأسكنها قوماً من العرب الذين كانوا بالشام، فأسلموا بعد قدوم المسلمين من الشام، وقوماً لم يكونوا من البعوث نزعوا من البوادي من قيس، وأسكن قاصرين قوماً ثم رفضوها وأعقابهم.
ونقلت من خط ابن كوجك في سيرة المعتضد تأليف سنان بن ثابت، وذكر سنان أنه نقله من خط أحمد بن الطيب السرخسي في مسير المعتضد لقتال خمارويه ابن طولون في وقعة الطواحين، على ما ذكرناه في وصفه لمدينة حلب، وذكر أنه رحل من دوسر إلى إلى بالس يوم السبت لتسع ليال خلون منه - يعني من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وسبعين - فنزل في الجانب الشرقي، ثم عبر في يوم الأحد إلى الجانب الغربي من الفرات، وهو جانب المدينة، وهي مدينة صغيرة ولها قلعة وربض، عليها سور واحد، بعض بنائها على الفرات وبعضه بينه وبين الفرات رقه.
وذكر البلاذري في كتابه قال: وكانت بالس والقرى المنسوبة إليها حدها الأعلى والأسفل أعذاء عشريه، فلما كان مسلمه بن عبد الملك بن مروان توجه غازياً للروم من نحو الثغور الجزرية، عسكر ببالس، فأتاه أهلها وأهل توبلس وقاصرين وعابدين وصفين، وهي قرى منسوبة إليها، وأتاه أهل الحد الأعلى فسألوه جميعاً أن يحفر لهم نهراً من الفرات يسقي أرضهم على أن يجعلوا له الثلث من غلاتهم بعد عشر السلطان الذي كان يأخذه، فحفر النهر المعروف بنهر مسلمة ووفوا له بالشروط، ورم سور المدينة وأحكمه، ويقال بل كان إبتداء العرض من مسلمة، وأنه دعاهم إلى هذه المعاملة، فلما مات مسلمة صارت بالس وقراها لورثته، فلم تزل في أيديهم إلى أن جاءت الدولة المباركة، وقبض عبد الله بن علي أموال بني أمية، فدخلت فيها، فأقطعها أمير المؤمنين أبو العباس سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس، فصارت لابنه محمد بن سليمان. وكان جعفر بن سليمان أخوه يسعى به إلى أمير المؤمنين الرشيد، ويكتب إليه فيعلمه أنه لا مال له ولا ضيعه إلا وقد إختان أضعاف قيمته، وأنفقه فيما يرشح له نفسه، وعلى من اتخذ من الخول وأن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين، وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان، أخرجت كتب جعفر إليه واحتج عليه بها، ولم يكن لمحمد أخ لأبيه وأمه غيره، فأقر بها، وصارت أمواله للرشيد، فأقطع بالس وقراها المأمون، فصارت لولده من بعده.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
قرأت في كتاب جغرافيا لابن حوقل النصيبي قال: بالس وهي مدينة على شط الفرات من غربيه، صغيره، وهي أول مدن الشام على الفرات، فعفت آثارها ودرست قوافلها وتجارها بعد سيف الدولة، وهي مدينة عليها سور أزلي، ولها بساتين فيما بينها وبين الفرات، وأكثر غلاتها القمح والشعير، ومن مشهور أخبارها أن المعروف بسيف الدولة عند إنصرافه عن لقائه صاحب مصر، وقد هلك جميع ماله، أنفذ إليها المعروف بأبي حصين القاضي، فقبض من تجار كانوا بها، توافرت لهم الأوقات ولم يطلق لهم النفور مع خوف بالهم، فأخرجهم عن أحمال بز، وأطواف زيت إلى ما عدا ذلك من متاجر الإسلام في دفعتين بينهما شهور قلائل وأيام يسيرة ألف ألف دينار.

ونقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب، وذكر بالس وقال: وهي مدينة قديمة على شاطئ الفرات في أصل جبل، ومنها تحمل التجارات التي ترد من مصر وسائر أرض الشام في السفن إلى بغداد، وخراج بالس إلى عامل ديار مضر، وحربها وصلاتها إلى عامل جند قنسرين والعواصم، وأهلها أخلاط من العرب والعجم.
باب في
ذكر حيار بني القعقاع
ويعرف بحيار بني عبس أيضاً. وهي منسوبة إلى بني القعقاع بن خليد بن جزء بن الحارث العبسي، وهم أخوال الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان. لأن أمهما ولادة بنت القعقاع بن خليد بن جزء، وقيل هي ولاده بنت العباس بن جزء.
وكان الحيار بلداً قديماً، فصار الآن منزلاً للأعراب، ويعرف بقنسرين الثانية، فإنني قرأت في كتاب البلدان لابن واضح الكاتب في تعداد كور جند قنسرين والعواصم، قال: وكورة قنسرين الأولى وهي مدينة على جادة الطريق الأعظم، وبها قوم من تنوخ، وكورة قنسرين الثانية وهي حيار بني القعقاع وأهلها عبس وفزاره وغيرهم من قيس.
وذكر أبو الحسين بن المنادي في كتابه المعروف بالحافظ أن الحيار من الإقليم الثالث.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب البلدان فيما حكاه عن شيوخه، ونقلته من خط بنوسه، قال: وقالوا: وكان حيار بني القعقاع بلداً معروفاً قبل الإسلام، وبه كان مقتل المنذر بن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة، فنزله بنو القعقاع بن خليد بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة ابن ربيعه بن مازن بن الحارث بن قطيعه بن عبس بن بغيض، فأوطنوه فنسب إليهم، وكان عبد الملك بن مروان أقطع القعقاع به قطيعة، وأقطع عمه العباس بن جزء بن الحارث قطائع أو غرها له إلى اليمن، وأوغرت بعده، وكانت، أو أكثرها مواتاً. وكانت ولادة بنت العباس عند عبد الملك بن مروان فولدت له الوليد وسليمان.
باب في
ذكر معرة النعمان
هي مدينة حسنة وكان لها سور من الحجارة، وأبنيتها أبنية حسنة بالحجر، وهي كثيرة الأشجار والفواكه، لا سيما من التين والفستق والزيتون. ويغلب على أهلها الذكاء المفرط، وخرج منها جماعة من العلماء والشعراء منهم أبو العلاء بن سليمان، وكان الفرنج قد هجموها، وتشتت أهلها في البلاد في سنة ست وسبعين وأربعمائة، ثم فتحها من أيديهم أتابك زنكي بن آقسنقر، ورد على أهلها أملاكهم، فعادوا إليها وسكنوها وعمرت المدينة عمارة حسنة، لكن سورها خرب، وبنى بها الملك المظفر محمود بن ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهانشاه حين كانت في يده قلعة حسنة حصينة، ونقل حجارتها من سياث، مدينة خربه كانت قريباً منها، ومن أبنية الروم التي في الكنائس المنهدمة في بلدها، وانتزعها من يده عسكر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر أعز الله أنصاره، فزاد في عمارتها وتقويتها، فقويت قلوب أهلها بالقلعة ورغبوا في عمارة البلد وسكناه، وهي اليوم من أعمر البلاد، وقد صار أكثر عبور القوافل عليها.
أنبأنا أبو محمد وأبو العباس ابنا عبد الله بن علوان الأسديان عن أبي عبد الله محمد بن أبي السعادات عبد الرحمن بن محمد بن أبي الحسن المسعودي قال: معرة النعمان هي منسوبة إلى النعمان بن بشير من الصحابه رضوان الله عليهم، كان والي حمص والعواصم وتلك النواحي، وكانت المعرة قديماً تسمى ذات القصور، فلما مات للنعمان ابن هناك، قيل لها معرة النعمان.
وأخبرني أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي قال: كان اسمها - يعني المعرة - قديماً ذات القصور، فنسبت إلى النعمان بن بشير من الصحابة رضي الله عنهم، لأن ابنه مات بها.
وبلغني من غيره أن التي تعرف بذات القصور هي معرة مصرين، والأول أصح.

وأخبرني القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مدرك بن سليمان المعري قاضيها بها، فيما يأثره عن أهل معرة النعمان أن معرة النعمان إنما نسبت إلى النعمان بن بشير لأن موضعها كان أجمة قصب، وكان سكنى أهل المعرة بسياث، وهي المدينة إذ ذاك، وآثارها تدل على ذلك فخرج من سياث ولد النعمان يتصيد، فافترسه الأسد عند الأجمة، فدفنه في ذلك الموضع، وبنى منزلاً عند قبره، وقال لأهل سياث من كان يودني ويحب موافقتي فليبن له موضعاً عند الموضع الذي ابتنيته، فبنى الناس معرة النعمان، وسميت بذلك لما لحق العمان من معرة الحزن على ولده.
قلت: والصحيح أن النعمان بن بشير جدد بناءها وزاد فيه، واختارها للمقام أيام ولايته فنسبت إليه، وقد كانت مدينة معروفة قبل ذلك، فتحها أبو عبيدة رضي الله عنه. وأكثر أهلها من تنوخ.
وقال البلاذري في كتاب البلدان له: هي منسوبة إلى النعمان بن بشير.
وقال ابن حوقل النصيبي في جغرافيا: معرة النعمان مدينة هي وما حولها من القرى أعذاء ليس بنواحيها ماء جار ولا عين.
كذا قال وقد شاهدت عين ماء من قبلي المعرة على الطريق بالقرب منها.
وقال الجدلي: هي منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، كان معاوية ابن أبي سفيان أقطعه إياها فنسبت إليه.
وقال ابن واضح الكاتب: ومعرة النعمان مدينة قديمة خراب وأهلها تنوخ.
وذكر صاحبنا ياقوت بن عبد الله الحموي في كتابه وقال: بمعرة النعمان قبر محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر.
وقرأت بخط محمد بن أحمد بن الحسن الكاتب في روزنامج أنشأه وذكر فيه رحلته من بلاد أذربيجان إلى الحج وعوده منه، وجعله كالتذكرة لولده قال فيه بعد أن ذكر خروجه من حلب حرسها الله: ونزلنا سرمين، فاستقبلي القائد بها بالإكرام والإنعام، وركب في صحبتي إلى معرة النعمان، بل مقر الروح والريحان، بل زهرة العين والجنان، بل معدن البيان واللسان والرجحان في الأدب والشعر والاتقان، بل محل كل كريم وهجان، وهي مدينة تتبل غلة الظمآن، وتفثأ أكلة الغرثان السغبان.
أخبرنا أبو علي الأوقي إذناً عن أبي طاهر السلفي قال: حدثني محمد بن أحمد ابن إبراهيم الرازي قال: هذه نسخة كتاب الشيخ أبي القاسم عبد العزيز بن الحسين بن علي بن زبيد المصري وقد رأيته بمعرة النعمان، ولم أسمعها منه، وذكر فيها: ثم سافرت منها - يعني طرابلس - فوصلت معرة النعمان فوجدتها واسعة الأسواق كثيرة الأرفاق، صحيحة الهواء، واسعة الفضاء، مياهها غزيرة، وفواكهها كثيرة، وأهلها يميلون إلى الخير والتعفف، ويعيشون بالقناعة والتكلف، وفيهم بعض الحمية، وشيء من العصبية، ولهم مع هذا معرفة بالشر والخصومة، وعادة شدة السعاية والنميمة، غير أن ذلك فيما بينهم لا يتعداهم ولا يتجاوزهم إلى أحد سواهم.
وأنبأنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي عن تاج الاسلام أبي سعد السمعاني قال: وذكر أبو نصر بن هميماه الرامشي أن النسبة الصحيحة إليها معرنمي لأن ثم معرتين معرة النعمان ومعرة مصرين، فالنسبة إلى الأولى معرنمي وإلى الثانية معرمصي غير أن أكثر أهل العلم لا يعرف ذلك، والمعري المطلق منسوب إلى معرة النعمان.
قال أبو سعد السمعاني: خرج منها جماعة من العلماء في كل فن، وقبر عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه في سوادها بموضع يقال له دير سمعان.
ومن أحسن ما وقع إلي في وصفها أبيات قالها الوزير أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين بن المغربي، وقد أخبرنا ببعض قوله أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور قال: أنشدني أبو صالح قراطاش بن طنطاش الظفري إملاءً قال: أنشدني أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش العكبري.
وقد أنبأنا أبو حفص بن طبرزد عن ابن كادش قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن حرده قال أنشدني الوزير أبو القاسم المغربي لنفسه والأبيات:
ما على ساكن المعرّة لو أن ... دياراً أنبت بهم أو طلولا
يسكنون على العُلى معاقل شُما ... ويرون الآداب ظلاً ظليلا
منزل شاقني أنيس وما كا ... ن رسوماً نواحلاً وطلُولا
حيث يدعى النسيم فظاً وتلفى ... سبُلُ الغاديات شكساً بخيلا

أينما تلتفت تجد ظلّ طُوبى ... وتجد كوثراً أغر صقيلا
تُربُها طيب الشباب فما تص ... حب إلاّ السرور فيها خليلا
فترى اللهو إن أردت طليقاً ... والتُّقى إن أردتهُ مغلولا
وإذا ما اعتزى بها الأدب العُذ ... ريُّ جاءوا عمارة وقبيلا
ليت لا يعنف السحاب عليها ... ليته جادها عليلاً كليلا
وسلام على بنيها ولا زا ... ل نعيم الحياة فيهم نزيلا
أنشدنا الحسن بن عمرو بن دهن الخصا قال: أنشدنا الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي قال: أنشدنا الخطيب أبو زكريا التبريزي إجازة.
وأنشدنا أبو المحامد إسماعيل بن حامد القوصي قال: أنشدني أبو جعفر محمد ابن المؤيد بن أحمد التنوخي قال: أنشدني جدي أبو اليقظان أحمد بن محمد بن حواري قالا: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه مما قاله ببغداد يتشوق بلده:
متى سألت بغداد عني وأهُلُها ... فإني عن أهل العواصم سآّلُ
إذا جنّ ليلي جُنّ لبي وزائد ... خُفوق فؤادي كلما خفق الآل
وماء بلادي كان أنجع مشرباً ... ولو أن ماء الكرخ صهباءُ جريال
فيا وطني إن فاتني بك سابقٌ ... من الدهر فلينعم لساكنك البال
فإن أستطع في الحشر آتك زائراً ... وهيهات لي يوم القيامة اشتغال
باب في
ذكر معرة مصرين
وهي من الجزر من عمل حلب، ويقال فيها معارة مصرين أيضاً، وهي مدينة مذكورة وبلدة مشهوره، لها ذكر في الفتوح، وباب الرزق فيها لطالبه مفتوح، باطنها حسن وظاهرها أغن محفوفة بالأشجار، وشرب أهلها من ماء الأمطار، ولها سور قديم مبني بالحجر، وقد تهدم، وكاد أن لا يبقى منه إلا الأثر، وكان الفرنج قد استولوا عليها حين استولوا على الأثارب وزردناً.
وزردناً قرية قريبة منها كان لها قلعة خربت، ففتح إيلغازي بن أرتق مدينة معرة مصرين وزردنا والأثارب في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بعد أن كسر الفرنج على ما نشرحه إن شاء الله في ترجمته؛ وأهلها ذوو يسار وأموال وأملاك ولما هجمها الفرنج دفن أهلها فيها أموالاً، فظهر بعدهم منها شيء.
ويقال أنها هي التي تعرف بذات القصور، وكان أكابر حلب وأعيانها يرغبون في إقتناء الأملاك بها، واتخاذ الدور والمنازل فيها، وكان فيها لسلفنا أملاك وافرة، خرج عنا بعضها، وبقي البعض، ويجلب منها الزيت الكثير، وأرضها عذي يزرع فيها البصل والثوم والكسفره والحبه، فتأتي على أكمل ما يكون من غير سقي.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذريب في كتاب البلدان ما ذكره عن مشايخه في ذكر الفتوح قالوا: وبلغ أبا عبيدة أن جمعاً للروم بين معارة مصرين وحلب، فلقيهم وقتل عدة بطارقة وفض ذلك الجيش،، وسبى وغنم، وفتح معارة مصرين على مثل صلح حلب.
وقد عد ابن واضح الكاتب لجند قنسرين ولعواصم كوراً فقال: وكورة مرتحوان، وكورة معرة مصرين.
قلت: وكلتاهما من الجزر متلاصقتان، ومرتحوان قريبة من معرة مصرين.
وقال الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه: وكان بلد معرة مصرين إلى جبل السماق بلد التين والزبيب والفستق والسماق وحبة الخضراء، يخرج عن الحد في الرخص، ويحمل إلى مدن العراق، ويجهز إلى كل بلد.
أنشدني بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد الخشاب قال: أنشدني بعض أهل معرة مصرين لحمدان بن عبد الرحيم.
جادت معرة مصرينٍ من الديم ... مثلُ الذي جاد من دمعي لبينهم
وسالمتها الليالي في تغيُّرها ... وصافحتها يد الآلاء والنّعم
ولا تناوحت الإعصارُ عاصفةً ... بعرصتيها كما هبّت على إرم
حاكت يدُ القطر في أفنائها حُللاً ... من كل نورٍ شنيب الثغر مبتسم
إذا الصّبا حرّكت أنوارها اعتنقت ... وقبّلت بعضُها بعضاً فماً لفم
كأنما نشرت كفُّ الربيع بها ... بهار كسرى مليك الفُرس والعجم
كم وقفةٍ لي بباب السوق أذكرها ... مع أسرةٍ ماتت الدُنيا لموتهم

وكم على تل باب الحصن من أربٍ ... أدركته عند خلٍّ من بني جُشم
وكم على الجانب الشرقي لي خُلسٌ ... مع فتيةٍ يدرؤون الهم بالهمم
مُهلهليُّون لا يألُون في كرم ... جهداً ويرعون حقّ الجارٍ والذمم
عاقرتُهم وجلابيبُ الصبا قُشب ... هل يجمعً الله شملي بعد بينهم
وما كفى الدهر مني أن نأى بكمُ ... عني وغادرني لحماً على وضم
حتى أراني حصار الكفر ثانيةً ... بناظرٍ غرق تحت الدموع عم
صبراً لعلي أرى للدهر عاطفةً ... تدبُّ فينا دبيب البُرء في السّقم
فاللهُ يُعقبُ أهل الصّبر إن صبروا ... وصابروا بنعيم غير مُنصرم
الكفر قرية كبيرة من الجزر من كورة مرتحوان ولها مغائر كان الفرنج إذا أغاروا على البلد دخلوا واحتموا فيها ومعهم أهل يحمول وبيت رأس وهي ثلاثة قرى مجتمعات يسمع في كل قرية صوت من يصيح في الأخرى، فكان الفرنج يحصرونهم في المغائر فلا يقدرون عليهم.
أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن صصرى قال أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني وقال في معرة مصرين، ورأيته أنا بخطه في ديوان شعره:
معرّة مصرين ناهيك مصرا ... محلاًّ مُحلى بهاءُ وفخرا
أرق البقاع هواءً وماءً ... وأبهى المنازل داراً وقصرا
أقمت بها يوم صدرٍ أغر ... يُضاهي وُجُوهاً من القوم غرا
ووالهفتا لو أعان الزمان ... خلعت على ذلك اليوم شهرا
باب في
ذكر حاضر قنسرين
ويقال له حاضر طيء، وكان مدينة إلى جانب قنسرين، ولها قلعة تشبه قلعة قنسرين وبها قوم من طيء، فلهذا ينسب إليهم. وقيل بأن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس لما تزوج رائطة بنت عبد الله الحارثية، دخل بها في دار رجل من أهل الحاضر يقال له طلحة بن مالك الطائي، أو منصور بن مالك الطائي، فاشتملت على أبي العباس السفاح في داره.
والحاضر الآن قرية كبيرة يسكنها الفلاحون، وخربت قلعتها وصارت الآن تلاً يزرع فيه القصيل والأشنان.
قرأت بخط ابن كوجك العبسي الحلبي في كتاب سيرة المعتضد تأليف سنان ابن ثابت بن قره مما نقله من خط أحمد بن الطيب السرخسي في مسير المعتضد إلى وقعة الطواحين فقال بعد أن ذكر دخول المعتضد إلى حلب: ورحل الأمير من مدينة حلب يوم الخميس لليلتين خلتا من رجبيعني منسنة إحدى وسبعين نحو قنسرين الأولى، وبينهما إثنا عشر ميلاً تكون أربعة فراسخ، وقنسرين مدينة صغيرة لأخي الفصيص التنوخي، وعليها سور، ولها قلعة، وسورها متصل بسور سائر المدينة، وعلى فرسخ من هذا الموضع مما يلي حلب مثل هذه المدينة لطيء، وهي التي تعرف بحاضر طيء، وعليها سور أيضاً، ولها قلعة على بناء قنسرين.
وقرأت بخط بنوسه في كتاب أخبار البلدان وفتوحها وبنائها تأليف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وكان حاضر قنسرين لتنوخ مذ أول ما تنخوا بالشام نزلوه وهم في خيم الشعر، ثم ابتنوا به المنازل، فدعاهم أبو عبيدة إلى الإسلام، فأسلم بعضهم، وأقام على النصرانية بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
قال: فحدثني بعض ولد يزيد بن حنين الطائي الأنطاكي عن أشياخهم أن جماعة من أهل ذلك الحاضر أسلموا في خلافة المهدي، فكتب على أيديهم بالخضرة قنسرين.
ثم قال البلاذري: وكان حاضر طيء قديماً نزلوه بعد حرب الفساد التي كانت بينهم حتى نزل الجبلين من نزل منهم، فتفرق باقوهم في البلاد، فلما ورد أبو عبيدة عليهم أسلم بعضهم، وصالح كثير منهم على الجزية، ثم أسلموا بعد ذلك بيسير إلا من شذ عن جماعتهم.
وقال ابن واضح الكاتب: وبإزاء مدينة قنسرين مدينة يقال لها حاضر طيء بها منازل طيء.
قلت: وبها الآن جماعة كبيرة عبسيون. وكان عكرشة بن أربد العبسي نازلاً بها في أيام هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد، فمات بنوه فيها فقال يرثيهم وسنذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى.
سقى اللّه أجداثاً ورائي تركتها ... بحاضر قنسرين من سبل القطر
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب جرين على قدر

أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بالمزة من لفظه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي أحمد لفظاً قال: أنبأنا محمد بن محمد الصوفي عن أبي سعد الفقيه قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ قال: قريء على أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: أخبرنا أبو حاتم الرازي قال: دخلت حاضر قنسرين فرأيت مدينتها وبيوتها وحيطانها وأنهارها قائمة ليس فيها أحد، فسألت عن أمرهم فقيل لي: إنه كان بينهم وبين أهل حلب قتال، فكانوا يغدون كل يوم للقتال حتى كان ليلة دخلوا مدينتهم، فأصبحوا وليسوا في المدينة لا يدرى أين أخذوا.
باب في
ذكر سرمين
وهي مدينة بطرف جبل السماق كبيرة العمل واسعة الرستاق، ولها مسجد جامع وأسواق. وكان لها سور من الحجر خرب في زماننا هذا ودثر، وبها مساجد كثيرة داثرة كانت معمورة بالحجر النحيت عمارة فاخرة، قيل إن بها ثلاثمائة وستين مسجداً ليس بها الآن مسجد يصلى فيه إلا المسجد الجامع، وأكثرها الآن إسماعيلية ولهم بها دار دعوة.
وكان يسكن بها الحسن بن عجل المعروف بالصوفي الذي ينتسب إليه بنو الصوفي رؤساء دمشق، وكان جد أبي الحسن علي بن مقلد بن منقذ صاحب شيزر لأمه، ولما قوي أمر الإسماعيلية بسرمين تحول إلى حلب فسكنها، وداره بحلب هي الدار التي وقفها شيخنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف ابن رافع بن تميم رحمه الله مدرسة لأصحاب الشافعي رحمه الله، تجاه المدرسة النورية، وخرج منها فضلاء وشعراء.
وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان في تسمية كور جند قنسرين والعواصم فقال: كورة سرمين وأهلها من قيس.
وكان بقربها في جبل بني عليم حصن منيع يقال له كفر لاثا، وكان الفرنج قد استولوا عليه وعلى سرمين في سنة ست وسبعين وأربعمائة، فاستنقذه نور الدين محمود بن زنكي من أيديهم وخربه.
باب في
ذكر كفر طاب
وأما مدينة كفر طاب فكانت مدينة مبنية بالمدر وشربهم من صهاريج من ماء المطر، وكان بها جماعة من الأعيان الموسرين، ومن أهل العلم والدين، فهجمها الفرنج في سنة ست وسبعين، فتشتت أهلها في بلاد الشام، وكان منهم المعروفون ببني قشام، ولما استرجعها أتابك زنكي من أيدي الكفار رجع إليها من أهلها من أحب الرجوع واختار، وكان بها جماعة من العلماء، والأدباء والشعراء.
وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كتاب البلدان فقال: ومدينة كفر طاب والأطميم وهي مدينة قديمة، وأهلها قوم من يمن من سائر البطون، وأكثرهم كنده.
الأطميم هي المعروفة الآن بلطمين، وهي قرية كبيرة جامعة.
قرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة أبي المظفر إبراهيم بن أحمد الأذري التي ذكر فيها رحلته إلى الشام وغيرها قال: ومنها - يعني من معرة النعمان - إلى كفر طاب، وما أحسنها بلدة لو أن لأهلها ماء لشفاههم وشرباً لأفواههم.
أنشدني والدي رحمه الله لبعض الشعراء يصف كفر طاب بقلة الماء:
بالله يا حادي المطايا ... بين حُناك وأرمنايا
عرّج على أرض كفر طاب ... وحيّها أوفر التحايا
وأهد لها الماء فهي ممن ... يفرح بالماء في الهدايا
ويروى: يهدى لها الماء في الهدايا.
وقيل بأن هذه الأبيات لأبي محمد عبد الله بن محمد سعيد الخفاجي الحلبي، والأمر على ما ذكره في قلة الماء بها، فإن حمامها لها صهريج من ماء المطر، وما يخرج منها من الماء المستعمل يستعملونه في دباغة الجلود، ثم يستعملونه في طين الفخار الذي يعمل بها، ويحمل إلى البلاد التي حولها.
باب في
ذكر أفامية
ويقال فيها فاميه أيضاً بغير ألف، وهي مدينة قديمة، وبها آثار روميه عظيمه ولها قلعة منيعة في نهاية القوة، هي باقية إلى اليوم، وقد ذكرنا فيما تقدم إن سلوقس بناها وبنى سلوقيه، وحلب، والرها، واللاذقية.
وقال ابن واضح الكاتب في كتاب البلدان: ومدينة فاميه، وهي مدينة رومية قديمة خراب على بحيرة عظيمة، وأهلها عذرة وبهراء.
وشاهدت في طريق حماه بالقرب من العبادي أثر قناة قيل لي: إن هذه قناة أفاميه وكانت تأتي إليها من سلميه.
وأخبرني والدي رحمه الله قال إذا مد نهر قويق وغاض بالمطخ يحمر ماء بحيرة أفاميه فيقولون إن مغيض الماء يخرج تحت الأرض إلى البحيرة المذكورة.

وبعض الناس يقول: إن سمك البحيرة يحيض فيحمر ماؤها، وأفاميه بلدة وبئة جداً.
ويقال: إن أبا هريرة صار إلى فاميه فلم يضيفوه، فارتحل عنهم، فقالوا: يا أبا هريرة لم ارتحلت عنا؟ فقال لأنكم لم تضيفوني. قالوا: ما عرفناك. فقال وإنما تضيفون من تعرفوا؟ قالوا: نعم، فارتحل عنهم.
أخبرنا بذلك أبو الحسن محمد بن علي قال: أخبرنا أبو الفضل إسماعيل بن علي الخزوي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني قال: حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا أبو المعمر المسدد بن علي ابن عبد الله بن العباس الأملوكي قال: أخبرنا أبي أبو طالب علي قال أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن سعيد قال: حدثنا عمران بن بكار البراد قال: حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي عن بقية عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أن أبا هريرة دخل حمص مجتازاً بها حتى صار إلى فاميه فلم يضيفوه، فارتحل عنهم، وذكر ما ذكرناه إلى آخره.
وقلعة فاميه من القلاع الموصوفة بالحصانة والمنعة.
وأنبأنا أبو القاسم الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد ابن الآبنوسي عن أبي الحسين بن المنادي قال: أما القلاع التي اتخذها جباروا الأمم وملوك الأرض عواصم من أعدائهم، والأبنية التي تحصنوا بها من مخاوفهم فأكثر من أن تحصى، وإن من أعجبها بنياناً وأمنعها بإذن الله لمن استقطنها قلعة ماردين، وقلعة بعلبك، وقلعة فاميه. وذكر غير ذلك.
وكانت أفامية في أيدي نواب المصريين فنزل عليها قسيم الدولة آق سنقر في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، فكاتبه أهلها فخاف الوالي وسلمها إليه، فسلمها إلى أبي المرهف نصر بن منقذ، ثم أخذها منه تاج الدولة تتش، فلما قتل وثب أهلها فيها، ونادوا بشعار المستنصر المستولي على مصر، فسير إليها خلف بن ملاعب في سنة ثمان وثمانين، إلى أن قتله الباطنيه بها فنزل عليها طنكري الفرنجي فتسلمها في شهر محرم من سنة خمسمائة بعد أن أقام عليها ثمانية أشهر.
باب في
ذكر شيزر
هي مدينة صغيرة وفواكهها كثيرة ولها قلعة حصينة، ومدينة تحت مدينة استولى عليها الفرنج حين خرجوا إلى الشام وانتزعوها من أيدي ولاة الإسلام وكان لسديد الملك أبي الحسن علي بن المقلد بن منقد قلعة الجسر إلى جانبها فعمرها وحصنها، وقصد بذلك التضييق على الأسقف الذي كان بشيزر، فحصل لابن منقذ ما قصده، وضاق بالأسقف الأمر وكره بلده، فاشترى شيزر من الأسقف بمال بذله، وتسلم منه البلد ونزله، وذلك في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وعمرها ابن منقذ وسكنها، وشيد قلعتها وحصنها، فصارت مذكورة بين البلاد.
وأمراؤها السادة بنو منقذ هم الأجناد، وقصدها أبو المكارم مسلم بن قريش بالحصار، فعاد عنها بالخيبة والخسار، فقال فيه سالم بن المهذب عند عجزه عنها أبياتاً ستذكر في ترجمته إن شاء الله، منها.
قمُت كمداً فالجسرُ لست بجاسرٍ ... عليه وعاين شيزراً أبداً شزراً
وشيزر بلد موصوف بالوخامة، وفيه يقول مؤيد الدولة أسامة:
وخمت وجاورها العدو فأهلها ... شهداء بين الطعن والطاعون
ولم تزل شيزر في أيدي بني منقذ يسكنونها ويحامون عنها ويحفظونها إلى أن جاءت الزلزلة سنة إثنتين وخمسين وخمسمائة، فهدمت شيزر وحماه، وقتلت صاحبها محمد بن سلطان بن منقذ، وهتكت حماه، وكان قد ابتنى داراً وزخرفها، وجلس فيها وعنده أولاده وبنو عمه وحاشيته وهم يتفرجون على قرد عندهم، فجاءت الزلزلة وهدمت الدار عليهم، فلم ينج منهم غير القرد، وبادر نور الدين محمود بن زنكي إلى شيزر فتسلمها وعمر أسوارها، ودفعها إلى سابق الدين عثمان ابن دايته، ولم تزل في عمارة وزيادة إلى أن أخذت من ابن ابنه، حصره الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر رحمهما الله، فتشعثت أحوال المدينة، وقلت معايش أهلها لعدم سكنى العسكر بها، وأما القلعة فأحوالها منتظمة وأمورها مستقيمة ملتئمة، ونهر الأرنط يحلء سفح القلعة، وقد بني عليه سكر ليجتمع الماء تحت القلعة، ويسمى ذلك الموضع الخرطله. وقد ذكرها امرؤ القيس في قصيدته الرائية بقوله:
تقطّع أسباب اللُبانه والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا

أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان الأسدي قال: أخبرنا أبو البركات محمد بن حمزة العرقي كتابة وأخبرنا عنه سماعاً أبو محمد عبد الدائم ابن عمر بن حسين قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن البر اللغوي قال: أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابوري قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وشيزر اسم موضع لا أحسبه عربياً صحيحاً.
وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صوره الأرض والمدن وما تشتمل عليه فقال: فأما شيزر وحماه فإنهما مدينتان صغيرتان نزهتان، كثيرتا المياه والشجر والزرع.
باب في
ذكر حماة
حماة بلدة حسنة نضرة حلوة خضرة، أطاع حسنها العاصي واستحلاها الداني والقاصي طيبة الفواكه والثمار، وأهلها خيرة أبرار، وهي مدينتان والقلعة بينهما، وعلى كل مدينة منهما سور، وفيها سوق، والمدينة الغريبة تعرف بسوق الأعلى، والمدينة الشرقية تعرف بسوق الأسفل، ولكل واحدة منهما مسجد جامع تقام فيه الخطبة، ونهر الأرنط يحف بدور المدينتين، ولم تكن قلعتها بالحصينة ولا المختارة وخربتها الزلزلة سنة إثنتين وخمسين وخمسمائة، وكانت زلزلة عظيمة هائلة.
ولما ملكها تقي الدين عمر ابن أخي السلطان الملك الناصر حصنها وقواها، وجاء بعده ولده الملك المنصور محمد بن عمر فجدد أسوار القلعة، وبناها وشيدها وعلاها فصارت من أحسن القلاع وأبهاها، ويغلب على أهلها العلم والأدب، وقد عدها البشاري كما ذكرناه من مدن حلب.
وقرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة أبي المظفر الليثي قال: ومنها - يعني من كفرطاب - إلى حماه، وهي مدينة نزهة بنيت على النهر المعروف بالعاصي، وربما قيل له المقلوب، وعلى حافتي النهر دواليب يسميها أهلها الحنانات، ومن جملتها الحنانة المعروفة بأم الحسن، ويقال إن فلكها أربعون ذراعاً وقد ذكرها امرؤ القيس مع شيزر في شعره كما ذكرنا، وكذلك عبيد الله ابن قيس الرقيات في قوله:
قضوا بي أنظر نحو قومي نظرةً ... فلم يقف الحادي بنا وتغشمرا
فواحزنا إذ فارقونا وجاوزوا ... سوى قومهم أعلى حماة وشيزرا
وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في ذكر حماة: وهي مدينة قديمة وعلى نهر يقال له الأرنط وأهل هذه المدينة قوم من يمن، والأغلب عليهم بهراء وتنوخ. وعدها ابن واضح من عمل حمص لكن البشاري ذكرها وشيزر ورفنيه من مدن حلب.
وذكر أبو العلاء المعري أنها من العواصم.
ورفنية مدينة قريبة من حماة خربت ودثرت.
وقيل إنما سميت حماة لأنه نزل بها الحماني بن كنعان بن حام.
أنشدني أبو الربيع سليمان بن ينيمان بن أبي الجيش بن ينيمان الإربلي لنفسه:
سقى زمناً بربع حماة ولّى ... هزيُم الودق مُنهلُّ الرّباب
حتى يستطيرُ البرقُ فيه ... كمتن السيف سُلّ من القراب
فكم سلفت لنا فيها ليالٍ ... سرقناهُنّ من عصر التّصابي
وكم صدنا بها من ظبي إنسٍ ... رخيم الدلّ مُقتبل الشباب
يُريك إذا بدا أنوار وجهٍ ... كشمس الأفق تُسفر عن نقاب
وعاصيها يُصفّقُ حين تشدو ال ... حمائم فوق أغصانٍ رطاب
ترى الأنهار منها في اصخطاب ... إذا الورقاءُ أبدت في انتحاب
فكم من جدولٍ ينسابُ فيه ... على الحصباء فضّي الإهاب
فلا تعدل بعاصيها قُويقاً ... فأين الدّوحُ من تلك الهضاب
باب في
ذكر بغراس
هي قلعة مذكورة حصينة وكان الطريق إلى الثغور للغزاة عليها، وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قد استنقذها من أيدي الكفار في ثاني شعبان من شهور سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فخرب قلعتها.
فجاء الفرنج الديوية وعمروها واستولوا عليها وهي الآن في أيديهم.
وقريب منها حصن الدربساك فتحه الملك الناصر أيضاً في ثامن من شهر رجب من السنة المذكورة، وهو في أيدي المسلمين اليوم.
وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في صفة الأرض والمدن وما تشتمل عليه قال: وبغراس على طريق الثغور، وبها دار ضيافة لزبيدة، وليس بالشام دار ضيافة غيرها.

وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان وفتوحها وأحكامها ونقلته من خط بنوسه وحكاه البلاذري عمن حدثه من أهل الشام قالوا: وكانت أرض بغراس لمسلمة بن عبد الملك فوقفها في سبل البر، وكانت عين السلور وبحيرتها له أيضاً.
قلت: يريد بعين السلور وبحيرتها بحيرة يغرا من عمل حارم، وناحية العمق.
وقال البلاذري: وحدثني بعض أهل أنطاكية وبغراس أن مسلمة بن عبد الملك لما غزا عموريه حمل معه نساءه وحمل ناس ممن معهم نساءهم وكانت بنو أمية تفعل ذلك إرادة الجد في القتال للغيرة، فلما صار في عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التي تشرف على الوادي سقط محمل فيه امرأة إلى الحضيض، فأمر مسلمة أن تمشي سائر النساء، فمشين، فسميت تلك العقبة عقبة النساء.
قال: وقد كان المعتصم بالله صلوات الله عليه بنى على حد تلك الطريق حائطاً قصيراً من حجارة.
قال البلاذري: وقد اختلفوا في أول من قطع الدرب، وهو درب بغراس، فقال بعضهم لبعض: قطعه ميسرة بن مسروق العبسي، وجهه أبو عبيدة بن الجراح فلقي جمعاً للروم ومعهم مستعربة من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم لحق به الأشتر النخعي مدداً من قبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية.
وقال بعضهم: أول من قطع الدرب عمير بن سعد الأنصاري حين توجه في أثر جبلة بن الأيهم.
وقال أبو الخطاب الأزدي: إن أبا عبيدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة وطرسوس، وقد جلا أهلها وأهل الحصون التي تليها، فأدرب وبلغ في غزاته زندة.
وقال غيره: إنما وجه ميسرة بن مسروق فبلغ زندة.
باب في
ذكر المصيصة
وهي الآن في أيدي الأرمن.
وهي مدينة مذكورة من الثغور الشامية وأعمال حلب، والاقليم الرابع، وتشتمل على مدينتين بينهما نهر جيحان، مدينة المصيصة من الجانب الغربي من النهر، ومدينة كفر بيا من الجانب الشرقي، وكلتاهما كان بها جماعة من أهل العلم.
وقرأت في بعض المجاميع في عجائب طبائع البلدان قال: ومن أطال الصوم بالمصيصة في الصيف هاجت به المرة السوداء، وربما جن.
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قال: حدثنا أبو محمد وأبو الفضل والقاسم وصالح ابنا أبي القاسم العجليان قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أيوب بن الضريس الرازي قال: سمعت علي بن عبد الله يقول: توسوس يوسف بن أسباط بالمصيصة، وعوفي حتى صار إلى حال الصحة.
وقرأت بخط أبي عمرو حدثني أبو الحسن العدل علي بن الحسين الحذاء وأبو بكر غانم بن يحيى بن عبد الباقي قالا: حدثنا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: وكذلك يحكم أهل الحكمة على من أدمن شرب ماء جيحان مع ملازمة الصوم أنه يورث الوسواس.
وقرأت في كتاب أحمد بن محمد بن إسحق الزيات الهمذاني في البلدان وذكر من أعاجيب البلاد وقال: ومن أطال الصوم في المصيصة هاج به المرار الأسود.
وقال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البلاد: المصيصة بكسر أوله وتشديد ثانيه بعده ياء ثم صاد أخرى مهملة، ثغر من ثغور الشام.
وقال أبو حاتم: قال الأصمعي: ولا يقال مصيصه بفتح أوله.
وقرأت بخط إبراهيم بن محمد الطبري المعروف بتوزون في كتاب الياقوت تأليف أبي عمر محمد بن عبد الواحد صاحب ثعلب في ياقوته البرم، وذكر أن أبا عمر أملاه علينا من حفظه في شهور سنة سبع وثلاثمائه وعشرين، وذكر أنه قرأة على أبي عمر أيضاً قال: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هي المصيصة، والنسب إليها مصيصي.
وأخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قراءة عليه قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قراءة عليه فيما تلحن فيه العامة مما يكسر، والعامة تفتحه، وهي المصيصة بكسر الميم.
وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي، وأجازه لنا عنه غير واحد من الشيوخ قال: وسمعته - يعني أبا الحسن أحمد بن حمزه بن أحمد التنوخي العرقي - يقول كان أبو القاسم بن القطاع يقول فلان المصيصي بتخفيف الصاد وينكر على من يشدده.
وأما معرفة من بناها أولاً فاختلف في ذلك، فقال أحمد بن الطيب السرخسي في المسالك والممالك: المصيصة، قال: وهي مسماة فيما زعم أصحاب السير باسم الذي عمرها وهو المصيصة بن الروم بن اليفن بن سام بن نوح.

وقرأت في كتاب وقع إليّ بالقاهرة في جماهير أنساب اليمن وأسماء ملوكها، قال أبو القاسم الحسن بن علي الكوفي حدثنا أبو سليمان داود بن عبد الله اليماني الصنعاني قال: حدثنا أحمد بن القاسم قال: حدثنا الفضل بن العباس الأنصاري عن أبيه قال: أتي معاوية بن أبي سفيان بشيخ كبير قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فما ينظر إلا ما رفع باليد، قال: ما اسمك؟ قال: عبيد بن شريه، قال: المني؟ قال: الجرهمي، قال: وهل بقي من جرهم أحد؟ قال: أنا من بقيتهم، قال: فسأله عن مسائل ذكرها، إلى أن ذكر له ولد يافث بن نوح، فقال: يافث بن نوح ولد سبعة ذكور منهم جومر بن يافث، ومأجوج بن يافث وماذي بن يافث، وياوان بن يافث، وثوبان بن يافث، وماشج بن يافث وتيراس بن يافث.
قال: وولد ياوان بن يافث أياس، والمصيصة وطرسوس، وأذنه، والروم من ولد هؤلاء، وحلوا بلادهم، فعرفت بأسمائهم على تخوم الروم، طرسوس وأذنه والمصيصة وأياس.
وقد ذكر في التوراة ولد ياوان كما ذكرناه.
وقال الحسن بن أحمد المهلبي العزيزي في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه للعزيز المستولي على مصر، وذكر المصيصة: فكانت تسمى بغداد الصغيرة لأنها كانت جانبين على النهر، وكان بها من أهلها فتيان فرسان ظرفاء شجعان.
قال: فأما خاصيات الثغر فإنه كان يعمل بالبلد الفراء المصيصية، تحمل إلى الآفاق، وربما بلغ الفرو منها ثلاثين ديناراً، ويعمل بها عيدان السروج التي يبالغ بثمنها إلى هذه الغاية، ولم يكن على وجه الأرض بلد يعمل فيه الحديد المحزوز للكراسي الحديد واللجم والمهاميز والعمد والدبابيس كما يعمل بالثغور.
وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يعقوب بن واضح الكاتب قال: ومدينة المصيصة مدينة بناها المنصور أمير المؤمنين في خلافته، وكانت قبل ذلك مصلحة، وأول من قطع جبل اللكام وصار إلى المصيصة مالك بن الحارث الأشتر النخعي، من قبل أبي عبيدة بن الجراح، وكان بها حصن صغير بناه عبد الله بن عبد الملك لما غزا الصائفة.
وقد حكينا في الباب الذي قبل هذا الباب عن البلاذري قال: وقال أبو الخطاب الأزدي: إن أبا عبيدة نفسه غزا الصائفة فمر بالمصيصة وطرسوس، وقد جلا أهلها وأهل الحصون التي تليها فأدرب، وبلغ في غزاتة زنده.
عدنا إلى كلام ابن واضح قال: وخرج المنصور إلى الثغور، فبنى مدينة المصيصة العظمى على النهر الذي يقال له جيحان، ونقل إلى مدينة المصيصة أهل السجون من الآفاق وغيرهم، وبنى أمير المؤمنين المأمون مدينة إلى جانبها سماها كفر بيا، فصار النهر المعروف بجيحان بين المدينتين، وعلى النهر جسر عظيم قديم معقود بالحجارة، ومدينة المصيصة من الجانب الغربي من جيحان، ومدينة كفر بيا من الجانب الشرقي، وأهلها أخلاط من الناس.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتاب البلدان قال: وحدثني محمد ابن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: لما كانت سنة أربع وثمانين غزا على الصائفة عبد الله ابن عبد الملك بن مروان، فدخل من درب أنطاكية، وأتى المصيصة فبنى حصنها على أساسه القديم، ووضع بها سكاناً من الجند فيهم ثلاثمائة رجل انتخبهم من ذوي البأس والنجدة المعروفين، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى فيها مسجداً فوق تل الحصن، ثم سار في جيشه حتى غزا حصن سنان ففتحه ووجه يزيد بن حنين الطائي الأنطاكي فأغار ثم انصرف إليه.
وقال أبو الخطاب الأزدي: وكان أول من ابتنى حصن المصيصة في الإسلام عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد الله بن عبد الملك في سنة أربع وثمانين على أساسها القديم، فتم بناؤها وشحنتها في سنة خمس وثمانين، وكانت في الحصن كنيسة جعلت هريا، فكانت الطوالع من أنطاكية تطلع عليها في كل عام، فتشتوا بها، ثم تنصرف، وعدة من كان يطلع إليها ألف وخمسمائة إلى الألفين.
قالوا: وشخص عمر بن عبد العزيز حتى نزل هرى المصيصة وأراد هدمها وهدم الحصون بينها وبين أنطاكية، وقال: أكره أن يحاصر الروم أهلها، فأعلمه الناس أنها عمرت ليدفع من بها الروم عن أنطاكية وأنه إن أخربها لم يكن للعدو ناهية دون أنطاكية، فأمسك وبنى لأهلها مسجداً جامعاً من ناحية كفر بيا، واتخذ فيه صهريجاً، ثم إن المسجد جدد في خلافة المعتصم، وهو يدعى مسجد الحصن.

قالوا: ثم بنى هشام بن عبد الملك الربض، ثم بنى مروان بن محمد الخصوص في شرقي جيحان وبنى عليها حائطاً، وأقام فيه باب خشب، وخندق خندقاً، فلما استخلف أبو العباس رحمه الله فرض بالمصيصة لأربعمائة رجل زيادة في شحنتها، وأقطعهم، ثم لما استخلف المنصور صلوات الله عليه فرض فيها لأربعمائة رجل، ثم لما دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة أمر بعمران مدينة المصيصة، وكان حائطها متشعثاً من الزلازل، وأهلها قليل في داخل المدينة فبنى سور المدينة وأسكنها أهلها سنة أربعين ومائة، وسماها المعمورة وبنى فيها مسجداً جامعاً في موضع هيكل كان فيها وجعله مثل مسجد عمر مرات، ثم زاد فيه المأمون أيام ولاية عبد الله بن طاهر بن الحسين المغرب، وفرض المنصور رحمة الله عليه فيها لألف رجل، ثم نقل أهل الخصوص وهم فرس وصقالبه وأنباط نصارى، كان مروان بن محمد أسكنهم إياها وأعطاهم خططاً في المدينة عوضاً من منازلهم على ذرعها، ونقض منازلهم وأعانهم على البناء، وأقطع أرباب الفرض قطائع ومساكن، ثم لما استخلف المهدي أمير المؤمنين صلوات الله عليه فرض بالمصيصة لألفي رجل ولم يقطعهم لأنها قد كانت شحنت من الجنود والمطوعه ولم تزل الطوالع تأتيها من أنطاكية في كل عام، حتى وليها سالم البرنسي، وفرض معه لخمسمائة مقاتل على خاصة عشرة دنانير عشرة دنانير، فكثر من بها وقووا، وذلك في خلافة المهدي رحمة الله عليه.
وقال البلاذري: وحدثني محمد بن سهم عن مشايخ الثغر قالوا: ألحت الروم على أهل المصيصة في أول الدولة المباركة حتى جلوا عنها، فوجه صالح ابن علي جبريل بن يحيى البجلي إليها فعمرها وأسكنها الناس سنة أربعين ومائة، وبنى الرشيد صلوات الله عليه كفر بيا، ويقال بل كانت ابتديت في خلافة المهدي رحمة الله عليه، ثم غير الرشيد بناءها، وحصنها بخندق ثم رفع إلى المأمون رضي الله عنه في غلة كانت على منازلها، فأبطلها، وكانت منازلها كالخانات، وأمر فجعل لها سور، فرفع، فلم يستتم حتى توفي، فقام المعتصم صلوات الله عليه بإتمامه وتشريفه.
وقال البلاذري: حدثني دؤاد بن عبد الحميد قاضي الرقة عن أبيه عن جده أن عمر بن عبد العزيز أراد هدم المصيصة ونقل أهلها عنها لما كانوا يلقون من الروم فتوفي قبل ذلك.
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن أبي منصور جعفر بن عبد الله الدامغاني البغدادي إذناً، وقرأت عليه هذا الإسناد بحلب، قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا الشريف أبو العز محمد بن المختار بن محمد بن المؤيد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا هرون بن معروف قال: حدثنا ضمره عن رجاء بن أبي سلمة قال: هم عمر بن عبد العزيز بهدم المصيصه لتغولها في بلاد الروم.
عدنا إلى ما ذكره البلاذري قال: وقال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية والمصيصة مسبعة يعترض الناس فيها الأسد، فلما كان الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجه أربعة آلاف جاموسة وجاموس، فنفع الله بها، وكان محمد ابن القاسم الثقفي عامل الحجاج على السند بعث منها بألوف جواميس، فبعث الحجاج إلى الوليد منها بما بعث من الأربعة الآلاف، وألقى باقيها في آجام كسكر، ولما خلع يزيد بن المهلب فقتل، وقبض يزيد بن عبد الملك أموال بني المهلب أصاب لهم أربعة آلاف جاموسة، كانت بكور دجلة، فوجه بها يزيد بن عبد الملك إلى المصيصة أيضاً مع زطها، فكان أصل الجواميس بالمصيصة ثمانية آلاف جاموسة، وكان أهل أنطاكية وقنسرين قد غلبوا على كثير منها واحتازوه لأنفسهم في أياه فتنة مروان بن محمد، فلما استخلف أمير المؤمنين المنصور رحمه الله، أمر بردها إلى المصيصة، وأما جواميس أنطاكية فكان أصلها ما قدم به الزط معهم، وكذلك جواميس بوقا.
وقال أبو الخطاب: بني الجسر الذي على طريق أذنه من المصيصة وهو على تسعة أميال من المصيصة سنة خمس وعشرين ومائة، فهو يدعى جسر الوليد، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك المقتول.
قالوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي رحمه الله ابنه هرون الرشيد صلوات الله عليه بلاد الروم، فنزل على الخليج، ثم خرج فرم المصيصة ومسجدها، وزاد في شحنتها، وقوى أهلها.

وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في صفه الأرض والمدن قال: والمصيصة مدينتان أحديهما المصيصة والأخرى تسمى كفر بيا على جانبي جيحان وبينهما قنطرة حجاره حصينة جداً على شرف من الأرض، ينظر منها الجالس في مسجد الجامع بها إلى قرب البحر نحو أربعة فراسخ.
وجيحان يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة، ثم إلى رستاق يعرف بالملون، حتى يقع في بحر الروم.
قلت: فقد ينخل من مجموع ما ذكرناه أن بناء المصيصة في الدولة الإسلامية كان، لأن هرقل لما خرج عن أنطاكية إلى القسطنطينية استصحب أهل هذه البلاد، وأجلوا منها، ونقلهم معه، وشعث هذه البلاد. فإن البلاذري قال في كتابه: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية وغيرهم قالوا: كانت ثغور المسلمين الشامية أيام عمر وعثمان وما بعد ذلك أنطاكية وغيرها من المدن التي سماها هرون الرشيد فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزو اليوم ما وراء طرسوس، وكانت فيما بين إسكندرونه وطرسوس حصون ومسالح للروم، كالمسالح والحصون التي يمر بها المسلمون اليوم، فربما أجلاها أهلها، وهربوا إلى بلاد الروم خوفاً، وربما نقل إليها من مقاتلة الروم من تشحن به، وقد قيل إن هرقل أدخل أهل هذه المدن معه عند انتقاله من أنطاكية لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين أنطاكية وبلاد الروم، والله أعلم.
قال البلاذري: وحدثني ابن طيبون البغراسي عن أشياخهم أنهم قالوا: الأمر المتعالم عندنا أن هرقل نقل أهل هذه الحصون معه، وشعثها، وكان المسلمون إذا غزوا لم يجدوا بها أحداً، وربما كمن عندها القوم من الروم، فأصابوا غرة المتخلفين عن العساكر والمنقطعين عنها، فكان ولاة الشواتي والصوائف إذا دخلوا بلاد الروم خلفوا بها جنداً كثيفاً إلى خروجهم.
فكانت المصيصة وغيرها من الثغور الشامية خراباً بسبب ذلك، فلما غزا عبد الله بن عبد الملك بنى حصن المصيصة دون مدينتها، فأراد عمر بن عبد العزيز هدمه بالكلية، فلما عرف المصلحة في تركه، تركه وبنى مسجداً جامعاً للمسلمين من ناحية كفر بيا، ثم بنى هشام ربض الحصن، ثم بنى مروان بن محمد الخصوص من الناحية الشرقية، لقلة من يعم المدينة بالسكنى، فيكون ساكنوا الخصوص مستيقظين لأنفسهم، وجعل عليه خندقاً وحائطاً، وكثروا في أيام السفاح، ثم ازدادوا في أيام المنصور، فرأى أن يجدد عمارة المصيصة ويسكنها الناس لأنهم كثروا، فبنى المدينة على الوجه الذي نقلناه، فلهذا نسب بناء المدينة إليه، وكثر الناس بعد ذلك، فاحتيج في أيام الرشيد إلى بناء كفر بيا، ولم يكن لها سور، فبنى المأمون لكفر بيا سوراً، فلهذا نسب بناؤها إليه، والله أعلم.
باب في
فضل المصيصة
أخبرنا الفقيه العالم أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزه قال: حدثنا عبد العزيز ابن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن أبي عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وهي التي يغزوها الروم في آخر الزمان، فيمرون بها فيقولون إذا رجعنا من بلاد الشام أخذنا هؤلاء أخذاً، فيرجعون وقد تحلقت بين السماء والأرض.
قال الحافظ أبو القاسم رواه غيره عن محمد بن هشام والرجل سعيد بن عبد العزيز.
قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الفضل ناصر بن محمود بن علي قال: حدثنا علي ابن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن محمد شجاع قال: حدثنا تمام بن محمد قال: حدثنا أبو يعقوب إسحق بن إبراهيم الأذرعي قال: حدثنا محمد بن هشام بن خالد عن الوليد - يعني - ابن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن كعب، فذكره.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سلمان الإربلي قال: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج الآبري قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن محمد بن طلحة النعالي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن يوسف قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك قال: حدثنا أبو القاسم إبراهيم بن إسحق بن سنين الختلي قال: حدثني عثمان بن سعيد الأنطاكي قال: حدثنا علي ابن الهيثم المصيصي عن عبد الحميد بن بحر عن سلام الطويل عن داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عن رجل كان مرابطاً في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينا أنا أسير في وادي الأردن إذ أنا برجل في ناحية الوادي قائماً يصلي فإذا سحابة تظله من الشمس، فوقع في ظني أنه الياس النبي عليه السلام، فانتبه، فسلمت عليه، فانفتل من صلاته فرد علي السلام، فقلت له: من أنت رحمك الله؟ فلم يرد علي شيئاً، فأعدت القول مرتين، فقال: أنا الياس النبي، فأخذتني رعدة شديدة خشيت على عقلي من أن يذهب، فقلت له: إن رأيت رحمك الله أن تدعو لي أن يذهب الله عني ما أجد حتى أفهم حديثك، فدعا لي ثمان دعوات، قال: يا بر يا رحيم يا قيوم يا حنان يا منان يأهيا شراهيا، فذهب عني ما كنت أجد، فقلت له: إلى من بعثت؟ قال: إلى أهل بعلبك، قلت: فهل يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا، قال: قلت: فكم من الأنبياء في الحياة؟ قال: أربعة، أنا والخضر في الأرض، وإدريس وعيسى في السماء، قلت: فهل تلتقي أنت والخضر؟ قال: نعم في كل عام بعرفات وبمنى، قلت: فما حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قلت: فكم الأبدال؟ قال: هم ستون رجلاً، خمسون ما بين عريش مصر إلى شاطيء الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجل بأنطاكية، وسبعة في سائر أمصار العرب، وهم بهم يسقون الغيث، وبهم ينصرون على العدو، وبهم يقيم الله أمر الدنيا حتى إذا أراد الله أن يهلك الخلق كلهم أماتهم جميعاً.
وقد رواه أبو حذيفة إسحق بن بشر عن محمد بن المفضل بن عطيه عن داود بن يحيى عن زيد مولى عون الطفاوي نحوه، والله أعلم.
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثنا محمد بن سعيد بن الشفق قال: حدثنا محمد بن أحمد أبو الطيب قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال: سمعت محمد بن يعسى يقول: قيل لعلي بن بكار، وذكر له جزع الروم، فقال: البطيخ كبير، والحلو منه قليل، كنا في هذا الحصن - يعني حصن المصيصة - أربعمائة فتى، إذا أقبلنا حوافر خيولنا لننعلها للغزو اضطربت ركب بطارقة القسطنطينية.
باب في
ذكر عين زربة
وهي في أيدي الأرمن الآن.
وهي مدينة من الثغور الشامية، والإقليم الرابع، بينها وبين المصيصه ثمانية عشر ميلاً، وهي مدينة مذكورة خرج منها جماعة من العلماء والحكماء.
وقال أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان: وحدثني أحمد بن الحارث الواسطي عن محمد بن سعد عن الواقدي قال: لما كانت سنة ثمانين ومائة، أمر الرشيد صلوات الله عليه بابتناء مدينة عين زربه وتحصينها، وندب إليها ندبةً من أهل خراسان وغيرهم، فأقطعهم بها المنازل. هكذا ذكر البلاذري.
وقال أحمد بن يعقوب بن واضح الكاتب: بنى عين زربه أمير المؤمنين المهدي ابن المنصور، وأتقنها.
فيحتمل أن المهدي حين أغزى الرشيد ابنه الغزاة المعروفة ابتناها الرشيد بأمر أبيه، فنسبت إليه، والله أعلم.
وذكر أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه الذي ذكر فيه صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه، قال فيه: وعين زربه بلد فيه الغورية، بها نخل، وهي خصبة واسعة الثمار والزروع والمرعى، وهي المدينة التي أراد وصيف الخادم أن يدخل بلد الروم منها، فأدركه المعتضد هناك.
وقيل إن أبا سليمان الخادم التركي بنى عين زربه في أيام الرشيد، وكان ولاه الثغور، والصحيح أنه أبو سليم فرج.
قال البلاذري: وقد كان المعتصم بالله نقل إلى زربه ونواحيها بشراً من الزط الذين كانوا قد غلبوا على البطائح بين واسط والبصرة فانتفع أهلها بهم.
وكانت عين زربه قد خربت في أيام سيف الدولة بن حمدان، فسار سيف الدولة، وبناها، وغزا الروم بعد بنائها، وفي ذلك قال أبو فراس:
وكل يومٍ تزور الثّغر لا ضجرٌ ... يثنيك عنه ولا شغل ولا ملل

فالنّفس جاهدةٌ والعين ساهدةٌ ... والحبس منتهكٌ والمال مبتذل
باب في
ذكر أذنة
وهي في أيدي الأرمن.
وهي مدينة قديمة من بناء الروم سميت باسم أذنه ين ياوان بن يافث، وقد ذكرنا ذلك في باب المصيصه، وجددت عمارتها في الدولة العباسية، كما جدد عمارة غيرها من مدن الثغور، وحالها في الخراب كحال المصيصه.
قرأت بخط ياقوت بن عبد الله الحموي قال: ولأذنه نهر سيحان وعليه قنطرة حجارة عجيبة بين المدينة وبين حصن مما يلي المصيصة، وهو شبيه بالربض، والقنطرة معقودة على طاق واحد، ولأذنه ثمانية أبواب، وسور وخندق.
وقال: قال ابن الفقيه: عمرت أذنه في سنة تسعين ومائة على يدي أبي سليمان خادم تركي كان للرشيد ولاه الثغور، وهو عمر طرسوس وعين زربه.
قال: وقال البلاذري بنيت أذنه في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وجنود خراسان معسكرون عليها بأمر صالح بن علي بن عبد الله بن العباس.
وقرأت بخط بنوسه في كتاب البلدان للبلاذري فيما حكاه عن شيوخه قالوا: ولما كانت سنة خمس وستين ومائة أغزى المهدي رحمه الله ابنه هرون الرشيد صلوات الله عليه بلاد الروم، فنزل على الخليج، وبنى القصر الذي عند جسر أذنه على سيحان، وقد كان المنصور صلوات الله عليه أغزى صالح بن علي بلاد الروم، فوجه هلال بن ضيغم في جماعة من أهل دمشق والأردن وغيرهم، فبنى ذلك القصر، ولم يكن بناؤه محكماً، فهدمه الرشيد، وبناه.
ثم لما كانت سنة أربع وتسعين ومائة بنى أبو سليم فرج الخادم أذنه، فأحكم بناءها وحصنها، وندب إليها رجالاً من أهل خراسان وغيرهم على زيادة في العطاء، وذلك بأمر محمد بن الرشيد، ورم قصر سيحان، وكان الرشيد رحمة الله عليه توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، وعامله على أعشار الثغور أبو سليم، فأقره محمد، وأبو سليم هذا هو صاحب الدار بأنطاكية.
قلت: وهذا أبو سليم قدم الثغور في أيام المهدي هو وغيره من الخدم، وسكنوها رغبة في الجهاد، وكانوا من أولاد الملوك بخراسان، ولخصائهم سبب أنا ذاكره، ونقلته من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قال: سمعت أبا نصر محمد بن أحمد بن الحمال، قبل أن يصيبه ما أصابه، يقول: سمعت أبا حفص يقول: سمعت أبا حفص عمر بن سليمان بن الشرابي يقول: سمعت أبا العباس بن المعتز بالله يقول: وردت الكتب من خراسان في أيام أبي جعفر المنصور: إن قوماً من أبناء وجوه خراسان منعوا جانبهم، وقدر عليهم، والتمس إذن المنصور فيهم، فألفى ورود الكتاب أبا جعفر حاجاً، وتوفي في طريقه ذاك، واستخلف المهدي، فعرض عليه الكتاب، فأمر بكتب الجواب عنه، وأن يحصى أولئك الأبناء فيعمل في بابهم ما يعود بالصلاح، فسقط من قلم الكاتب على أعلى الحاء مقدار النقط، فقريء بخراسان بالخاء معجمة. فخصوهم خدماً، أربعة آلاف، منهم أبو سليم، والحسين صاحب المهدي، وأبو معروف، وبشار.
ونقلت من كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه، قال: وأذنه مدينة خصبة عامرة، وهي منعطفة على نهر سيحان في غربي النهر.
وسيحان هو دون جيحان في الكبر، عليه قنطرة حجارة عجيبة البناء طويلة جداً، يخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً.
وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كتابه: ومدينة أذنه بناها أمير المؤمنين الرشيد، واستتمها أمير المؤمنين محمد بن الرشيد، وبها منازل ولاة الثغور في هذا الوقت لسعتها، وهي على هذا النهر الذي يقال له سيحان.
وأهلها أخلاط من موالي الخلفاء وغيرهم.
قلت: وكان بأذنه جماعة من الرؤساء والعلماء والمحدثين، سنذكرهم في الأسماء إن شاء الله.
باب في
ذكر الكنيسة السوداء
ويقال لها الكنيسة المحترقة أيضاً، وهي مدينة قديمة، مبنية بالحجر الأسود من بناء الروم، وأغارت الروم عليها وأحرقتها فقيل لها الكنيسة المحترقة، وحالها في الخراب والعمارة حال بقية مدن الثغور.
وقال أبو زيد البلخي في كتابه: والكنيسة حصن فيه منبر، وهو ثغر في معزل من شاطىء البحر.
وقال أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك: ومن عوادل الثغور الشامية، الهارونية، كنيسة السوداء، تل جبير.

وقال أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتابه، بعد ذكر المصيصه وأذنه وطرسوس: وللثغور الشامية غير هذه الثلاث المدن التي قد ذكرناها مدينة عين زربه، والهارونية، والكنيسة المحترقة.
بنى عين زربة أمير المؤمنين ابن المنصور وأتقنها، وبنى الهارونية الرشيد في أيام المهدي، وهو ولي عهد، وبنى الكنيسة المحترقة الرشيد أيضاً.
ونقلت من خط بنوسة في كتاب البلدان للبلاذري، مما حكاه عن شيوخه من أهل الشام، قالوا: وكانت الكنيسة السوداء من حجارة سود بناها الروم على وجه الدهر، ولها حصن قديم، أخرب فيما أخرب، فأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء وتحصينها، وندب إليها المقاتلة في زيادة العطاء.
قال: وأخبرني بعض أهل الثغر وعزان بن سعد أن الروم أغارت عليها، والقاسم بن الرشيد مقيم بدابق فاستاقوا مواشي أهلها، وأسروا عدة منهم، فنفر إليهم أهل المصيصة ومطوعتها، فاستنقذوا جميع ما صار إليهم، وقتلوا منهم بشراً كثيراً، ورجع الباقون منكوبين مفلولين، فوجه القاسم من حصن المدينة ورمها وزاد في شحنتها.
قلت وهذه المدينة هي الآن أيضاً في أيدي الأرمن خذلهم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
باب في
ذكر مدينة طرسوس
وهي مدينة قديمة من بلاد الثغور الشامية عظيمة، وبها كان يقوم سوق الجهاد وينزلها الصالحون والعباد، ويقصدها الغزاة من سائر البلاد، وهي اليوم في أيدي الأرمن من ولد ابن لاون الملعون، وفيها قبر أمير المؤمنين عبد الله المأمون، واسمها بالرومية تارسين، وسميت أيضاً طريسوس، فعربت، وقيل طرسوس بفتح الراء وقيل باسكانها.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قراءة عليه بدمشق قال: أخبرنا أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي.
وأخبرنا أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف بن علي قراءة عليه بحلب قال: أخبرنا محمد بن خمردكس مولى أبي زكريا التبريزي عن مولاه أبي زكريا قال: أخبرنا أبو محمد الدهان اللغوي قال: أخبرنا علي بن عيسى الرماني قال: أخبرنا ابن مجاهد القارىء قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب.
قال: شيخنا أبو اليمن: وأخبرنا سعد الخير بن محمد الأنصاري قال: أخبرنا أبو سعد المطرز قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ أحمد بن عبد الله قال: أخبرنا ابن كيسان النحوي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الفصيح في باب المفتوح أوله من الأسماء قال: وهي طرسوس.
وقرأت في كتاب البهيء فيما تلحن فيه العامة لأبي حاتم السجستاني قال: وتقول هي طرسوس بفتح الطاء والراء جميعاً ومثاله أسود حالك وحلكوك. قال أبو زيد: عقيل وعامر يقولون طرسوس بضم الطاء وتسكين الراء، ويزعمون أنهم ليس يعرفون لحلكوك اسماً ثانياً.
وقرأت بخط جعفر بن أحمد بن صالح المعري كاتب أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في فوائد عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه قال: - يعني ابن خالويه - ومما تخطىء فيه العامة شغب الجند، وثغر طرسوس، وجبل وعر، ورجل سمح، هؤلاء الأربع سواكن والعامة تحركهن.
وقد ذكرنا في باب ذكر المصيصة ما قرأته في كتاب جماهير أنساب اليمن من حديث الشيخ الكبير الذي دخل على معاوية بن أبي سفيان وذكر أنه من جرهم، وذكر له أن يافث بن نوح ولد سبعة ذكور وعد فيهم ياوان بن يافث، وقال: وولد ياوان بن يافث أياس، والمصيصة وطرسوس وأذنه والمصيصة وأياس.
وقرأت في تاريخ وقع إلى ذكر جامعة - ولم أعرف اسمه - أنه نقله من تواريخ شتى قال: في تاريخ بني إسرائيل بعد مائة وخمسة وخمسين سنة بعد الألف الرابع لآدم عليه السلام أنه ملكهم يولع بن هوا من سبط ايسا جار ثلاثة وعشرين سنة، وفي زمانه بنيت طريسوس، وهي طرسوس.
وذكر أحمد بن الطيب السرخي في كتاب المسالك والممالك في ذكر طرسوس قالوا: سميت بطرسوس بن الروم بن اليفن بن سام بن نوح. وقالوا: واسم طرسوس بالرومية تارسين.
قال ابن الطيب في رحلة المعتضد: ورحلنا من المصيصة نريد العراق إلى أذنه، ومن أذنه إلى طرسوس، وبينها وبين أذنه ستة فراخ، وبين أذنه وطرسوس فندق بغا، والفندق الجديد، وعلى طرسوس سوران وخندق واسع ولها ستة أبواب، ويشقها نهر البردان.

قلت وكانت طرسوس قد خربت وجلا أهلها في صدر الاسلام، خربها المسلمون حين غزوها وقاتلوا أهلها وهزموهم، ومضى من مضى منهم إلى الروم، وكان ذلك في السنة التي فتحت فيها حلب وأنطاكية.
فجدد عمارتها أمير المؤمنين الرشيد رحمه الله، وقواها وحصنها، ولم تزل قوتها تزيد وتتضاعف إلى أن استولى عليها الروم في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
قرأت في كتاب صفة الأرض والأقاليم وما تشتمل عليه تأليف أبي زيد أحمد بن سهل البلخي قال: وطرسوس مدينة كبيرة عليها سوران تشتمل على خيل ورجال وعدة، وهي على غاية العمارة والخصب، وبينها وبين حد الروم جبال، وهي الحاجز بين المسلمين والروم، ويقال أن بها زهاء ألوف من الفرسان فيما يزعم أهلها، وليس من مدينة عظيمة من حد سجستان إلى كرمان وفارس والجبل وخوزستان وسائر العراق والحجاز واليمن والشامات ومصر إلا وبها لأهلها دار وأكثر، أهلها ينزلونها إذا وردوها.
وقال ابن واضح الكاتب في كتاب البلدان: وطرسوس مدينة بناها أمير المؤمنين الرشيد في المرج الذي في سفح الجبل الذي يقطع منه إلى أرض الروم، وكان بناؤه إياها سنة سبعين ومائة، في أول خلافته على يد أبي سليم فرج التركي الخادم، وبها نهر جار يأتي من جبل الروم، حتى يشق في وسطها، وأهلها أخلاط من الناس من سائر الآفاق.
وقال اسحق بن الحسن بن أبي الحسن الزيات الفيلسوف في كتاب نزهة النفوس وأنس الجليس: مدينة طرسوس وهي من الاقليم الرابع، وبعدها من خط المغرب ثمانون درجة، وبعدها من خط الاستواء ست وثلاثون درجة، بناها الرشيد سنة سبعين ومائة، وبها نهر جار يأتي من بلاد الروم يشق وسطها، وأهلها أخلاط من الناس.
وقرأت في كتاب المسالك والممالك الذي وضعه الحسن بن أحمد المهلبي للعزيز المستولي على مصر: فأما مدينة طرسوس فهي من الاقليم الخامس، وعرضها ست وثلاثون درجة.
وارتفاع الثغور بجميع جباياتها ووجوه الأموال بها مائة ألف دينار على أوسط الارتفاع، تنفق في المراقب والحرس والقوائين والركاضة والموكلين بالدروب والمخاض، وغير ذلك مما جانسه، وكانت تحتاج بعد ذلك لشحنتها من الجند وما يقوم للمماليك وراتب تعاريفها للصوائف والشواتي في البر والبحر وعمارة الصناعة على الاقتصاد إلى مائة وخمسين ألف دينار، وعلى التوسعة إلى ثلاثمائة ألف دينار.
فأما ما يلقاها من بلاد العدو ويتصل بها فإنها من جهة البر وما يسامت الثغور الجزرية تواجه بلاد الفنادق من بلد الروم، وبعض الناطليق، ومن جهة البحر بلاد سلوقية.
وكانت عواصم هذه الثغور من ناحية الشام أنطاكية وبلاد الجومة وقورس.
فأما أهل هذه الثغور ومن كان يسكنها وأحوال البلاد ومقاديرها، فإن طرسوس كانت أجلها مدينة وأكثرها أهلاً، وأغصها أسواقاً، وليس على وجه الأرض مدينة جليلة إلا ولبعض أهلها دار حبس عليها حبس نفيس وغلمان برسم تيك الدار بأحسن العدة وأكمل الآلة، يقوم بهم الحبس الذي عليهم، وكان أكثر ذلك لأهل بغداد، فإنه كان لهم بها ولغيرهم من وجوه أهل البلدان وذوي اليسار منهم جلة الغلمان، مقيمين عليهم الوقوف السنية، والأرزاق الدارة، ليس لهم عمل إلا ارتباط فرهة الخيل وتخريجها في الطراد والعمل عليها بسائر السلاح، يعملون ذلك في صدور أيامهم، ويتصرفون في أعجازها إلى منازل فياحة فيها البساتين والمياه الجارية والعيش الرغد.
وكان أهل البلد في نفوسهم على هذه الصفة من ركوب الخيل والعمل بالسلاح ليس فيهم من يعجز عن ذلك، ولا يتخلف عنه حتى أن دور المتاجر الدنية والصنائع الوضيعة كانوا يلحقون بالطبقة العليا في الفروسية والشجاعة وارتباط الخيل، واعداد السلاح.
وكانت غزواتهم تتصل ومن الغنائم والمقاسم لهم معيشة لا تنقطع.
فأما أهل البلد فكانوا من سائر أقطار الأرض بخلق حسن وألوان صافية، وفيهم رقيق وأجسام عبلة، والأغلب على ألوانهم البياض والحمرة والسمرة الصافية وكان في أكثرهم جفاء وغلظة على الغريب، إلا من كان منهم قريب عهد بالغربة، وكذلك الشح كان فيهم فاشياً إلا في الغريب، وغلب على السوقة والمستخدمين قوم من الخوز وسفلة العجم، ومن كانت فيه فسولة عن الحرفة، وكسل عن طلب المعاش فأظهروا زهداً وورعاً، وأعلنوا بالنصب، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

قال: فأما أهل البلد وأولاد المجاهدين وأولاد الغلمان وأولاد خراسان فكانوا من الأخلاق السمحة، والنفوس الكريمة، والهمم العالية والمحبة للغريب على ما ليس عليه أحد، ولكنهم كانوا في تقية من هؤلاء الأوباش، فهذا الأكثر من حال طرسوس.
وأما ما سوى ذلك من مدن الثغر فعلى هذا الوصف وهذا النعت، وخاصة المصيصة.
قال: وكان يعمل بها - يعني بالثغور - ثياب كان تسمى الشفايا مثل رفيع الدبيقي تحمل إلى كل بلد، وبالثغر زبيب لا عجم فيه كالقشمش، ويقطع إلى الثغور الجارح من بلد الروم، فتؤخذ فيه البزاة الفره، وقد كان في جبال الثغر أيضاً أوكار للجارح والكلاب السلوقية الموصوفة من بلاد سلوقية.
فهذه أحوال الثغر ومن فيه ولم تزل أحواله تجري على الانتظام والرخاء والسلامة والغزو متصل والمعايش رغده، والسبل آمنه ما دام الغزاة إليهم من العراق ومن مصر متصلين، فلما زهد الناس في الخير، وقع بينهم في نفوسهم من التنافس والتحاسد والغل ما وقع، وخاصة بين الغلمان الثملية، وابن الزيات، والمعروف بسيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان.
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب سير الثغور، وضعه للوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل، فذكر فيه صفة طرسوس، فقال: مدت طرسوس على سورين في كل سور منها خمسة أبواب حديد، فأبواب السور المحيط بها حديد ملبس وأبواب السور المتصل بالخندق حديد مصمت، فالسور الأول الذي يلي المدينة مشرف تعلوه ثمانية آلاف شرافه، فيها مرتبة عند الحاجة إلى الحرب عنها رجال يرمون عن ستة عشر ألف قوس رمية رجل واحد، وفي هذا السور من الأبراج مائة برج سواء، منها ثلاثة أبرجة للمجانيق الحرري، وعشرون برجاً للمجانيق الكبار، وعشرون برجاً للعرادات، وسائرها لقسي الرجل، وهذه الأبرجة التي ذكرناها فهي ملك لأربابها، ومساكن لمتأهلين وعزاب، وبعضها مرسوم بعمل الورق والكاغد، وهو مما يلي زاوية الحبالين.
قال: فأما برج باب قلميه المبني على يمين الخارج منه فموسوم بتفرقة أعشار غلات ضياع طرسوس، متى ورد منها عشرة أحمال أو رواحل أو عجل، حط واحد من عشرة وأطلق له تسعه، يقبل قوله فيه، فإذا اجتمع أطلق منه لأهل الشرف أبناء المهاجرين والأنصار على رسم جريدة أمر بانشائها المأمون عبد الله بن هرون الرشيد رحمهما الله،؛ يتوارث ما ثبت في تلك الجريدة أهل الشرف المقيمون بطرسوس، ويجري بينهم مجرى الميراث، يأخذه خلفهم عن سلفهم، وإن طرأ طرسوس غريب من أبناء المهاجرين والأنصار دفع إليه مقدار كفايته، وكفاية جملته إن كان ذا عيال أو ذا جملة شريفة. ويفض منه على الشيوخ المسجدية رسماً لا ينقطع عنهم في كل سنة عند قبض الأعشار من الغلات، لكل شيخ منهم ستة أمداء بالمدي الطغاني الذي يبلغ كل مدي منه أربعة عشر مكوكاً بالمكوك الطرسوسي، مبلغ المكوك منه زيادة على المكوكين بالبغدادي المعدل، ويفض منه على الأدلاء المؤلفه قلوبهم من الروم والأرمن وأولادهم بحسب ما يراه السلطان بطرسوس من حسن النظر لهم ولمن يتجدد منهم، ويجعل ما يفضل عما وصفناه من الحنطة للخباز المقام لقوت الأعلاج المحبوسين في سجن طرسوس؛ وما ورد من الشعير برسم العشر أطلق للأدلاء المؤلفة قلوبهم رسماً على مقدار كراعهم قضيماً لها في كل سنة، وحمل سائره لقضيم بغال الساقه أولاً أولاً، فإن فضل من القمح شيء عما وصفناه وذكرناه من وجوهه بيع بسعر وقته وصرف في مهمات البلد، وسنذكرها في أماكنها إن شاء الله.
قال: وما وقع في هذا البرج من غلات القطاني كلها مع ما ينضاف إليها من زيتون وكمون وبزر فجل وبزر كتان وسمسم وترمس وأرز، بيع كل صنف منه بسعره وأضيف إلى راتب البلد.
قال: وكان في هذا السور قديماً، وقد رأيناه رأي عين، أثر خمسة وعشرين باباً، منها خمسة أبواب مفتوحة مسلوكة معروفة، وهي: باب الشام، وباب الصفصاف، وباب الجهاد، وباب قلمية، وباب البحر، وسائرها مسدودة.
وقال: سمعت أبا الربيع سليمان بن الربيع الجوزاني، شيخاً كبيراً كان أقام بحصن الجوزات زيادة على أربعين سنة مجاهداً يذكر أن جيشاً لجباً خرج عن طرسوس غازياً في زيادة على عشرين ألف فارس وراجل من بال المسدود فأصيبوا عن آخرهم في بلد الروم، واستشهدوا رحمة الله عليهم، ولم يعد منهم إلى طرسوس مخبر، فأجمع رأي أهل طرسوس على سده تشاؤماً به.

قال: وقد رأيته مفتوحاً، وهو ما بين زاويه الحبالين وباب الجهاد عند آخر شارع النجارين، تصل به الدار الكبيرة التي بنيت للسيدة أم المقتدر بالله رحمهما الله، وليس بطرسوس ولا بالثغر كله دار أكبر منها، وبرسم هذه الدار صناع معروفون من أهل سوق السلاح لتدبير جوانبها، ورم شعث سلاحها وجلاء دروعها وسيوفها في كل سنة مرة أو مرتين.
وكان يركب من هذه الدار إلى الجهاد في سبيل الله مائة وخمسون غلاماً بجنائبهم ومن ضامهم، ويروسهم رجل منهم على رأسه مطارد تعرف بهم متى إحتيج إليهم في الغزو لساقة أو ميمنة أو ميسرة أو في تجريد لحادثة سدوا أكبر مسد، وقوفهم بأرض الثغر وأعمال أنطاكية وحلب معروفة مشهورة.
وارتفاعها في السنة الواحدة مائة ألف دينار، يستغرقها الانفاق، وربما اقترضوا إن تعذر وجه مالهم، وردوه عند حصوله.
قال: وأما شارع باب الصفصاف ففيه دار قبيحة أم المعتز بالله رحمهما الله، قد بنيت حجراً مقدره، لسكنى مائة وخمسين غلاماً في كل حجرة منها بيتان ومرتفق، وبرسم هذا الوقف رئيس يركب هؤلاء الغلمان بركوبه، ويسيرون بسيره، ينشر على رأسه مطرد وأعلام كتابتها المعتز بالله، وكذلك شعارهم إذا سافروا وغزوا في بلد الروم وغيره.
قال: وللدار خزانه للسلاح تظهر في أيام الأعياد عند ورود الرسل من الروم، فيها الدروع الحصينة تستر الفارس والفرس، والعمد المذهبه والجواشن اليبنية والخوذ المنيعة، ومن الأسلحة كل نوع يحمل كل غلام ما يعاني العمل به، وبرسم هذه الدار مؤدب لا يدخل مكتبه أحداً، إلا أولاد موالي المعتز بالله، والرئيس على موالي المعتز من الموالي من وجوده مذكوراً فارساً رئيساً مقدماً فإن تعذر من هذه صورته من الموالي، نصب لهم رئيس من قواد طرسوس ووجوهها، يدبر أمرهم ويكتب العقود والضمانات باسمه، وقد رأيت أبا حفص عمر بن سليمان الشرابي رحمه الله رئيساً عليهم، ثم رأيت بعده جماعة منهم ومن غيرهم.
قلت وهذا أبو حفص عمر بن سليمان هو ممدوح أبي الطيب المتنبي بالقصيدة التي أولها.
نرى عظماً بالصّد والبينُ أعظم ... وتتّهم الواشين والدمع منهم
وكان من موالي المعتز وشرابياً لابنه عبد الله بن المعتز، وسنذكر ترجمته في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
ومما نقلته من خط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثني أبو نصر محمد بن أحمد بن الحمال قال: حدثني ابن عطية قال: أحصينا سنة تسعين ومائتين سكك طرسوس فوجدناها ألفي سكة نافذة ومسدودة، وأحصينا الدور فوجدناها أربعة وثلاثين ألف إقتضى التقدير أن يكون ثلثاها للعزاب أهل البلدان، حتى لا يعرف من عمائر الإسلام بلد إلا ولهم بطرسوس دار أو داران، حتى أهل قم؛ وثلثها للمتأهلين بها ملكاً لأربابها أو وقفاً عليهم.
قلت: ووقفت على كتاب وقفه كتبه جد جدي زهير بن هرون بن أبي جرادة بحصة من ملكه بأورم الكبرى من ضياع حلب، على أن تستغل ويشتري من مغلها فرس تكون مقيمةً بثغر طرسوس بدار السبيل المعروفة بزهير بن الحارث، ويقام لها العلوف وأجرة من يخدمها، ويقام عليها فارس يكون مقيماً بالدار المذكورة يجاهد عليها عن زهير بن هرون، وما فضل من المغل يعد لنائبة إن لحقت هذه الفرس.
وقد ذكر هذه الدار أبو عمرو الطرسوسي وقال: وهذه الدار بيوت سفالي وإصطبلات ومخازن وعلالي؛ فأما الحوانيت فهي وقف على سبعة أفراس تكون في مربط هذه الدار بسروجها وآلاتها وجلالاتها، ويقام بقضيمها ونعالها ومساميرها وأجرة بياطرتها وأجرة ساستها، وقد رسمت هذه الأفراس السبعة كل فرس منها بقائد من قواد طرسوس، متى نودي بنفير أو غزو قاد السائس فرساً برسم قائد من القواد إليه بعينه، بعد القيام بكفايته، حتى إذا عاد القائد من نفيره أو غزوه رد الفرس إلى مربطه.
وذكر دوراً كثيرة لا يحتمل الحال ذكرها، ويطول كتابنا بإيراد ما ذكره.

قرأت في كتاب البلدان لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ونقلته من خط بنوسه قال: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: لما غزا الحسن بن قحطبة الطائي بلاد الروم سنة اثنتين وستين ومائة في أهل خراسان وأهل الموصل والشام وأمداد اليمن ومتطوعة العراق والحجاز، خرج مما يلي طرسوس، فأخبر المهدي بما في بنائها وتحصينها وشحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام، والكبت للعدو والوقم له فيما يحاول ويكيد، وكان الحسن معه في غزاته مندل العنزي المحدث الكوفي، ومعتمر بن سليمان البصري.
قال: وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني سعد بن الحسن قال: لما خرج الحسن من بلاد الروم نزل مرج طرسوس فركب إلى مدينتها وهي خراب فنظر إليها وأطاف بها من جميع جهاتها، وحزر عدة من يسكنها فوجدهم مائة ألف، فلما قدم على المهدي وصف له أمرها وما في بنائها وشحنتها من غيظ العدو وكبته وعز الإسلام وأهله؛ وأخبره في الحدث أيضاً بخبر رغبه في بناء مدينته، فأمر ببناء طرطوس، وأن يبدأ بمدينة الحدث، فبنيت، وأوصى المهدي ببناء طرطوس.
فلما كانت سنة إحدى وسبعين ومائة بلغ الرشيد أن الروم قد ائتمروا بينهم بالخروج إلى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتله فيها، فأغزى الصائفة في سنة إحدى وسبعين ومائة هرثمة بن أعين، وأمره بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها ففعل، وأجري أمرها على يدي فرج الخادم أبي سليم بأمر الرشيد فوكل ببنائها، ووجه أبو سليم إلى مدينة السلام، فأشخص الندبة الأولى من أهل خراسان وهم ثلاثة آلاف رجل، فوردوا طرسوس، ثم أشخص الندبة الثانية وهم ألفا رجل، ألف من أهل المصيصه وألف من أهل أنطاكية على زيادة عشرة دنانير لكل رجل في أصل عطائه، فعسكروا مع الندبة الأولى بالميدان على باب الجهاد في مستهل المحرم سنة اثنتين وسبعين ومائة، إلى أن استتم بناء طرسوس وتحصينها، وبناء مسجدها؛ ومسح فرج ما بين النهر إلى النهر فبلغ ذلك أربعة آلاف خطة، كل خطة عشرون ذراعاً في مثلها، وأقطع أهل طرسوس الخطط، وسكنتها الندبتان في شهر بيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ومائة.
قال: وكان عبد الملك بن صالح قد استعمل يزيد بن مخلد الفزاري على طرسوس، فطرده من بها من أهل خراسان، واستوحشوا منه للهبيريه، فاستخلف أبا الفوارس، فأقره عبد الملك بن صالح، وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائة.
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي سمعت أبا زرعة نعيم بن أحمد المكي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة يقول: سمعت عبد الله بن كلرت يقول: سمعت أشياخنا رحمهم الله يذكرون أن خيل خراسان وردت لعمارة طرسوس في أيام المهدي مع رسله وعساكره، وأنهم حطوا بمكان وصفه لنا بباب الجهاد غربي حائط المصلى، أربعة آلاف راحلة دقيقاً، مكتوب عليها بلخ، خوارزم، هراة، سمرقند، فرغانه، أسبيجاب، حمل ذلك كله على البخاتي من خراسان مع أبي سليم، وبشار، وأبي معروف الخدم أبناء الملوك.
أنبأنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي عن أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني قال: سمعت أبا علي الحسن بن مسعود الوزير الدمشقي الحافظ يقول: كان المشايخ يقولون زينة الإسلام ثلاثة: التراويح بمكه، فإنهم يطوفون سبعاً بين كل ترويحتين، ويوم الجمعة بجامع المنصور لكثرة الناس والزحمه ونصب الأسواق، ويوم العيد بطرسوس، لأنها ثغر وأهلها يتزينون ويخرجون بالأسلحة الكثيرة المليحة والخيل الحسان، ليصل الخبر إلى الكفار فلا يرغبون في قتالهم.
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي، وذكره بإسناده إلى وريزه بن محمد بن وريزه الغساني قال: حدثني الحارث بن همام قال: سمعت أبي يقول: استوصف الحجاج ابن القرية البصرة والكوفة وواسط فوصفها، ثم استوصف منه الشام، فقال: الشام عروس بين نسوة جلوس.
قالوا أبو عمرو القاضي: قلت أنا: وابن القرية نعت الشام وليس للمسلمين يومئذ طرسوس، فأما منذ ملكهم الله إياها، وجعل خطبة خلفاء دينه على منابرها، ونصبها قبة للجهاد وملجأ وعلماً لأولئك الأخيار البررة، فما اختلف اثنان سلكا عمائر الإسلام وجابا أفقها أن مدن الشام كالنسوة الجلوس وأن طرسوس تلمع بينها بمنزلة العروس.
ذكر كيفية النفير بطرسوس
وكيف كان يجري أمره

قرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه قال: يركب المتولي لعمل الحسبة أي وقت وقع النفير من ليل أو نهار، ورجالته بين يديه ينادون بأعلى أصواتهم أجمع، صوتاً واحداً، يقولون: النفير يا أصحاب الخيل والرجاله، النفير حملكم الله إلى باب الجهاد؛ وإن أراد إلى باب قلميه أو إلى باب الصاف أو إلى أي باب اتفق، وتغلق سائر أبواب المدينة، وتحصل مفاتيحها عند صاحب الشرطة، فلا تزال مغلقة حتى يعود السلطان من النفير، ويستقر في داره ثم تفتح الأبواب المغلقة كلها.
ويطوف المحتسب ورجالته الشوارع الجداد كلها، فإن كان ذلك نهاراً إنضاف إلى رجالته عدد كثير من الصبيان، وساعدوهم على النداء بالنفير، وربما احتاجوا إلى حشد الناس لشدة الأمر وصعوبة الحال، فأمر أهل الأسواق بالنفير وحضهم على المسير في أثر الأمير أين أخذ وكيف سار، ويكون مركز صاحب الشرطة إذا وقع النفير مع رجالته الموسومين به عند الباب الأول الذي يلي المدينة الذي يخرج منه الناس إلى النفير، وكذلك المحتسب، إلا أن المحتسب يتردد في الأسواق إذا طال أمر النفير، وتأخر خبره، ويبعث على اللحوق بمن سار مع الأمير وبمن توجه إلى النفير، فلا يزال الأمر على هذا حتى يعود السلطان إلى دار الإمارة.
ويخرج إلى النفير قواد الرجالة، معروفون متى عقد السلطان لقائد من الفرسان فبعثه للقاء من ورد من ذلك الوجه أضاف إليه قائداً من قواد الرجالة، وأتبعه من أجلاد الرجالة أهل القوة والنشاط والنية من المطوعة المسجدية، حتى إذا نزلوا أول منزل، تبتل شيخ، بل شيوخ من الصلحاء معروفون بحفظ من هناك من الغلمان المرموقين بالصباحة والوضاءة، فتنضاف طبقة طبقة إلى ذي معرفتهم وثقتهم وحصلوا تحت علمه ورايته، فلو هم أحدهم بالوضوء لصلاة لما أفرج عنه إلا برقيب ثقة أمين شيخ معروف، يمضي معه لحاجته، حتى إذا فرغ منها عاد إلى جملته.
وقد رأينا في آخر أيام طرسوس رجلاً يعرف برؤبة يجتمع إليه الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم، يزيد عددهم على ألف صبي كلهم بالسلاح الذي يمكن مثله حمل مثله، وبمزاودهم وقد أعدوا فيها من صنوف أطعمة أمثالهم يطوف جميعهم بمطرد يحمله رؤبة، يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه، فلا يزال ذلك دأبهم حتى إذا عاد السلطان إلى مقر داره عند رجوعه من نفيره، دخل أولئك الصبيان أمامه على مراتبهم، يصفهم قائدهم الأمثل فالأمثل، رماتهم عن قسي الرجل التي قد عملت على مقاديرهم، ثم رماتهم عن القسي الفارسية، وربما كان فيه من أولاد اليمانية من يحمل القسي العربية بنبلها، فيدخلون فوجاً فوجاً صبيين صبيين، ثم من يحسن الثقاف، فيثاقف قرينه ومثله وخدينه وشكله حتى يدخل كل صنف منهم في مرتبته، ثم يتلوهم رؤبة قائدهم بمطرده وعلامته، حتى إذا خرج أحد أولئك الصبيان من حد الطفولة، واشتد عضده، وقارب حد البلوغ، أو بلغ، أو تجاوز البلوغ قليلاً، إنضاف إلى قائد من قواد الرجالة الذين ذكرت، وصحبه في نفيره وغزوه، وارتاد لنفسه الرفاق بحسب ما يختار تربه وجاره وقرينه، فإذا التحى، وخرج عن حد المرد دخل في جمهور الناس، حاذقاً بما يحتاج إليه، ماهراً بصيراً بأمر جهاده وتدبير أمره، نافذاً يقظاً إن شاء الله.
وقع إلي قصيدة الأعلام، وهي أرجوزه نظمها أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي يذكر فيها رحلته من طرسوس، ويتشوقها، ويصف أوضاع المجاهدين فيها، وقد شرحنا في ترجمته من كتابنا هذا صورة القصيدة، قال فيها في وصف طرسوس:
يذكُر قومي عنهم إرتحالي ... وترك داري جانباً ومالي
تركي سجستان من المعالي ... مالي ودارٌ للغُواة مالي
لبئس ما بدلتها مراراً ... زرنج من طرسُوس لا مختارا
طرسوس أرض الفضل والجهاد ... ومُنتهى الرغبة للُعبّاد
تيك بلادي وبها تلادي ... وما لفي ومعدن الرشاد
سكانها أهل البلاء والجلد ... غُلامُهم لدى الحروب كالأسد
وكهلهم في المعضلات مُعتمد ... وشيخهم لكُل خير مُستند
أهل فضيلات وأهل سُنّة ... للعائفين والغريب جُنّة
حُبُّ النبي فيهمُ ما إنّه ... هداهم اللّه طريق الجنّة

قد دوّخوا بالضرب في الحقائق ... بكل قطّاع من البوارق
هام العدى والوخز بالمزارق ... والطعن بالخطيّ في الحمالق
بالسُمهريات من الرّماح ... يختطفون شكّة الأرواح
وفي الدّجى يسروُن للتصباح ... سريةً في الروم لاجتياح
وللثواب والغنى والريش ... يرجُون خُلداً في لذيذ العيش
ليسوا بأطياشٍ غداة الهيش ... إذا اغتدوا كانوا أمام الجيش
تراهم صبيحة المغار ... كالأُسد في أشبالها الضّواري
على الجياد العُرب والشهاري ... كأنّها العقبان في البراري
من كُل طرفٍ مارح لدى العمل ... أغرّ كالبدر تدلّى ما أفل
مُحجّلٌ أرجُله جم الكفل ... ما هاب يوماً في الوغى لمح الأسل
فهم يحُلون بها الديارا ... ويقتُلون عندها الكُفّار
ويستبون الخُردّ الأبكارا ... ويحتوون المال والأسارى
قد صفّدوا في السير في وثاق ... وضُمّت الأيدي إلى التراقي
لخشية الفرار والإباق ... وتلكُم الجوار في استباق
يُسقن كالأغنام في الشغاف ... يُحزن بالرماح والقذاف
حوز الرُعاة لشاء في الفيافي ... كم فيهمُ من ظبيةٍ ذلاف
يمنعها من مشيها سحج الربل ... وثقل ردفٍ مائل لها عدل
وأنها ذات دلالٍ وخجل ... لو حسّها الراهب يوماً لنزل
والقسُ لو أبصرها لما صبر ... وقبّل الرجلين منها واعتذر
تبكي بعين ذات غُنج وحور ... وتلطم الوجه المُنير كالقمر
أبيض يعلوه كلون الخمر ... نعم وفي الصدر الوضيء تفري
باللكم والخمش ونتف الشعر ... من حالكٍ قد حلُ عند الخصر
وكل ما يبدو لها مليحُ ... إذا احتواها المُرد يستريح
دع ذكرها فذكرها قبيحُ ... على الفتى وخُذ بما تبُوح
ذكر زهاد طرسوس
بها رجال بعضُهم من بعض ... في اللّه قاموا بحقوق الفرض
فيها يعيشون بكل خفض ... يحبُوهُم ببركات الأرض
يبدون من يلقون بالتسليم ... يعفُون عن ذي القدرة الظلوم
نهارُهم صوم بلا تعتيم ... وليلُهم عبادة القيُّوم
فتارة يبكون شجواً دررا ... خوف الحساب والخطايا حذرا
وتارة يعتبرون السُورا ... مستغفرين عله قد غفرا
وتارة يغزون أرض الروم ... يرجون قتلاً في هوى الكريم
يا ليتني في الأرض كالرميم ... عندهم فقصّري أو لومي
هذا كان حال مدينة طرسوس والشرائع محفوظة، وأمور الجهاد ملحوظة، وأحوال البدع مرفوضة، والجفون عن الحرمات مغضوضة، فحين فسدت الأمور، وارتكبت الفجور، وقلت الخيرات، واشتغل أهل الجهاد باللذات، طمع العدو ومنعه طلب الثأر الهدو فقصد البلاد وأكثر الأمداد، وهجم حلب وفتح أنطاكية، وقتل الأبطال، وسبى الذرية، ثم استولى على الديار، وقصد طرسوس، وألح عليها بالحصار، فجرى في أمرها العظيم ما ذكره عثمان بن عبد الله بن إبراهيم في مقدمة كتابه الموسوم بسير الثغور، ونقلته من خطه مع ما نقلته من حوادث الأمور.

قال بعد أن حمد الله على نعمه التي تظاهرت فما تحصى وأياديه التي ترادفت فما تستقصى: نفذت سوابق أقضيته في عالم من بريته أسكنهم حيناً من الدهر ثغراً بأطراف الشام، نوه به وبهم في معالم الإسلام، متعهم فيه مدةً من المدد، وأعزه وأعزهم إلى غاية من الأمد، ظاهرين على أعدائهم، مظفرين في قلوب إخوانهم المسلمين، معظمين مبجلين، ضاقت بهم أرض الروم، ترأى نيرانهم، وتكافح فرسانهم، إن دنوا منهم هلكوا، وإن أمعنوا الهرب عنهم أدركوا، لا تحرزهم أرضهم وإن اتسعت، ولا تحميهم معاقلهم وإن امتنعت، تغزى بنودهم، وتهزم حشودهم، وتفق جنودهم، وتستباح حريمهم، ويستأصل كريمهم، وتروح أفنيتهم، وتهدم أبنيتهم، وتشن الغارات فيهم، زيادة على مائتي سنة، حتى نبغ من نقفور بن خاردس الفقاس من صمد نحوهم وعندهم، وأناخ بهم وقصدهم، وأجمع على استئصالهم واجتياحهم، وبوارهم، فغزاهم عاماً بعد عام، ونازلهم في عقر ديارهم، يدوخ أطرافهم، ويسوق عواملهم، ويتردد إلى زروعهم أوان استحصادهم فيجتثها ويأتي عليها، وتتوالى لأجل ذلك سنوات الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وضيق الأسعار، وتأخر المبر والأمداد، وفناء الحماة من الرجال الكماة، وتلاشي الشجعان والفرسان، وانحلال الأحوال، واختلال الأبطال، وحلول الداء الذي لا دواء له، والعلة التي لا يرجى برؤها، وهو نبو السلاطين حينئذ عن نصرتهم، وتثاقلهم عن إجابة مستصرخهم، وتخلفهم حين دهمهم ما دهمهم عن معونتهم.
فالنائب بمصر وما ينسب إليها براً وبحراً من أقاصي الصعيد إلى حدود جوسيه راض بمدافعة الأيام وسلامة الشهور والأعوام من صولة ملك الغرب ومدبره، والرائب المشار إليه بأرض العراق وما يجري مجراها إلى حدود بحر الصين وباب الأبواب، يتشاغل بأساورة ديلمان وجيلان، وملك خراسان في كف غربه كما قال المساور بن هند العبسي:
وتشعبوا شعباً فكل جزيرةٍ ... فيها أمير المؤمنين ومنبرُ
فحاق لذلك بأهل الثغر - جدده الله - من قراع الروم - وقمهم الله - على وفور عددهم وقوة عددهم، ووفاق أجناس الكفرة إياهم ما ثقل حده وعظم مرده، وامتنع مسده، بما وصفنا من خلف سلاطين الإسلام وأمرائه، وتفاوت كل منهم في شتات آرائه، وما خامر أفئدتهم من الوهل وران على قلوبهم من الرعب والوجل كما سبق لهم في علم الله العزيز وإرادته ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة.
فقد حدثني أبو العباس محمد بن نصر بن مكرم، أحد عدول بغداد، في درب الريحان، أن أحمد بن بويه رحمه الله جلس بمكان أرانيه بباب داره المعزية، يعرض خيله متنزهاً بالنظر إليها، فقيد بين يديه من دار الدواب إلى ذلك المكان في مدة أربعة عشر يوماً متصلة اثنا عشر ألف فرس، أغلاها ثمناً بمائة ألف درهم، وأدناها ثمناً بعشرة آلاف درهم، لم يطرح قط على فرس منها سرج في سبيل الله ولا في غير سبيل الله.
وحدثني أيضاً كهل من أهل أذنه يعرف بابن الشعراني وقد سألته ببغداد عن منصرفه، فوصف إشرافاً على قضيم حمير برسم فناخسرو بن الحسن بن بويه رحمه الله عددها ستة آلاف حمار، قد رتبها لخدمة الكراع ينقل لها القصيل في حينه، والقضيم والعلوفات في سائر الأوقات، وسألته عن عدد هذا الكراع الذي قد رتبت هذه الحمير لخدمته، فذكر أن المشرف على قضيم جميع الكراع يستوفي كل ليلة قضيماً لثمانين ألف رأس، من ذلك ثلاثون ألف رجل، وأربعة وعشرون ألف بغل وعشرون ألف فرس وستة آلاف حمار.
فهذان رجلان من أمراء الاسلام وصفنا ظاهر نعم الله عليهما، والجهاد معطل والثغر بباب لا أنيس به خاو من القرآن، خال من الأذان.
مدارس آياتٍ خلت من تلاوة ... ومنزل حيٍ مقفر العرصات
فمن قتيل أو جريح، وعفير من أهلها طريح، وهارب طامح، ومتحيز إلى وطن نازح، ومفتون في دينه، ومغلوب على ملك يمينه، قد استبيحت منازلهم بجميع ما كانت تحويه إلا ما نقله السائر عنها على ظهره بحسب قوته إن كان ذا طاقة لشيء من حمله، أو على ذي أربعة إن كان واحداً له أو أعوانه إن وجد عوناً، " فلكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " ، لا يعرج على سواه ولا يعود بعد إلى مثواه بذلك سبق فيهم علم الله المكنون الغامض المصون، " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " .

وقرأت بخط أبي عمرو في كتابه: وجرى من اعتياد الروم طرسوس ما اقتضت الصورة إخراج وفد إلى مصر والعراق يستصرخون ويطلبون المدد، ورسم أبو الحسن ابن الفياض بوفادة مصر، ووفد أبو بكر الأصبهاني الاسكاف، وأبو علي ابن الأصبهاني خليفة القاضي العباس بن أحمد الخواتيمي على طرسوس إلى بغداد، فندب للخطبة أو صالح عبد الغفار بن الحراني الوراق عوضاً منه فقام مقامه، وأقام أبو صالح عند خروج الناس بطرسوس لعلة منعته من الحركة بها توفي، وما زال أبو صالح يخطب مدة أيام منازلة نقفور إيانا، فلما انتهينا إلى الأيام التي وادعناه فيها للخروج عن طرسوس إعتل أبو صالح علة حالت بينه وبين الصلاة، واحتاج الناس في آخر جمعة جمعوها بطرسوس إلى خطيب فسئل أبو الحسن بن الفياض الصلاة، وقد كان عاد من مصر معذراً لم ينل في الوفادة ما تمنى من أرسله لها، فأبى، وقال: ما أحب أن أكون آخر خطيب خطب بطرسوس، وحضرت الصلاة فصلى بالناس يومئذ أبو ذر، رجل من أبناء طرسوس، شيخ من أهل العلم كان سافر وغاب عن طرسوس عدة سنين، وعاد إلينا في تلك الأيام، فهو آخر من خطب على منبر طرسوس يوم الجمعة العاشر من شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، لأن خروج الناس كان عنها في يوم الأربعاء النصف من هذا الشهر في هذه السنة، وأقام المؤذنون في ذلك اليوم وأخذوا في الأذان، فسهوا فأقاموا، فرد عليهم فأذنوا، وقام أبو ذر فخطب، فلما أتى الدعاء للسلطان خطب للمعتضد، ورد عليه، فتمم خطبته ونزل، فأقيمت الصلاة وكبر وقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة والشمس وضحاها، وفي الركعة الثانية بسورة الحمد وسورة إذا زلزلت الأرض زلزالها.
فلما سلم قام أبو عبد الله الحسين بن محمد الخواص قائماً في قبلة المسجد، واستقبل الناس بوجهه وقال: يا معشر أهل طرسوس أقول فاسمعوا: هذا المقام الذي كان يتلى فيه كتاب الله العظيم، هذا المقام الذي كانت تعقد فيه المغازي إلى الروم، هذا المقام الذي كان يصدر عنه أمر الثغور، هذا المقام الذي كانت تصلي فيه الجمع والأعياد، هذا المقام الذي يأوي إليه الملهوف بالدعوات، هذا المقام الذي يزدحم عليه أهل الستر والسداد، هذا المقام الذي كان يفد إلى الله فيه الوافدون، هذا المقام الذي كان يعتكف فيه العابدون الزاهدون، وما يجرى مجرى هذا الكلام.
وقرأت في تاريخ أبي غالب همام بن الفضل المعري أن نقفور لما صالح أهل طرسوس، وخرجوا منها وتسلمها صعد على منبرها وقال: يا معشر الروم أين أنا؟ فقالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا بل أنا على منبر بيت المقدس، وهذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس.
باب ما جاء في فضل طرسوس

قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الكرجي، ونقلته منه، حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي قال: حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: حدثنا يحيى بن زكريا أبو زكريا قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن مالك الصوري قال: حدثني فتح بن محمد بالغور قال: حدثنا عبد الله بن عيسى العقدي قال: حدثنا نصر بن يونس قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا السري بن بزيعة عن أبي بكر اليشكري عن الحسن البصري عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ودموعه تقطر على لحيته قال: فقلنا بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، من اخواننا هؤلاء الذين ذكرتهم فرققت لذكرهم؟ قال: قوم من أمتي يكونون في مدينة تبنى من وراء سيحان وجيحان فمن أدرك ذلك الزمان فليأخذ بنصيبه منها، فإن شهيدهم يعدل شهداء بدر، والذي نفسي بيده ليبعثن الله يوم القيامة من تلك المدينة سبعين ومائة ألف شهيد يدخلون الجنة بغير حساب، وإن الله عز وجل ينظر إلى أهل تلك المدينة كل يوم سبعين مرة، كلما نظر إليهم ذر عليهم من بره وحنانه، الله عز وجل أرفق بتلك المدينة من الوالدة بولدها، يغفر الله لأهل تلك المدينة كل يوم عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولا يزالون على الحق والحق معهم حتى يكون آخر الزمان عصابة منهم يحاربون الدجال، يحشر الله من تلك المدينة اثني عشر ألف زمرة، في كل زمرة مائة ألف شهيد، والشهيد منهم يشفع في مائة ألف سوى أهل بيته وجيرانه، واسمها بالعربية طرسوس، وفي التوراة أبسوس، وفي الإنجيل أرسوس، وهي الصارخة إلى الله عز وجل في بيت المقدس حين أخربت، ولها بابان مفتوحان حول العرش، من دخلها من أمتي غفر له ما سلف من ذنبه، ولم يكتب عليه ذنب حادث، طوبى لمن حشر منها من أمتي، طوبى له.
ونقلت من خطه حدثني أبو الحسن علي بن وهب الوراق الرملي بطرابلس قال: حدثنا أبو يعقوب العدل العطار الموصلي بالموصل قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الحراني عن قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستعمر مدينة بين سيحان وجيحان تسمى المنصورة، من دخلها من أمتي دخلها برحمة، ومن خرج عنها رغبة عنها خرج بسخطة، يبنى مسجدها على روضة من رياض الجنة، يدعى مسجد النور، الصلاة فيه بألفي صلاة، النائم فيها كالصائم القائم في غيرها، المنفق فيها على عياله الدرهم بسبعمائة، طوبى للمجاهدين فيها، وطوبى لمن حشر منها، الميت فيها شهيد، وشهيدها يعدل عشرة من شهداء البحر.
وقال أبو عمرو القاضي فيما نقلته من خطه: حدثنا أبو هاشم عبد الجبار ابن عبد الصمد السلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا إبراهيم ابن صدقة الجهني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثنا هشام بن مودود الهجري عن برد بن سنان عن وهب بن منبه قال: لا تذهب الأيام حتى تبنى مدينة من وراء سيحان وجيحان قريبة من العدو غير بعيدة، تخيف العدو من وجهين من بر ومن بحر، ينظر الله عز وجل إليهم في كل يوم سبعين مرة، كلما نظر إليهم ذر عليهم من بره وحنانه، الله عز وجل أروف بأهل تلك المدينة من الوالدة الشفيقة بولدها، يغفر الله لهم في كل يوم مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يحشر الله منها يوم القيامة اثني عشر ألف زمرة في كل زمرة مائة ألف شهيد، لا يزالون على الحق، والحق معهم، آخر عصابة منهم تقاتل الدجال.
قال ابن منبه: يا طوبى لأهل تلك المدينة هم أولياء الله وأحباؤه.
ومن خطه أيضاً حدثنا عدي بن أحمد بن عبد الباقي أبو عمير قال: حدثنا عمي يحيى بن عبد الباقي أبو القاسم قال: حدثنا يوسف بن بحر قال: حدثنا سعيد بن هشام الفيومي قال: حدثنا هشام بن مودود قال: سمعت وهب بن منبه يقول: تبنى مدينة من وراء نهر من أنهار الجنة ينظر الله في كل يوم إلى تلك المدينة سبعين مرة، يدر عليهم من بره وحنانه وهو أروف بهم من الوالدة بولدها.
قال سعيد بن هشام: سمعت هشام بن مودود يقول: هي طرسوس.

ونقلت من خطه: حدثنا أبو عمير عدي بن أحمد الأذني بطرسوس إملاءً في داره يوم السبت غرة ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة حدثنا عمي أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي حدثني أبو القاسم يوسف بن بحر الساحلي قال: حدثنا جنادة بن مروان بن الحكم الأزدي قال: حدثني الهيثم بن حميد الكندي عن الحكم بن عمرو الرعيني عن كعب الأحبار قال: إن طرسوس خرجت إلى ربها عز وجل من وحشتها وبكت إليه من خرابها، فأوحى الله عز وجل إليها أيتها الصارخة إلي أنا أذنت لخرابك، وأذنت لعمرانك، وأنزل عليك من بركات سمائي لأطهرك من دنس الأرجاس الأنجاس، ثم أعمرك " بخير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ، وأضع فيك معهم توراة محدثة وخدوداً سجوداً يدفعون إليك دفيف النسور إلى أوكارها، ويحنون إليك حنين الحمامة إلى فراخها.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة.
وأنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن عبد الكريم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد قال: حدثنا تمام بن محمد قال: أخبرنا أبو الحارث بن عمارة قال: حدثنا أبي وهو محمد بن عمارة بن أبي الخطاب الليثي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن رجل عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة.
أخبرنا أبو الفتوح الحصري وأبو محمد عبد القادر الرهاوي في كتابيهما قالا: أخبرنا أبو الخير القزويني قال: أخبرنا زاهر بن طاهر قال: أخبرنا أبوا عثمان الصابوني والبحيري وأبوا بكر البيهقي والحيري إجازة منهم قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا الفضل الحسن بن يعقوب العدل يقول: سمعت حمش التريكي الزاهد يقول: سمعت أحمد بن حرب يقول: المقام بطرسوس في وقتنا هذا أحب إلي من الجوار بمكة.
وقرأت بخط أبي عمرو القاضي في كتابه حدثنا أبو هاشم السلمي قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت يوسف بن عبد الله الهاشمي يقول: قال عبد الله بن المبارك: تكبيرة على حائط طرسوس تعدل فرساً في سبيل الله، ومن حمل على فرس في سبيل الله حمله الله على ناقة من نوق الجنة.
قلت وكان ابن المبارك قد قدم طرسوس فأقام بها وبالمصيصة غازياً سنين عدة، فقال له أبو إسحق الفزاري، ما أخبرنا به القاضي أبو القاسم عبد الصمد ابن محمد إذناً قال: كتب إلينا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبوا بكر أحمد البيهقي ومحمد الحيري، وأبوا عثمان إسماعيل الصابوني وسعيد البحيري إجازة منهم قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: أخبرني محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن المنذر قال: حدثني محمد بن الوليد قال: حدثني أبو عمران الطرسوسي قال: سمعت عبد الله بن محمد بن ربيعة المصيصي يقول: حضرت أبا إسحق الفزاري وابن المبارك، قال أبو إسحق الفزار لابن المبارك يا أبا عبد الرحمن تركت ثغور خراسان الوا شجرد وقزوين وقد قال الله تعالى: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " ، فقال: يا أبا إسحق وجدت آية أوكد من هذه، قال الله عز وجل: " قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله " ، قال: ثم قال: هؤلاء يقاتلون على دنيانا، يعني الترك والديلم، وهؤلاء يحاربونا على ديننا، يعني الروم، فأيما أولى الذب عن ديننا أو عن دنيانا؟ قال: لا بل عن ديننا، لا بل عن ديننا.
وقال الحاكم أبو عبد الله: حدثني أبو أحمد بن أبي الحسين قال: حدثنا محمد بن الفيض الدمشقي قال: حدثنا المسيب بن واضح قال: أنشدنا عبد الله بن المبارك رحمه الله:
إنّي أشير على العُزّاب إن قبلوا ... بأن يكون لهم مثوى بطرسُوس
الدار واسعة بالأهل رافقةٌ ... غيظ العدو وأجر غير محسوس
قوم إذا نابهم في الحرب نائبةٌ ... حلّوا الرباط فلم يُلووا على كُوس

قرأت بخط أبي عمر والطرسوسي: حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن الشفق قال: حدثنا محمد بن أحمد أبو الطيب قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نوح قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال ابن المبارك: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام واضعاً يده على سور طرسوس قال: اللهم احفظني فيها وفي أهلها.
ومن خطه: حدثنا عبد الجبار بن عبد الصمد قال: حدثنا أبو يعقوب الأذرعي قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله السليماني قال: سمعت أبا الطيب يقول: حدثني بعض إخواني قال: قال ابن المبارك: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو واضع يده على حائط طرسوس وهو يقول: اللهم إخلفني على من فيها.
وقرأت بخطه أيضاً: حدثني محمد بن أحمد أبو نصر بن الحمال قال: سمعت أحمد بن مضر؛ وهو أبو أبي العباس بن مضر محمد بن أحمد يقول: كنا نسمع شيوخ الثغر قديماً يقولون: لم يسكن طرسوس فيما مضى من الدهر والأزمنة في الكفر والاسلام إلا أوطاء أهل زمانهم حتى أن قوماً من اليونانية سكنوها، فكانوا أهل سداد وصلاح.
ونقلت من خطه: حدثنا أبو بكر محمد بن سعيد بن الشفق البغدادي بطرسوس سنة خمس وأربعين وثلاثمائه قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن أحمد البغدادي بطرسوس سنة إحدى وتسعين ومائتين قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن نوح قال: سمعت محمد بن عيسى قال: جاء رجل إلى ابن المبارك فقال: يا أبا عبد الرحمن أريد أن أسكن الثغر، قال: اسكن أنطاكية، قال: أريد أن أتقدم، قال: أذنه، قال: أريد أن أتقدم، قال: أتريد أن تكون في الطلائع فعليك بطرسوس.
باب في ذكر حصون مذكورة
مجاورة لطرسوس والمصيصة وأنطاكية، كانت مضافة إلى هذه المدن، وهي من الثغور الشامية التي يفصل جبل اللكام بينها وبين الثغور الجزريه، نذكرها عقيب ذكر طرسوس لأنها الآن في أيدي الكفار خذلهم الله، وأعادها إلى أيدي المسلمين. فمنها ذكر اقليقيه، وهي مدينة بين المصيصة وأذنه داثرة.
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي: سمعت أبا الحسن علي بن جعفر بن عقبه الأعرابي صاحب الجيش بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قال: سمعت أبي جعفر بن عقبه رحمه الله يقول كان شيوخنا يقولون: إن أول مدينة عرفت في إقليم الثغر أزلية قبل الاسلام مدينة اقليقية، وإليها ينسب علماء الروم الثغر فيقول بند اقليقيه، قال لنا أبو الحسن بن الأعرابي: وقد بقي أثر هذه المدينة دمنة فيها آثار أبنية قديمة وهي عن يمين السالك من المصيصة إلى أذنه بينها وبين أذنه نحو ميلين.
ذكر حصن ثابت بن نصر
وهو كان المشهور قبل الثغور وبنائها.
قرأت بخط أبي عمرو القاضي حدثني محمد بن أحمد الزمام قال: سمعت عبد الله بن كلرت يقول: ما زال أولونا يقولون لم يعرف الجهاد فيما مضى في شيء من أرض الثغور، يعني طرسوس وأذنه وعين زربه، إنما كان حصن ثابت بن نصر بمدينة المصيصة في آخر أيام بني أمية، وأول أيام بني العباس، يخرج منه أربعمائة فارس صلحاء إذا أقلبوا حوافر خيولهم لتنعل للغزو، قلبوا بذلك قلوب بطارقه قسطنطينية خوفاً منهم وجزعاً.
قال: وقد غزا محمد بن عبد الله أمير المؤمنين المهدي رحمه الله فلم تك هناك طرسوس ولا أذنه ولا عين زربه، وإنما كان هذا الحصن لا غير.
وقرأت بخطه أيضاً حدثني أبو الحسن العدل علي بن الحسين الحذاء وأبو بكر غانم بن يحيى بن عبد الباقي قالا: حدثنا أبو القاسم يحيى بن عبد الباقي قال: كان حصن ثابت بن نصر مشحناً بالابدال يجاهدون الروم، منهم يوسف بن أسباط صاحب سفيان الثوري، كان أدمن الصوم به فتوسوس.
وقرأت بخطه: حدثني علي بن إسحق صاحب العرض قال: سمعت أبا العباس ابن عبدوس يقول: كان ابتداء أمر الثغر وحصول المسلمين به أن نفراً صالحين سكنوا حصن ثابت بن نصر بالمصيصة كثرت غزواتهم، وتشمر الروم منهم لشدة بأسهم وعظم نكايتهم فيهم، منهم: يوسف بن أسباط، وعلي بن بكار، وبعدهم إبراهيم بن أدهم، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاوية الأسود وطبقاتهم، وقتاً بعد وقت من لا يحصى عدداً إلى أن شحنت طرسوس، كلهم أهل فضل وجهاد.

قلت: وهذا ثابت بن نصر الذي نسب هذا الحصن إليه، هو ثابت بن نصر بن مالك بن الهيثم بن عوف الخزاعي، أخو أحمد بن نصر الشهيد، وكان فيه دين، وله حسن أثر في جهاد الروم، وولي الثغور بالشامية، وسنذكر حاله ونسبه في ترجمته إن شاء الله تعالى.
ذكر حصن عجيف
وهذا الحصن ينسب إلى عجيف بن عنبسه من أكابر القواد، ومن له بأس ونجدة في الجهاد، وكان من قواد المأمون، ودخل معه إلى بلاد الروم، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
قرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي في ذكر حصون طرسوس، ذكر حصن عجيف وأبرجته، رسم هذا الحصن أمير وأربعة فرسان، وثلاثة حراس، وثلاثة رجالة وخطيب، رزق الأمير عشرة دنانير، ورسم كل فارس ديناران، والرجالة والحرس دينار دينار، والخطيب ديناران.
برج الوصيفي ثمانية رجال، للرئيس دينار وسدس، وللرجاله دينار دينار.
برج المنشا ستة نفر، رئيس بدينار وسدس، ولكل راجل دينار.
برج المقطع خمسة عشر رجلاً، الرئيس دينار وسدس، ولكل راجل دينار.
برج الجزيري سبعة نفر، الرئيس بدينار وسدس، ولكل راجل دينار.
حصن شاكر
وهو قريب من طرسوس، ينسب هذا الحصن إلى شاكر بن عبد الله أبي الحسن المصيصي، وكان من الغزاة المذكورين والمحدثين المشهورين، وسنذكر ترجمته في بابه إن شاء الله.
ذكر حصن الجوزات
وبينه وبين طرسوس ثمانية فراسخ، وهو بي البذندون وطرسوس، وبينه وبين البذندون اثنا عشر ميلاً، وهو حصن مذكور موصوف بالقوة.
وقفت على فصل في ذكره بخط أبي عمرو الطرسوسي في سير الثغور، فنقلته على حاله وصورته: رسم هذا الحصن أمير وخليفة ينوب عنه، وخطيب وقيم للدار، وصاحب الحمام، وكاتب، ومطرديان، وبوقي، وبواب.
وفي جبل هذا الحصن شجر جوز مثمر مسافته ثلاثة أميال في عرض ميل، فإذا حان إدراكه، خرج والي الجوزات وجميع رجالته، إلا من يضبط الحصن من الثقات، فينفضون الجوز أياماً، وضم كل واحد ما نفضه، وعد بالإحصاء ما حصل، فدفع إلى الوالي من كل عشرة آلاف جوزة ألف جوزة، وأمسك لنفسه تسعة آلاف، فيجتمع للوالي - أعني والي الجوازات - من ذلك خمسمائة ألف جوزة وأكثر، ومما ينمحق من ذلك بالمسامحة فيه عند ضمه مع ما تعذر نفضه، لبعد فروع أشجاره وتعذر وصول الناس إليه، أكثر مما وصفت، فتمتليء بيوت الجوزانيين كلهم من الجوز يرتفقون مدة أيام الشتاء، ويتهادونه إلى طرسوس، إلى ذي موداتهم وقراباتهم.
وفي فضاء عن عمل الجوزات منبت للأشنان الزبطري، فإذا تناهى إدراكه ضموه وارتفقوا به من هدية وبيع واستعمال.
وفي هذا الجبل أشجار مخصوصة بأوكار البزاة يغتادها قوم من الجوزانيين، فإذا فرخ في وكره تعهده الطالب له بالتفقد وتردد إليه، حتى إذا صلح، تلطف بحيلة في نقل الفراخ، ودبر تربيتها، وتكلف حملها إلى طرسوس، وربما بيع الواحد بمائة وخمسين درهماً، فتستحيل إلى الفراهة إذا علم وضري، فبلغ خمسمائة درهم وأكثر.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي.
وفي جبلها أيضاً عقار يعرف بالغاريقون يحمل منه إلى أكثر الأقاليم.
حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي مروان المعداني، وهو الأفطس، وهو ممن رابط وجاهد في حصن الجوزات ثلاثين سنة، أنهم أخرجوا في فاثور، فوجد أحدهم شيئاً من الغاريقون، فرفعه في مئزر معه، ثم وجدوا ماء ينبع من عين، فعرسوا عليها وأخرجوا زادهم، ورفعوا الغاريقون من المئزر في مزود مع أحدهم وبلوا كعكاً معهم بذلك بالماء البارد ولفوه في المئزر، وسار ثلاثة أو أربعة منهم يتجسسوا مكانهم لئلا يعمل بمكانهم، فتناول صاحبهم شيئاً من الكعك المبلول فنال منه، وأبطأ أولئك، فعمل الغاريقون الملتصق بالمئزر في طبع الرجل، وتردد واختلف، فوافاه أصحابه وقد تردد نحو مائتي طريق، وحيل بينه وبين القوة والحركة، فرأوا إن قطعوا دهقين، وجعلوا صاحبهم في عباء، وحملوه بينهم إلى الجوزات، فعولج وعوفي، فباع ما كان معه من الغاريقون بجملة جاملة.

وما وطىء هذا الحصن منذ ملكه المسلمون وشيدوه إمرأة، ولا أطلق لأحد أن يدخل بغلام أمرد، إلى أن أخرج عنها المسلمون، وإنما يختار لها أهل القوة والبأس، ومن يعاني أعمال السلاح المختلفة كالثقاف بالسيف والرمح، والرمي عن القسي الفارسية، وقسي الرجل، من أبناء أربعين وما زاد وما نقص، فإذا حضر الغزو فقد رسم الجوزانيون يوماً في ساقة عسكر المسلمين، ويوماً في مقدمته بأحسن الزي، وأجمل الأحوال، وأكمل العدة، شامة في الناس.
ذكر تل جبير
وهو من عوادل الثغور الشامية على ما ذكره أحمد بن الطيب السرخسي في كتابه، وقال: ومن طرسوس إلى تل جبير اثنا عشر ميلاً.
وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى البلاذري فيما نقله عن أشياخ الثغر قالوا: وتل جبير نسب إلى رجل من فرس أنطاكية، كانت له عنده وقعة، وهو من طرسوس على أقل من عشرة أميال.
ذكر حصن أولاس
ويقال له حصن الزهاد، وهو على ساحل البحر، ومنه أبو الحارث فيض بن الخضر بن أحمد التميمي الأولاسي، أحد الأولياء المشهورين، وسنذكر ترجمته في بابها إن شاء الله تعالى.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض والمدن وما تشتمل عليه: وأولاس حصن على ساحل البحر، بها قوم متعبدون، وهو آخر ما على بحر الروم من العمارة للمسلمين.
ذكر الهارونية
قال أبو زيد البلخي في كتابه: والهارونية غربي جبل اللكام في بعض شعابه وهي حصن صغير، بناها هرون الرشيد، فنسبت إليه.
وقال أحمد بن الطيب في المسالك والممالك: ومن عوادل الثغور الشامية الهارونية، كنيسة السوداء، تل جبير.
وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان قال: وللثغور الشامية مدينة عين زربه، والهارونية، والكنيسة المحترقه.
قال: وبنى الهارونيه الرشيد في أيام المهدي، وهو ولي عهد.
قال البلاذري، ثم لما كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة أمر - يعني الرشيد - ببناء الهارونية فبنيت وشحنت أيضاً بالمقاتله ومن نزع إليها من المطوعة، ونسبت إليه، ويقال أنه بناها في خلافة المهدي رحمة الله عليه، ثم أتمت في خلافته.
ذكر الإسكندرونة
وهو حصن بنته أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم الأمين، وجدد بناءه أحمد بن أبي دؤاد، وهو على ساحل البحر.
قال ابن واضح الكاتب: تهبط من جبل اللكام إلى مدينة على ساحل البحر الأخضر يقال لها الإسكندرونه، بناها ابن أبي دؤاد الإيادي في خلافة الواثق.
وقال أبو زيد البلخي: والإسكندرونه حصن على ساحل البحر للروم، وهي صغير بها نخيل.
وقال أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في مزدوجته.
والإسكندرون حصن أم جعفر ... وردت يوم الجمعة المطهر
كم من شهيد عندهم في المقبر ... ومن خبايا من طبيات الثمر
وفسره بأن قال: بنته أم جعفر يعني زبيدة.
قال البلاذري في كتاب البلدان: وكانت الإسكندرونه له - يعني لمسلمة بن عبد الملك - ثم صارت لرجاء مولى المهدي إقطاعاً يورثه منصور وإبراهيم ابنا المهدي، ثم صارت لإبراهيم بن سعيد الجوهري، ثم لأحمد بن أبي دؤاد الإيادي ابتياعاً، ثم انتقل ملكها إلى المتوكل على الله.
ذكر بياس
وهي مدينة على البحر خرج منها جماعة من الرواة، وبينها وبين الإسكندرونة عشرة أميال، وبينها وبين فندق حسين خمسة عشر ميلاً، وهذا الفندق في مرج يقال له مرج حسين منسوب إلى حسين بن سليم الأنطاكي، كانت له به وقعة مع العدو، وسنذكره إن شاء الله.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي: وبياس مدينة صغيرة على شاطىء بحر الروم ذات نخيل وزروع خصبة.
ذكر أياس
قد ذكرنا أن الشيخ الجرهمي ذكر لمعاوية أن ياوان بن يافث ولد أياس، فعرف المكان الذي حله باسمه.
قلت: وأياس، مدينة إلى جانب بياس على شاطىء بحر الروم، من الثغور الشامية، هي الآن في يد الأرمن أيضاً.
ذكر التينات
وهو حصن على شاطىء البحر بين بياس والمصيصة، أقام به أبو الخير التيناتي، فنسب إليه.
قال أبو زيد البلخي: والتينات حصن على شاطىء البحر أيضاً، فيه يجمع خشب الصنوبر الذي ينقل إلى الشامات، وإلى مصر، وإلى الثغور.
ذكر المثقب
وهو حصن على ساحل بحر الروم.

قال أبو زيد البلخي: والمثقب حصن صغير بناه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، بها منبر ومسجد ومصحف.
قال البلاذري: وكان الذي بنى حصن المثقب هشام بن عبد الملك على يد حسان بن ماهويه الأنطاكي، ووجد في خندقه حين حفر عظم ساق مفرط الطول، فبعث به إلى هشام.
ذكر سيسة
ويقال لها سيس، وهي مدينة قريبة من عين زربه، وهي الآن مستقر ملك الأرمن خذلهم الله، ولم يكن لها فيما مضى كبير ذكر. غير أن أحمد بن يحيى ابن جابر البلاذري ذكرها في كتاب البلدان وقال: قال محمد بن سعدن بعد أن أسند عنه فقال: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني الواقدي قال: جلا أهل سيسية، مدينة تلي عين زربه، وقد عمرت سيسية في خلافة المتوكل على يدي علي بن يحيى الأرمني، فنزلوها، ثم أخربتها الروم، ثم عمرها فارس بن بغا الصغير في خلافة أحمد المعتمد على الله في سنة ستين ومائتين، أو سنة تسع وخمسين ومائتين، وأنفق عليها من ماله بسبب نذر كان عليه، وجرت عمارتها على يدي مكين الخادم.
ذكر حصن ذي الكلاع
قال البلاذري، فيما حكاه عن شيوخ الشام، قالوا: والحصن المعروف بذي الكلاع إنما هو الحصن ذو القلاع، لأنه على ثلاث قلاع فحرف اسمه، وتفسير اسمه بالرومية الحصن الذي مع الكواكب.
حصن قطر غاش
قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وبنى هشام حصن قطر غاش على يدي عبد العزيز بن حيان الأنطاكي.
قلت: وهذا الحصن بين أنطاكية والمثقب.
حصن مورة
وهو في جبل اللكام.
قال البلاذري: وبنى هشام أيضاً حصن موره على يدي رجل من أهل أنطاكية وكان سبب بنائه إياه أن الروم عرضوا لرسول له في درب اللكام عند العقبة البيضاء، ورتب فيه أربعين رجلاً وجماعة من الجراجمة، وأقام ببغراس مسلحة في خمسين رجلاً، وابتنى لهم حصناً.
ذكر حصن بوقا
وهو حصن من عمل أنطاكية ينسب إليه بعض أهل الحديث، وله كورة تنسب إليه.
قال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري: وبنى هشام - يعني ابن عبد الملك - حصن بوقا من عمل أنطاكية، ثم جدد وأصلح حديثاً، وبنى محمد بن يوسف المروزي المعروف بأبي سعيد حصناً بساحل أنطاكية، بعد غارة الروم على ساحلها في خلافة المعتصم.
ذكر الصخرة
وهي بقرب أنطاكية، وقيل هي التي ذكرها الله في القرآن بقوله تعالى: " أرأيت إِذا أوينا إلى الصخرة " . وقد ذكرها أبو زيد البلخي في ذكر المدن والحصون عقيب ذكر أنطاكية فقال: وأما الصخرة فإنها تعرف بصخرة موسى بن عمران في هذا الموضع.
باب في
ذكر الجرجومة
قد ذكر أحمد بن الطيب السرخسي فيما أوردنا عنه إنه عد في المسالك والمالك في ذكر المدن والكور بقنسرين والعواصم وقال: الجرجومة على جبل اللكام.
وقد ذكر أحمد ين يحيى البلاذري في كتاب البلدان فيها فصلاً نذكره ها هنا بعينه، قال: حدثني مشايخ من أهل أنطاكية أن الجراجمة من مدينة على جبل اللكام عند معدن الزاج، فيما بين بياس وبوقا يقال لها الجرجومة، وأن أمرهم كان في أيام استيلاء الروم على الشام وأنطاكية إلى بطريق أنطاكية وواليها، فلما قدم أبو عبيدة أنطاكية وفتحها، لزموا مدينتهم، وهموا باللحاق بالروم إن خافوا على أنفسهم، ولم ينتبه المسلمون لهم، ولم ينبهوا عليهم، ثم إن أهل أنطاكية نقضوا وغدروا، فوجه إليهم أبو عبيدة من فتحها ثانية، وولاها بعد فتحها حبيب بن مسلمة الفهري، فغزا الجرجومة، فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعوان المسلمين وعيوناً ومسالح في جبل اللكام، وأن لا يؤخذوا بالجزية، وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا معهم حرباً في مغازيهم.
ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وأهل القرى وغيرهم في هذا الصلح، فسموا الرواديف لأنهم تلوهم وليسوا منهم، ويقال أنهم جاؤوا بهم إلى عساكر المسلمين وهم أرداف لهم، فسموا الرواديف، فكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة، ويعوجون أخرى، فيكاتبون الروم ويمايلونهم.

ولما كانت أيام ابن الزبير، وموت مروان بن الحكم، وطلب عبد الملك الخلافة بعده لتوليته إياه عهده، واستعداده للشخوص إلى العراق لمحاربة المصعب بن الزبير خرجت خيل الروم إلى جبل اللكام، وعليها قائد من قوادهم ثم صارت إلى لبنان وقد ضوت إليها جماعة كثيرة من الجراجمة وأنباط وعبيد أباق من عبيد المسلمين فاضطر عبد الملك إلى أن صالحهم على ألف دينار في كل جمعة، وصالح طاغية الروم على مال يؤديه إليه ليشغله عن محاربته، وتخوفه أن يخرج إلى الشام فيغلب عليها، واقتدى في صلحه بمعاوية حين شغل بحرب أهل العراق، فصالحم على أن يؤدي إليهم مالاً وارتهن منهم رهناً وضعه ببعلبك ووافق ذلك أيضاً طلب عمرو بن سعيد بن العاص الخلافة وإغلاقه أبواب دمشق حين خرج عبد الملك عنها، فازداد شغلاً، وذلك في سنة سبعين.
ثم إن عبد الملك وجه إلى ذلك الرومي سحيم بن المهاجر وتلطف حتى دخل عليه متنكراً، فأظهر الممالأة له، وتقرب إليه بذم عبد الملك وشتمه وتوهين أمره حتى أمنه، واغتر به، ثم أنه انكفأ عليه بقوم من موالي عبد الملك وجنده، كان أعدهم لمواقعته، ورتبهم بمكان عرفه، فقتله ومن كان معه من الروم، ونادى في سائر من ضوى إليه بالأمان، فتفرق الجراجمة بقرى حمص ودمشق، ثم رجع أكثرهم إلى مدينتهم باللكام، وأتى الأنباط قراهم، ورجع العبيد إلى مواليهم.
وكان ميمون الجرجماني عبداً رومياً لبني أم الحكم أخت معاوية ابن أبي سفيان، وهم ثقفيون وإنما نسب إلى الجراجمة لاختلاطه بهم، وخروجه بجبل لبنان معهم، فبلغ عبد الملك عنه بأس وشجاعة، فسأل مواليه أن يعتقوه، ففعلوا، وقوده على جماعة من الجند وصيره بأنطاكية، فغزا مع مسلمه بن عبد الملك الطوانه وهو على ألف من أهل أنطاكية، فاستشهد بعد بلاء حسن وموقف مشهود، فغم عبد الملك مصابه، وأغزى الروم جيشاً عظيماً طلباً بثأره.
قالوا: ولما كانت سنة تسع وثمانين اجتمع الجراجمة إلى مدينتهم، وأتاهم قوم من الروم من قبل الإسكندرونة وروسس، فوجه الوليد بن عبد الملك إليهم مسلمة بن عبد الملك فأناخ عليهم في خلق من الخلق، فافتتحها على أن ينزلوا بحيث أحبوا من الشام، ويجري على كل إمرىء منهم ثمانية دنانير، وعلى عيالاتهم القوت من القمح والزيت، وهو مديان من قمح وقسطار من زيت، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم على ترك النصرانية وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين، ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية، وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة، وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال المسلمين، فأخرب مدينتهم، وأنزلهم جبل الحوار، وشيح اللولون، وعمق تيزين، وصار بعضهم إلى حمص، ونزل بطريق الجرجومة في جماعة معه أنطاكية، ثم هرب إلى بلاد الروم، وقد كان بعض العمال ألزم الجراجمة بأنطاكية جزية رؤوسهم، فرفعوا ذلك إلى الواثق بالله، وهو خليفة، فأمر باسقاطها عنهم.
وحدثني بعض من أثق به من الكتاب أن أمير المؤمنين المتوكل على الله أمر بأخذ الجزية من هؤلاء الجراجمة، وأن تجرى عليهم الأرزاق، إذا كانوا ممن يستعان به في المسالح وغير ذلك.
وروى أبو الخطاب الأزدي أن أهل الجرجومة كانوا يغيرون في أيام عبد الملك بن مروان على قرى أنطاكية والعمق، وإذا غزت الصوائف قطعوا على المتخلف واللاحق ومن قدروا عليه ممن في أواخر العسكر، وغالوا في المسلمين، فأمر عبد الملك ففرض لقوم من أهل أنطاكية وأنباطها جعلوا مسالح، وأردفت بهم عساكر الصوائف ليذبوا الجراجمة عن أواخرها، فسموا الرواديف، وأجرى على كل امرىء ثمانية دنانير، والخبر الأول أثبت.
فهذه أخبار الثغور الشامية، فنشرع الآن في ذكر الثغور الجزرية، وجبل اللكام هو الفاصل بين الثغور الشامية والثغور الجزرية.
وقال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفارسي الإصطخري في كتاب صفة الأقاليم: وقد جمعت إلى الشام الثغور الشامية، وبعض الثغور تعرف بثغور الجزيرة، وكلاهما من الشام وذلك أن كل ما وراء الفرات من الشام، وإنما سمي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة لأن أهل الجزيرة بها يرابطون، وبها يعرفون لأنها من الجزيرة، وبين ثغور الشام وثغور الجزيرة جبل اللكام وهو الفاصل بين الثغرين.
باب في
ذكر مرعش

وهي مدينة من أعمال حلب عامرة ولها مياه وزروع وأشجار، ولها حصن منيع، وخرج منها جماعة من أهل العلم والعبادة منهم حذيفة المرعشي.
وقد ذكرها أبو زيد البلخي في كتابه فقال: والحدث ومرعش هما مدينتان عامرتان، فيهما مياه وزروع وأشجار كثيرة وهما ثغران.
قلت: وبين مرعش والحدث ثمانية فراسخ، وهي في زمننا هذا في أيدي المسلمين، تسلمها نور الدين محمود بن زنكي من جوسلين حين أسره، ثم استولى عليها الأرمن في سنة ست وخمسين وستمائة من أيدي نواب ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباذ.
وذكر أحمد بن يحيى البلاذري في كتاب البلدان مما نقله عن مشايخ الشام، وقالوا: وجه أبو عبيدة بن الجراح وهو بمنبج خالد بن الوليد إلى ناحية مرعش ففتح حصنها، على أن جلا أهله ثم أخربه.
وكان سفيان بن عوف الغامدي لما غزا الروم سنة ثلاثين دخل من قبل مرعش فساح في بلد الروم، وكان معاوية بنى مدينة مرعش، وأسكنها جنداً، فلما كان موت يزيد بن معاوية كثرت غارات الروم عليهم فانتقلوا عنها.
قال: ثم إن العباس بن الوليد بن عبد الملك صار إلى مرعش، فعمرها وحصنها ونقل الناس إليها، وبنى لهم مسجداً جامعاً، وكان يقطع في كل عام على أهل قنسرين بعثاً إليها، فلما كانت أيام مروان بن محمد وشغل بمحاربة أهل حمص، خرجت الروم فحصرت مدينة مرعش حتى صالحهم أهلها على الجلاء، فخرجوا نحو الجزيرة وجند قنسرين بعيالاتهم، ثم أخربوها، وكان عامل مروان عليها يومئذ الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان الطاغية يومئذ قسطنطين بن اليون، ثم لما فرغ مروان من أمر حمص وهدم سورها بعث جيشاً لبناء مرعش، فبنيت ومدنت، فخرجت الروم في فتنته فأخربتها، فبناها صالح ابن علي في خلافة أبي جعفر المنصور، وحصنها وندب الناس إليها على زيادة العطاء، واستخلف المهدي، فزاد في شحنتها وقوى أهلها.
قال البلاذري: وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي قال: خرج ميخائيل من درب الحدث في ثمانين ألفاً فأتى عمق مرعش، فقتل وأحرق، وسبى من المسلمين خلقاً، وصار إلى باب مدينة مرعش وبها عيسى بن علي، وكان قد غزا في تلك السنة، فخرج إليه موالي عيسى وأهل المدينة ومقاتلتها، فرشقوه بالنبل والسهام، فاستطرد لهم حتى إذا نحاهم عن المدينة كر عليهم، فقتل ثمانية نفر من موالي عيسى، واعتصم الباقون بالمدينة فأغلقوها، فحاصرهم بعض نهار، ثم انصرف حتى أتى جيحان، وبلغ الخبر ثمامة بن الوليد العبسي وهو بدابق وكان قد ولي الصائفة سنة إحدى وستين ومائة، فوجه إليه خيلاً كثيفة، فأصيبوا إلا من نجا منهم، فأحفظ ذلك المهدي، واحتفل لإغزاء الحسن بن قحطبة في العام المقبل، وهو سنة اثنتين وستين ومائة.
وقال سعيد بن كثير بن عفير في تاريخه كانت سنة اثنتين وستين ومائة، كان فيها خروج الروم على مرعش فخرجت شيئاً كثيراً.
قلت: وخرب الروم مرعش كما ذكرناه فبناها سيف الدولة أبو الحسن علي ابن عبد الله بن حمدان، وجاء الدمستق ليمنع من بنائها، فقصده سيف الدولة، فولى هارباً، وتمم سيف الدولة عمارة مرعش. وفي ذلك يقول المتنبي:
أتى مرعشاً يستقرب البُعد مُقبلاً ... وأدبر إذا أقبلت يستبعد القُربا
فأضحت كأن السُور من فوق بدؤهُ ... إلى الأرض قد شق الكواكب والتُربا
تصُدُّ الرياح الهُوج عنها مخافةً ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبّا
وتردي الجيادُ الجُرد فوق جبالها ... وقد ندف الصّنبُّر في طرقها العُطبا
كفى عجباً أن يعجب الناس أنه بنى ... مرعشاً تبّاً لآرائهم تبّا
وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا؟
باب في
ذكر الحدث

وتعرف بالحدث الحمراء لحمرة أرضها، وهي مدينة كثيرة الماء والزرع، وحولها أنهار كثيرة وخرب حصنها وبقيت المدينة، وساكنوها في زمننا هذا أرمن أهل ذمة، وهي في أيدي المسلمين، وكان ينزل في مروجها الأكراد بأغنامهم، وتسميتها الأرمن كينوك، وتسميها الأكراد الهت، والعرب تسميها الحدث، وكانت تسمى قديماً المحمدية، والمهدية، لأنها بنيت في أيام المهدي محمد بن المنصور رحمه الله، وتحول إليها أبو محمد عيسى بن يونس السبيعي من الكوفة، فنزلها مرابطاً إلى أن مات، وبقي ولده بها بعده. والجبل المعروف بالأحيدب من قبليها مطل عليها، شاهدتها ونزلت في أرضها عندما توجهت إلى الروم.
وفتحها حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم.
وقرأت في كتاب البلدان تأليف أحمد بن يحيى البلاذري مما رواه عن شيوخ الشام قالوا: كان حصن الحدث مما فتح أيام عمر فتحه حبيب بن مسلمة من قبل عياض بن غنم، وكان معاوية يتعهده بعد ذلك، وكان بنو أمية يسمون درب الحدث درب السلامة للطيرة، لأن المسلمين كانوا أصيبوا به، فكان ذلك الحدث فيما يقول بعض الناس.
قال: وقال قوم: لقى المسلمين على الدرب غلام حدث، فقاتلهم في أصحابه فقيل درب الحدث.
قال: ولما كان زمن فتنة مروان بن محمد خرجت الروم فهدمت مدينة الحدث، وأجلت عنها أهلها، كما فعلت بملطية، ثم لما كانت سنة إحدى وستين ومائة خرج ميخائيل إلى عمق مرعش، ووجه المهدي الحسن بن قحطبة ساح في بلاد الروم، فثقلت وطأته على أهلها حتى صوروه في كنائسهم، وكان دخوله من درب الحدث، فنظر إلى موضع مدينتها فأخبر أن ميخائيل أخرج منه، فارتاد الحسن موضع مدينة هناك فلما انصرف كلم المهدي في بنائها، وبناء طرسوس فأمر بتقديم بناء مدينة الحدث، فأنشأها علي بن سليمان بن علي، وهو على الجزيرة وقنسرين وسميت المحمدية، وتوفي المهدي مع فراغهم من بنائها، فهي المهدية والمحمدية، وكان بناؤها باللبن، وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة، واستخلف موسى الهادي ابنه، فعزل علي بن سليمان، وولى الجزيرة وقنسرين محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وقد كان علي بن سليمان فرغ من بناء مدينة الحدث، وفرض محمد لها فرضاً من أهل الشام والجزيرة وخراسان في أربعين ديناراً من العطاء، وأقطعهم المساكن، وأعطى كل امرىء منهم ثلاثمائة درهم، وكان الفراغ منها في سنة تسع وستين ومائة.
قال: وقال أبو الخطاب: فرض علي بن سليمان بمدينة الحدث لأربعة آلاف فأسكنهم إياها، ونقل إليها من ملطية، وشمشاط، وسميساط، وكيسوم، ودلوك ورعبان ألفي رجل.
قال الواقدي: ولما بنيت مدينة الحدث هجم الشتاء والثلوج، وكثرت الأمطار ولم يكن بناؤها بمتوثق منه ولا محتاط فيه، فتثلمت المدينة، وتشعثت، ونزل بها الروم فتفرق عنها من كان فيها من جندها وغيرهم، وبلغ الخبر موسى، فقطع بعثا مع المسيب بن زهير، وبعثا مع روح بن حاتم، وبعثا مع حمزة بن مالك، فمات قبل أن ينفذوا، ثم ولي الرشيد رحمة الله عليه الخلافة فأمر ببنائها وتحصينها وشحنتها، واقطاع مقاتلتها المساكن والقطائع.
قال: وقال غير الواقدي: أناخ بطريق من عظماء بطارقة الروم في جمع كثيف على مدينة الحدث حتى بنيت، وكان بناؤها بلبن قد حمل بعضها على بعض، وأضر به الثلوج، فهرب عاملها ومن فيها، ودخلها العدو فحرق مسجدها وأخربها، واحتمل أمتعة أهلها، فبناها الرشيد حين استخلف.
قال: وحدثني بعض أهل منبج قال: حدثني شيخ لنا أن الرشيد رحمة الله عليه كتب إلى محمد بن إبراهيم باقراره على عمله، فجرى أمر المدينة الحدث من قبل الرشيد على يده ثم عزله.
وقيل: إن المهدي بنى الحدث لمنام رآه، أنبأنا عبد اللطيف بن يوسف بن علي عن أبي الفتح بن البطي عن أبي عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابيء قال: وذكر الرئيس أبو الحسن رضي الله عنه يعني والده هلال بن المحسن في كتاب المنامات الذي صنفه قال: ذكر أبو بكر بن دقة مولى بني هاشم قال: لما عزم المهدي على الخروج إلى قنسرين والعواصم رأى في منامه كأن آتياً أتاه وقال له: إنك تمضي إلى مدينة يقال لها منبج، وهناك شيخ كبير له ثمانون سنة يؤذن في بعض المساجد، فادع به واضرب رقبته، وإذا خرجت من هذه المدينة فسترى آثار خطوط فابن عليها مدينة وسمها الحدث.

قال: فلما وصل المهدي إلى منبج وحضره أهلها سألهم وقال: هل عندكم شيخ كبير مؤذن؟ قالوا: نعم عندنا شيخ له مائة سنة وأربع سنين يؤذن منها ثمانين سنة في بعض المساجد، فأمر باحضاره، فلما حضر تقدم بضرب رقبته، فارتاع الشيخ، وناشده الله تعالى في أمره وأذكره بالله في دفعه عن دمه، وعرفه كبر سنه وكثرة عياله، فقال له دع هذا عنك، ولا بد مما أمرت به فيك، ولكن إن صدقتني عن أمرك حفظتك في مخلفيك، وإلا أسأت إليهم بعدك، فقال: أما على ذاك فإني منذ ثمانين سنة أقول في أذاني: أجحد أن محمد رسول الله، فأمر به وقتل.
قال ابن دقة: وهذا الشيخ جد البحتري الشاعر.
قلت وجاء ملك الروم الدمستق في أيام سيف الدولة ابن حمدان ونزل على حصن الحدث ليحصره، وكان سيف الدولة قد بناه وأحكم بناءه، فخرج سيف الدولة، فتركه ومضى، وجرت له وقعة مع الروم أيضاً، وقد خرج سيف الدولة لبناء الحدث فواقعهم وقتل منهم وأسر، وكان أهل الحدث سلموه بالأمان إلى الروم قبل ذلك فخربوه.
أخبرنا عبد العزيز بن محمود بن الأخضر البغدادي كتابة قال: أخبرنا الرئيس أبو الحسن علي بن علي بن نصر بن سعيد قال: أخبرنا أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى قال: أخبرنا علي بن أيوب بن الحسين قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه يمدح سيف الدولة، ويذكر بناءه ثغر الحدث، بعد أن كان أهلها أسلموها عن الأمان إلى الروم، ومنازلة ابن الفقاس إياه وهزمه لابن الفقاس، وكان أسر قودس الأعور بطريق سمندو وابن ابنة الدمستق، وأنشده إياها بعد الوقعة في الحدث.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظُم في عين الصغير صغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
يُكلّف سيف الدولة الجيش همُّه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
قال فيها:
هل الحدث الحممراء تعرف لونها ... وتعلم أيُّ الساقين الغمائم
سقتها الغمامُ الغُر قبل نزُوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجُم
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ... وموجُ المنايا حولها مُتلاطمُ
وكان بها مثل الجُنُون فأصبحت ... ومن جُثث القتلى عليها تمائم
طريدةُ دهرٍ ساقها فرددتها ... على الدّين بالخطّي والدهرُ راغم
وكيف يُرجى الرّوم والروس هدمها ... وذا الطعن أساسٌ لها ودعائم
وقد حاكموها والمنايا حواكمٌ ... فما مات مظلومٌ ولا عاش ظالم
نثرتهمُ فوق الأحُيدب كُلّه ... كما نُثرت فوق العروس الدراهم
وفي ذلك يقول أبو فراس:
وحسبي بها يوم الأحيدب وقعة ... على مثلها في الحرب تُثنى الخناصرُ
عدلنا بها في قسمة الموت بينهم ... وللسيف حكمٌ في الكتيبة جائر
إذ الشيخُ لا يلوي ونقفور مجحرٌ ... وفي القيدّ ألف كالليُوث قساور
ولم يبق إلاّ صهره وابن بنته ... وثُوّر بالباقين من هو ثائرُ

وأنبأنا عبد العزيز بن الأخضر قال: أخبرنا أبو الحسن قال: أخبرنا أبو البركات قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه يمدح سيف الدولة، وقد ورد عليه خبر آخ ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة أن الدمستق وجيوش النصرانية قد نازلت ثغر الحدث ونصبت مكائد الحصون عليه، وقدرت أنها فرصة لما تداخلها من القلق والانزعاج والوصم في تمام بنائه على يد سيف الدولة، ولأن ملكهم ألزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغر والروس والصقلب وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافراً، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، ونظر فيما وجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء لسبع خلون، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق وتقديرهم أن يخفى عليه خبرهم، فلما أسحر لبس سلاحه وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفاً، فلما قرب من الحدث عادت إليه الطلائع بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول المسلمين على عقبة يقال لها العبراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفاً من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يخله الله من نصر عليهم إلا في نقوب نقبوها في فصيل كان قديماً للمدينة، وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في اشرافه على حصن رعبان، فوقعت الصيحة وظهر الاضطراب وولى كل فريق على وجهه، وخرج أهل الحدث، فأوقعوا ببعضهم وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك.
ذي المعالي فليعلُون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا، لا
شرفُ ينطح النجوم بروقيه ... وعزٌّ يقلقل الأجبالا
حالُ أعدائنا عظيمُ وسيفُ ال ... دولة ابن السيوف أعظم حالا
لا ألوم ابن لاون ملك الرو ... م وإن كان ما تمنى محالا
أقلقته بنيّةٌ بين أُذنيه ... وبانٍ بغى السماء فنالا
كلما رام حطّها اتسع البني ... فغطى جبينهُ والقذالا
يجمع الروم والصقالب والبُل ... غر فيها ويجمع الآجالا
ويوافيهمُ بها في القنا السُمر ... كما وافت العطاش الصلالا
قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتى كي يقصروه فطالا
قال فيها:
إنّ دون التي على الدرب والأح ... دب والنهر مخلطاً مزيالاً
غضب الدّهر والملوك عليها ... فبناها في وجنة الدهر خالا
وحماها بكل مُطرد الأكب ... عب جور الزمان والآجالا
فهي تمشي مشي العروس اختيالاً ... وتثنّى على الزمان دلالا
باب في
ذكر زبطرة
وهي مدينة هي الآن في أيدي المسلمين، وهي مذكورة، وفيها معدن حديد، يجلب منها الحديد إلى البلاد، وهي الآن قرية، وبينها وبين الحدث ثمانية عشر فرسخاً.
وذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه وقال: وأما زبطرة فإنها حصن كان من أقرب هذه الثغور إلى بلد الروم، خربها الروم.
قلت: وقد كانت الروم في صدر الإسلام تنتابه وتطرقه لقربه من بلادها فتخربه ويعمره المسلمون مرة بعد أخرى، فإن أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري ذكر فيما نقله في كتاب البلدان عمن حدثه من أهل الشام فقال: قالوا وكانت زبطرة حصناً قديماً رومياً، ففتح مع حصن الحدث القديم، فتحه حبيب بن مسلمه الفهري وكان قائماً إلى أن أخربته الروم في أيام الوليد بن يزيد، فبنى بناءً غير محكم، فأناخت الروم عليه في أيام فتنة مروان فهدمته، فبناه المنصور، ثم خرجت إليه فشعثته فبناه الرشيد أمير المؤمنين على يد محمد بن إبراهيم، وشحنه.
فلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، وأغاروا على سرح أهله فاستاقوا لهم مواشي، فأمر المأمون رحمه الله بمرمته وتحصينه، وقدم وفد الطاغية في سنة عشر ومائتين يسأل الصلح، فلم يجبه إلى ذلك، وكتب إلى عمال الثغور، فساحوا في بلاد الروم فأكثروا فيها القتل، ودوخوها وظفروا ظفراً حسناً، إلا أن يقظان بن عبد الأعلى بن أحمد بن يزيد بن أسيد السلمي أصيب.

ثم خرجت الروم إلى زبطرة في خلافة المعتصم أبي إسحق بن الرشيد فقتلوا الرجال وسبوا النساء وأخربوها، فأحفظه ذلك وأغضبه، فغزاهم حتى بلغ عمورية، وقد أخرب فيها حصوناً، فأناخ عليها حتى فتحها، فقتل المقاتله وسبى النساء والذرية ثم أخربها وأمر ببناء زبطرة، وحصنها وشحنها، فرامها الروم بعد ذلك، فلم يقدروا عليها
باب في
ذكر حصن منصور
وهو في أيدي المسلمين، تولى بناءه بعد أن كان الروم خربوه منصور بن جعونه بن الحارث العامري من بني عامر بن صعصعة، وكان هو وأبوه يغزون الروم، وقتله المنصور في خلافته، وسنذكر حاله في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وذكره أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتابه فقال: وحصن منصور حصن صغير فيه منبر وزروعه عذي.
وقال أحمد بن يحيى البلاذري: وحدثني أبو عمرو الباهلي وغيره قالوا: نسب حصن منصور إلى منصور بن جعونه بن الحارث العامري، من قيس، وذلك أنه تولى بناءه ومرمته وكان مقيماً به أيام مروان ليرد العدو، ومعه جند كثير من أهل الشام والجزيرة.
قال: وكان الرشيد بنى حصن منصور وشحنه في خلافه المهدي.
باب في
ذكر ملطية
وكان اسمها بالرومية ملطيا، وقيل كان اسمها ملدني فعرب وجعل ملطية.
ويقال: إن الإسكندر بناها، والعامة يقولون: ملطية بكسر الطاء وتشديد الياء.
كذلك ضبطها أبو نصر الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان قال: أخبرنا أبو البركات بن العرقي في كتابه؛ وأخبرنا أبو محمد عبد الدائم بن عمر قال: أخبرنا ابن العرقي قال: أخبرنا أبو القاسم بن القطاع قال: أخبرنا أبو بكر بن البرء قال أخبرنا إسماعيل بن محمد قال: أخبرنا أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قال: وملطية بلد.
ولما قرأت المقامات الحريرية على شيخنا أبي اليمن الكندي فقرأت عليه: أزمعت عن ملطية مطية البين، وكانت مضبوطه في نسختي كذلك بخط أبي المعمر الأنصاري وعليها خط الحريري، فقال لي شيخنا أبو اليمن: ملطية لا غير لا يجوز غيرها.
ثم قرأت عليه بعد ذلك: أخبركم أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، فأقر به، قال: فيما تلحن فيه العامة مما يخفف، والعامة تشدده، وهي ملطية.
وأخبرنا شيخنا أبو اليمن إذناً قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب قال: حدثني محمد بن علي الصوري قال: قال لي عبد الغني بن سعيد الحافظ: ليس في الملطيين ثقه.
وكتب إلينا أبو المظفر عبد الرحيم السمعاني من مرو يذكر عن أبيه أبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني أنه قال، في ذكر ملطية: بنى هذه المدينة الإسكندر.
قال: وسمعت أن أكثر من خرج منها من المحدثين كانوا ضعفاء.
قلت وقد خرج منها جماعة من المحدثين، وهي الآن في أيدي المسلمين وهي مدينة عامرة كبيرة حصينة.
وقد ذكرها أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صفة الأرض والأقاليم والمدن وما تشتمل عليه قال: وملطية مدينة كبيرة من أكبر الثغور التي دون جبل لكام، ويحتف بها جبال كثيرة الجوز، وسائر الثمار، مباح لا مالك له، وهي من قرى بلد الروم على مرحلة.
نقلت من كتاب البلدان تأليف أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب قال: وللثغور الجزرية من المدن مرعش والحدث وزبطرة وسميساط وحصن منصور وحصن زياد وملطية، وهي المدينة العظمى، وكانت مدينة قديمة فأخربتها الروم، فبناها أبو جعفر المنصور سنة تسع وثلاثين ومائه، وجعل عليها سوراً واحداً بلا فصيل، ونقل إليها عدة قبائل من العرب، فهي سبعة أسباع، سبع لسسليم وسائر قيس، وسبع الهواسيه، وسبع الراعية والجعاونة، وسبع تيم، وسبع ربيعة، وسبع اليمن، وسبع هوازن.
وملطية في مستوى من الأرض تحيط بها جبال الروم، وماؤها من عيون وأودية ومن الفرات.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن أبي القاسم قال: أخبرنا أبي أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو غالب الماوردي قال: أخبرنا محمد بن علي قال: أخبرنا أبو عبد الله النهاوندي قال: أخبرنا أحمد بن عمران قال: حدثنا موسى قال: حدثنا خليفة قال: وفيها - يعني سنة أربعين ومائه - وجه أبو جعفر عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي لبناء ملطية، فأقام عليها سنة حتى بناها وأسكنها الناس.

قرأت في كتاب البلدان تأليف أبي جعفر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، وحكاه عمن حدثه من أهل الشام قالوا: وجه عياض بن غنم حبيب بن مسلمه الفهري من سميساط إلى ملطية ففتحها، ثم أغلقت، فلما ولي معاوية الشام والجزيرة وجه إليها حبيب بن مسلمه ففتحها عنوةً ورتب فيها رابطة من المسلمين مع عاملها، وقدمها معاوية وهو يريد دخول الروم، فشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرها، وكانت طريق الصوائف، ثم إن أهلها انتقلوا عنها في أيام عبد الله بن الزبير، وخرجت الروم فشعثتها ثم تركتها، فنزلها قوم من النصارى من الأرمن والنبط.
فحدثني محمد بن سعد عن الواقدي في إسناده قالوا: كان المسلمون نزلوا طرنده بعد أن غزاها عبد الله بن عبد الملك سنة ثلاث وثمانين، وبنوا بها مساكن وهي من ملطية على ثلاث مراحل واغلة في بلاد الروم، وملطية يومئذ خراب ليس بها إلا ناس من أهل الذمة من الأرمن وغيرهم، فكانت تأتيهم طالعة من جند الجزيرة في الصيف فيقيمون بها إلى أن ينزل الشتاء وتسقط الثلوج، فإذا كان ذلك قفلوا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رحل أهل طرندة عنها وهم كارهون، وذلك لاشفاقه عليهم من العدو، فاحتملوا فلم يدعوا لهم شيئاً حتى كسروا خوابي الخل والزيت، ثم أنزلهم ملطية وأخرب طرندة، وولي على ملطية جعونه ابن الحارث أحد بني عامر بن صعصعه.
قالوا: وخرج عشرون ألفاً من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائة، فنزلوا على ملطية، فأغلق أهلها أبوابها، وظهر النساء على السور عليهن العمائم يقاتلن، وخرج رسول لأهل ملطية مستغيثاً، فركب البريد وسار حتى لحق بهشام بن عبد الملك وهو بالرصافة، فندب هشام الناس إلى ملطية، ثم أتاه الخبر بأن الروم قد رحلت عنها، فدعا الرسول فأخبره، وبعث معه بخيل لترابط عليها، وغزا هشام نفسه، ثم نزل ملطية وعسكر عليها حتى بنيت، وكان ممره بالرقه دخلها متقلداً سيفاً، ولم يتقلده قبل ذلك في أيامه.
قال الواقدي ولما كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائه أقبل قسطنطين الطاغية عامداً لملطية، وكمخ يومئذ في أيدي المسلمين وعليها رجل من بني سليم، فبعث أهل كمخ الصريخ إلى أهل ملطية، فخرج إلى الروم منهم ثمانمائة فارس، فواقعتهم خيل الروم فهزمتهم، ومال الرومي فأناخ على ملطية فحصر من فيها، والجزيرة يومئذ مفتونه، وعاملها من قبل بني العباس موسى بن كعب بحران، فوجهوا رسولاً لهم، فلم يمكنه إعانتهم وبلغ ذلك قسطنطين الطاغية، فقال لهم: يا أهل ملطية إني لم آتكم إلا على علم من أمركم وشاغل من سلطانكم، إنزلوا على الأمان، وأخلوا المدينة أهدمها وأمضي عنكم، فأبوا عليه، فوضع عليها المجانيق فلما جهدهم البلاء واشتد عليهم الحصار، سألوه أن يوثق لهم، ففعل، ثم استعدوا للرحلة وحملوا ما استدف لهم، وألقوا كثيراً مما ثقل عليهم في الآبار والمخابيء، ثم خرجوا، وقام لهم الروم صفين من باب المدينة إلى منقطع آخرهم مخترطي السيوف، طرف سيف كل إمرئ منهم مع طرف سيف الذي يقابله حتى كأنها عقد قنطرة، ثم شيعوهم حتى بلغوا مأمنهم، وتوجهوا نحو الجزيرة، فتفرقوا فيها، وهدم الروم ملطية، فلم يبقوا منها إلا هريها، فإنهم شعثوا منه شيئاً يسيراً وهدموا حصن قلوذية.

فلما كانت سنة تسع وثلاثين ومائه كتب المنصور إلى صالح بن علي يأمره ببناء ملطية وتحصينها، ثم رأى أن يوجه عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام والياً على الجزيرة وثغورها، فتوجه في سنة أربعين ومائه ومعه الحسن بن قحطبه في جنود أهل خراسان، وقطع البعوث على أهل الشام والجزيرة، فتوافى معه سبعون ألفاً، فعسكر على ملطية، وقد جمع الفعلة من كل بلدة، فأخذ في بنائها، فكان الحسن بن قحطبة ربما حمل الحجر حتى يناوله البناء، وجعل يغذي الناس ويعشيهم من ماله مبرزاً مطابخه، فغاظ ذلك عبد الوهاب، فبعث إلى أبي جعفر يعلمه أنه يطعم الناس، وأن الحسن يطعم أضعاف ذلك إلتماساً لأن يطوله ويفسد ما يصنع ويهجنه بالإسراف والرياء، وأن له منادين ينادون الناس إلى طعامه، فكتب إليه أبو جعفر رحمة الله عليه: يا صبي يطعم الحسن من ماله، وتطعم من مالي فيفضلك، ما أتيت إلا من صغر خطرك وقصر همتك وسفه رأيك، وكتب إلى الحسن أن أطعم ولا تتخذ منادياً، وكان الحسن يقول: من سبق إلى شرفة فله كذا، فجد الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطية ومسجدها في ستة أشهر وبنى للجند الذين أسكنوها لكل عرافة بيتان سفليان وعليان فوقهما واصطبل، والعرافة عشره نفر إلى الخمسة عشر، وبنى لها مسلحة على ثلاثين ميلاً منها، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، وأسكن المنصور ملطية أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، لأنها من ثغورهم، على زياده عشرة دنانير في عطاء كل رجل، ومعونة مائة دينار سوى الجعل الذي تتجاعله القبائل، ووضع فيها شحنتها من السلاح، وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذيه، وأقبل قسطنطين الطاغية في أكثر من مائة ألف، فنزل جيحان، فبلغه كثرة العرب، فأحجم عنها.
قال: وفي سنة إحدى وأربعين ومائة غزا محمد بن إبراهيم ملطية في جند من أهل خراسان وعلى شرطته المسيب بن زهير، فرابط بها لئلا يطمع فيها العدو فيراجع إليها من كان باقياً من أهلها، وكانت الروم عرضت لملطية في خلافة الرشيد فلم تقدر عليها، وغزاهم الرشيد فأشجاهم وقمعهم، وقد سمعت من يذكر أنه كان مع عبد الوهاب بن إبراهيم نصر بن مالك، وكان نصر بن سعد الكاتب مولى الأنصار معه أيضاً، وقال:
تكنفك النصران نصر بن مالك ... ونصر بن سعد عزّ نصرك من نصر
باب في
ذكر سميساط
وهي مدينة صغيرة على الفرات، ولها قلعة حصينة، وهي مذكورة وخرج منها جماعة من العلماء.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي في ذكر صفة الأرض والمدن وما تشتمل عليه: وأما سميساط فهي على الفرات، وكذلك جسر منبج، وهما مدينتان صغيرتان خصبتان لهما زروع سقي ومباخس، وماؤهما من الفرات.
وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان قال: وكورة سميساط وهي مدينة على الفرات بها أخلاط من الناس.
وقد ذكرها ابن واضح في كور ديار مضر، وليست منها، بل إنما ذكرها فيها لأنها من جملة الثغور الجزرية، وقد ذكرنا أنها من ثغور الشام، وإنما تعرف بثغور الجزيرة لأن أهلها يغزون منها وبها يرابطون، وخراجها إلى عامل ديار مضر، وأما حربها وصلاتها فإنه ما زال إلى عامل جند قنسرين والعواصم.
وذكر البلاذري في كتاب البلدان قال: وحدثني أبو أيوب الرقي المؤدب قال: حدثني الحجاج بن أبي منيع الرصافي عن أبيه عن جده قال: فتح عياض الرقة، ثم الرها، ثم حران، ثم سميساط على صلح واحد.
وقال فيما حكى عن شيوخ الشام وغيرهم: قالوا: ثم أتى عياض ففتح حران، ووجه صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة الفهري إلى سميساط فصالح عياض أهل حران على مثل صلح الرها، وفتحوا له أبوابها وولاها رجلاً، ثم سار إلى سميساط فوجد صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة مقيمين وقد غلبا على قرى وحصون من قراها وحصونها، فصالحه أهلها على مثل صلح الرها.
قال: ثم إن أهل سميساط كفروا، فلما بلغه ذلك رجع إليهم فحاصرهم حتى فتحها.
قلت: وصلح الرها على أن يؤدوا عن كل رجل ديناراً ومدي قمح، وعليهم إرشاد الضال وإصلاح الطرق والجسور، ونصيحة المسلمين.
وقرأت في تاريخ سعيد بن بطريق النصراني قال: وكان في عصر إبراهيم عليه السلام ملك في الشرق واسمه كموس وهو الذي بنى مدينة سوميساط وقلوذيا والعراق.

وقلوذية حصن قريب من ملطية قد ذكر البلاذري أن المنصور بناه، وبين ملطية وسميساط ستة عشر فرسخاً. وهي في أيدي المسلمين في زمننا هذا.
باب في
ذكر رعبان
وهي مدينة صغيرة قديمة البناء ولها قلعة حسنة، وهي الآن في أيدي المسلمين، وكان لسيف الدولة ابن حمدان بها وقعة مع الروم، وبينها وبين الحدث سبعة فراسخ وبها آثار أبنية قديمة، وينسب إليها جماعة منهم بنو الرعباني بحلب من أكابر الحلبيين منهم الوزير سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الباقي بن الرعباني كاتب معز الدولة ثمال بن صالح، وتولى الوزارة للمستنصر المستولي على مصر، وسنذكر ترجمته وترجمة غيره ممن ينسب إليها في كتابنا هذا إن شاء الله.
وذكر ابن واضح في كتابه، في ذكر كور قنسرين والعواصم فقال: وكورتا دلوك ورعبان وهما متصلتان.
وذكر قدامة في كتاب الخراج أن الرشيد لما استخلف أفرد قنسرين بكورها فصير ذلك جنداً، وأفرد منبج، ودلوك، ورعبان، وقورس، وأنطاكية، وتيزين وسماها العواصم، لأن المسلمين يعتصمون بها في ثغورهم فتعصمهم.
وكانت الزلازل قد أخربت رعبان، وجلا أهلها واندرس أثرها، وملكها العدو في أيام سيف الدولة، فأنهض إليها العساكر والصناع، وأنفق عليها الأموال الجسيمة حتى بناها في مدة شهر وعساكر الروم جامعة والحرب واقعة، وكان خليفته على الجيش أبا فراس، وبعد أن بناها قصدها الدمستق ونزل عليها، فسار إليه سيف الدولة فأوقع به وهزمه وقتل وأسر خلقاً من عسكره، وخلف أسلحتهم في المدينة قوة لأهلها، وبصدد ذلك يقول أبو فراس:
وسوف على رغم العدو يعيدها ... معوّد ردّ الثغر، والثغر داثر
باب في
ذكر دلوك
وهي مدينة قديمة لها ذكر، وخرج منها بعض العلماء ممن نذكره في كتابنا هذا، وكانت مدينة عامرة ولها قلعة من بناء الروم عالية مبنية بالحجارة من بناء الروم، وكان الرشيد قد أفردها مع غيرها، وجعلها من العواصم، لأنها كانت تعصم ما يليها من الثغور الجزرية من جهة الشمال، وكان لها قناة قد ركبت على قناطر يصعد الماء عليها إلى القلعة، وحولها أبنية عظيمة حسنة منقوشة في الحجر، وحولها مياه كثيرة وبساتين، وهي كثيرة الفواكه والكروم، وقيل إن مقام داود عليه السلام كان بها، وأنه جهز الجيش منها إلى قورس، فقتل فيه أوريا بن حنان، وقد خربت المدينة والقلعة، وبقيت الآن قرية مضافة إلى عين تاب، وبها فلاحون وأكره.
وذكر البلاذري في كتاب البلدان قال: وبعث - يعني أبا عبيدة - عياض بن غنم إلى ناحية دلوك ورعبان فصالحه أهلها على مثل صلح منبج، واشترط عليهم أن يبحثوا عن أخبار الروم، ويكاتبوا بها المسلمين.
وصلح منبج كان على الجزية أو الجلاء.
وخربها نور الدين محمود بن زنكي بعد ما تسلمها من الجوسلين بعد أن أسره على ما نذكره بعد إن شاء الله.
باب في
ذكر قورس
وهي مدينة كانت قديمة من بناء الروم، وبها آثار عظيمة، ويقال أن بها قبر أوريا بن حنان، وخرج منها جماعة من الرواة، ولها ذكر في الفتوح.
وذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح في كور جند قنسرين والعواصم فقال: وكورة قورس مدينة قديمة وأهلها قوم من قيس وكان الغالبون عليها آل العباس بن زفر الهلالي.
وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري فيما حكاه في كتاب البلدان عن مشايخ الشام قالوا: وسار أبو عبيدة يريد قورس، وقدم أمامه عياضاً، فتلقاه راهب من رهبانها يسأل الصلح عن أهلها، فبعث به إلى أبي عبيدة وهو بين جبرين وتل عزاز فصالحه، ثم أتى قورس فعقد لأهلها عهداً وأعطاهم مثل الذي أعطى أهل أنطاكية، وكتب للراهب كتاباً في قرية له تدعى سرقينا، وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس إلى آخر حد نقابلس.
قالوا: وكانت قورس كالمسلحة لأنطاكية، يأتيها في كل عام طالعة من جند أنطاكية ومقاتلتها، ثم حول إليها ربع من ربع أنطاكية، وقطعت الطوالع عنها.
وقال البلاذري: ويقال إن سلمان بن ربيعة الباهلي كان في جيش أبي عبيدة مع أبي أمامة الصدي بن العجلان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل حصناً بقورس، فنسب إليه فهو يعرف بحصن سلمان.
قال: وقيل إن سلمان بن ربيعة كان غزا الروم - بعد فتح العراق، وقبل شخوصه إلى أرمينية - بعسكر عند هذا الحصن، فنسب إليه.

قال: وسمعت من يذكر أن سلمان هذا رجل من الصقالبة الذين رتبهم مروان ابن محمد بالثغور، وكان فيهم زياد الصقلبي، فنسب إليه هذا الحصن، والله أعلم
باب في
ذكر كيسوم
وكانت مدينة كبيرة قديمة، وولاية واسعة عظيمة، وكان حصنها حصيناً وبناؤه قوياً ركيناً، وكان بها في أيام المأمون نصر بن شبث العقيلي، وكان من قواد بني العباس، فعصى فيها على المأمون، فسير إليه طاهر بن الحسين، فلقيه نصر وكسره، فعاد طاهر مفلولاً إلى الرقة، وبقي نصر على عصيانه، فسير المشأمون إليه عبد الله ابن طاهر بن الحسين، فحصره بها إلى أن فتحها، وخرب الحصن، وبقيت المدينة، وهي الآن قرية كبيرة عامرة بها الفلاحون، وهي في أيدي المسلمين.
وقد ذكرها أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتابه فقال: وهي مدينة جليلة حصينة كان بها نصر بن شبث متحصناً لما خالف، وقد صار إليها المأمون.
قلت: وقد رأيتها في طريقي إلى الروم، وبينها بين الحدث سبعة فراسخ.
باب في
ذكر عزاز
وهي الآن مدينة عامرة، ومحاسنها في هذا العصر سائره، قد كثر بناؤها، واتسعت أرجاؤها، وعمرت قلعتها، وكثرت منفعتها، وكانت قلعتها مبنية باللبن والمدر، فعمرها الملك الظاهر رحمه الله بالحجر، فصارت من أحصن القلاع، ومدينتها من أحسن البقاع، وكانت تعرف في صدر الإسلام بتل عزاز، ولا ذكر لها إلا بالعبور بها والاجتياز، ولإسحق بن إبراهيم الموصلي قصة فيها مع بنت قس يقال لها حنه ذكرها أبو الفرج الأصبهاني، وقال فيها إسحق الموصلي أبياتاً وهي:
إن قلبي بالتّل تلّ عزاز ... عند ظبي من الظباء الجوازي
شادنّ يسكن الشآم وفيه ... مع شكل العراق ظرف الحجاز
يا لقومي لبنت قسٍّ أصابت ... منك صفو الهوى وليست تجازي
حلفت بالمسيح أن تنجز الوع ... د وليست تهمّ بالإنجاز
وكان الفرنج خذلهم الله قد استولوا على عزاز في شهر رمضان من سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ولقي أهل حلب منهم شدة عظيمة، إلى أن فتحها نور الدين محمود ابن زنكي بن آق سنقر رحمه الله في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وتسلمها من يد جوسلين.
وحكى لي والدي رحمه الله أن نور الدين كان على حصارها، فسمعنا بحلب أنها قد فتحت، وكان ذلك في ساعة من نهار، ولم تتحقق الخبر فوقع كتاب نور الدين على جناح طائر بأنها فتحت في تلك الساعة التي أخبر بفتحها فيها.
وكان محمود بن نصر بن صالح أمير حلب قد ولي فيها أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجي الحلبي، فعصى بها، فاحتال محمود حتى سمه فمات بها، وسنذكر القصة في ترجمة أبي محمد الخفاجي.
وقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني، وقد اجتاز بعزاز، فرأى فيها نساء الفرنج؛ وأجازها لنا شيخنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي عنه، وقرأتها بخطه في ديوان شعره:
أين عزّي من روحتي بعزاز ... وجوازي على الظّباء الجوازي
واليعافير ساحبات الغفافي ... ر علينا كالرّبرب المجتاز
بعيونٍ كالمرهفات المواضي ... وقدودٍ مثل القنا الهزهاز
ونحور تقلّدت بثغور ... ريقها ذوب سكر الأهواز
ووجوه لها نبوّة حسن ... غير أن الإعجاز في الأعجاز
كل خمصانة ثنت طرف الزنّ ... ار من سرةٍ على هرّاز
ذات خصر يكاد يخفى على الفا ... رس منه مواقع المهماز
لاحظتني فانفضّ منها على قل ... بي طرفٌ له قوادم باز
وسبتني لها ذوائب شعرٍ ... عقدتها تاجاً على ابراز
من معيني على بنات بني الأ ... صفر غزواً فإنني اليوم غاز
باب في
ذكر بزاعا والباب
وهما قريتان عظيمتان، بل مدينتان صغيرتان، وفي كل واحدة منهما منبر وخطيب وبساتين تلذ للنازل بها وتطيب، ولكل منهما وال يقطع الخصام، وقاض يفصل الأحكام، وبينهما وادي بطنان ومرجه، وإلى محاسن هذا الوادي عمرة كل متنزه وحجه، وهو من أصح البقاع ماء، وأرقها هواء، وفيه نزل أبو نصر المنازي وقال، وقد تفيأ في ظلاله من الحر وقال:
وقانا لفحة الرّمضاء وادٍ ... غذاه مضاعف النبت العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاً ... ألذّ من المدامة للنديم
يصدّ الشمس أنّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
وقد خرج من الموضعين جماعة من الأدباء وعصابة من الشعراء، وأعيان الموضعين عباسيون، من بني العباس بن الوليد الكلابي، وكان والي جند قنسرين، ونسله وعقبه ومواليهم بوادي بطنان.
فأما بزاغا فكان لها حصن مانع وعليه خندق وآثاره باقية إلى يومنا هذا، وكان الروم قد استولوا على هذا الحصن في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فتحه ملك الروم بالسيف، ثم اندفع وعاد في سنة اثنتين وثلاثين وفتحه بالأمان، ثم غدر بهم ونادى مناديه من تنصر فهو آمن، ومن أبى فهو مقتول أو مأسور، فتنصر منهم أكثر من خمسمائة إنسان، منهم القاضي والشهود، وانقطعت الطرقات على طريق بزاغا وصارت على طريق بالس، وضاق بالمسلمين الخناق، فاستنقذه أتابك الشهيد زنكي من أيديهم في محرم سنة ثلاث وثلاثين وخرب الحصن والبلد عامر.
وأما الباب فهي أكثر عمارة من بزاغا، وكان فيها مغائر تعصمهم من الغارات، وكان بها طائفة كثيرة من الإسماعيلية، فاجتمع النبويه في، وزحفوا إلى الباب فاعتصموا في المغائر فاستخرجوهم منها بالدخان، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وليس بها في زمننا هذا منهم إلا القليل، وقد كثرت عمائر الباب، واتسعت وصارت مصراً من الأمصار، وعمر فيها الأتابك طغرل الظاهري خاناً للسبيل، ومدرسة لأصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه، وكنت في أيام الصبى أتردد إليها، فازدادت عمارتها على الضعف مما كانت، ولأبي عبد الله محمد بن نصر القيسراني فيها أبيات شاهدتها بخطه، وأخبرنا بها أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إجازة عنه قال: ومررنا بسقي الباب وهي ضيعة حسنة الظاهر كثيرة المياه والشجر فقلت ارتجالاً:
أما لك رقي سرّح الطرف غادياً ... على أهل بطنان سقتها سحابها
حدائق للأحداق فيها لبانةٌ ... يعيد لنا شرخ الشباب شبابها
وإن كنت تبغي بالك الخير مدخلاً ... إلى جنة الفردوس فالباب بابها
والوادي ينسب إلى بطنان حبيب، وهي قرية تعرف ببطنان حبيب ولها تل عليه دير يقال له دير حبيب.
قال البلاذري في كتاب البلدان: وبطنان حبيب نسب إلى حبيب بن مسلمة الفهري، وذلك أن أبا عبيدة، أو عياض بن غنم وجهه من حلب، ففتح حصناً بها، فنسب إليه. وإلى جانب بطنان مرج كان ينزله عبد الملك بن مروان إذا توجه لقتال مصعب بن الزبير. وبوادي بطنان مواضع نزهة كثيرة المياه والأشجار، منها تاذف، وبو طلطل والفين. وقال إمرؤ القيس في قصيدته الرائية يذكر تاذف وباطلطل:
ألا ربّ يومٍ صالح قد شهدته ... بتاذف ذات التّلّ من فوق طرطرا
ولا مثل يوم في قذاران ظلته ... كأني وأصحابي على ظهر أعفرا
وقذاران قرية شمالي الباب.
قرأت بخط توزون إبراهيم بن محمد الطبري في كتاب الياقوت املاء أبي عمر الزاهد قال توزون: أملاه علينا من حفظه في شهور سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وذكر أنه قرأه أيضاً عليه، قال: فيما رواه عن أبي عمرو بن الطوسي ونقله عن ابن الأعرابي، وقال - يعني أبا عبد الله بن الأعرابي في بيت إمرئ القيس.
................. ... بتاذف دون التل من جنب طرطرا
فقال له بعض من حضر: أفيروى تاذف؟ فقال: هو حرف أعجمي يصنعون به ما شاءوا.
قال: وقال أبو عمرو الطوسي: وأما طرطر فأخبرني الوليد بن عبيد البحتري الشاعر قال: هي قرية عندنا بناحية منبج يقال لها باطرطل، باللام.
قلت: واليوم يقال لها بو طلطل بلامين.

وفي هذا الوادي يجري نهر الذهب، ويخرج على قرى يسقيها، وتمده عيون بالوادي إلى أن ينتهي إلى الجبول، وتجتمع إليه عيون أخر من قرى نقره بني أسد، فيجتمع الماء في الشتاء في أرض سبخة، إلى جانب الجبول، لاستغناء الناس عن السقي بالمياه في الشتاء، فلا يزال الماء في السبخة إلى فصل الصيف، فيهب الهواء الغربي، فيحمل ذلك الماء شيئاً فشيئاً إلى الأرض التي يجمد الماء فيها، فيصير ملحاً، ويجمع الأول فالأول، ويعبى ويباع، وتمتار منه البلاد، وربما ثقل ماء السبخة في بعض السنين، فيستقون ماء من أبار حفرت في تلك الأرض، ويجرونه إلى مساكب قد سكبوها فيجمد فيها ويصير ملحاً، فيجمعونه منها ويرفعونه ويصنعون غيره، وهذا الملح الذي يصنع يكون أشد بياضاً من الأول ويقال إن عجائب الدنيا ثلاث: قلعة حلب، وجب الكلب، ونهر الذهب.
فأما قلعة حلب فلعلوها وارتفاعها وأنها في وطأة ليس إلى جانبها جبل يحكم عليها وأما جب الكلب فإنه بئر في قرية تعرف بجب الكلب في طرف الحبل من قرى حلب إلى جنب قبثان الحبل هي الآن خربة، كان الذي يعضه الكلب الكلب يأتي إلى هذه البئر فيغتسل فيها فيبرأ، وقد بطل الآن فعلها لما نذكره إن شاء الله في باب يأتي.
وأما نهر الذهب فقال لي والدي رحمه الله: انما سمي نهر الذهب لأن أوله بالقبان وآخره بالكيل، لأن أوله يزرع على مائه القطن، والبصل، والثوم والكسفره، والكراويا، والخشخاش، والحبة السوداء، والحبة الخضراء، وبزر البقلة وغير ذلك، ويباع ذلك كله بالقبان وآخره يجمد فيصير ملحاً، فيباع بالكيل ولا يضيع من مائه شيء، ولهذا سمي نهر الذهب، لأنه ذهب كله باعتبار ما يؤول إليه.
أنشدني بعض الاخوان لحمدان بن يوسف بن محمد البابي الضرير، وكان من أهل الباب، وأدركته وسمعت منه شيئاً من شعره غير هذه الأبيات، ثم حمل إلى بعض أهل الباب، وأنابها، شعر حمدان المذكور، فنقلت منه هذه القصيدة، يصف فيها وادي بطنان، وما على نهر الذهب من القرى إلى الجبول ويمدح فيها الملك الظاهر وهي.
سل وميض البروق حمل التحيه ... من محبٍ أشواقه عذريّه
أظهرت لوعة الغرام شجوناً ... منه كانت بين الضلوع خفيّه
وبرى جسمه النحول فأمسى ال ... همّ في حندس الظلام نجيّه
وأبى البين أن يبقّي من الصبّ ... ر عليه بعد الفراق بقيّه
أيها السائق الذي لم يزل يطرب شجواً بشدوه الشد نيّه
لا تسل عن قبا وسل عن نواحي ... قبّيا فهي جنّة عدنيه
حبذا تاذف الأنيقة والأنه ... ار تجري تحت الغصون البهيّه
وبساتينها إذا جاوبت ور ... قاء فيها بسجعها قمريّه
وبنونا يا ليت لي كل يوم ... غرفاً فوق مائها مبنيه
ولكم قد شممت في مرقونا ... نسماتٍ مثل العبير ذكيّه
رشقتني على عوينات زكيّ ... طيباتٍ بأعين بابليّه
هذه كلها مزارع بين الباب وبزاعا:
سفح الوابل الملث على وا ... دي بزاعا وسميه ووليه
وسما بارق الغمام على بط ... نان بالغيث بكرةً وعشيه
وغدت بالحبا وراحت على البا ... ب غوادي السحائب الوسميه
قف على عينها تجد كل حورا ... ء تثنيّ كأنها حورية
وعلى تيمر وقيت من الخط ... ب فقف بي بالله عند الوقيه
تيمر الجبل المشرف على الباب من غربية، والوقيه حجر كبير في هذا الجبل يعرف بالوقية.
آخر الجزء السادس. ويتلوه في أول السابع
وانظر العين من شماليه والرا ... هب تزهو أنواره قبليّه
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
وانظر العين من شماليه والرا ... هب تزهو أنواره قبليه
وأرمق السقي عندما تتثني ... برباها أشجاره شرقيه
لا تكلني إلى اللوى فلقد غا ... درت من دون وصفه لي أليّه
لست ممن تثنيه عن وصف إقلي ... م بزاعا ذكر الحمى والثنيّه
فلكم ظلت في ربوع أبي طل ... طل أقضي أوقات لهو هنيه

ومساع كانت إلى السيعة الفيح ... اء أنوارها لدي مضيه
وبألفين لي وبيرة خفا ... ن شجونٌ طول الزمان شجيه
قف بأعران لي ومحان والبر ... ج وأيشى إن شئت والحصفيه
وتأمل زهور نجارة الفي ... حاء تزهو كالأنجم الدريّه
فبأكناف عين أرزة لهوي ... والمروج الأنيقة الشربعيه
منسوبة إلى شربع قرية على النهر
طالما بتّ بالقبيبة أفني ... جلدي باكياً على الجلديه
وتأمل بلحظ عينك يا صا ... ح مروج الجبّول والنجبيّه
كم بذاك الحمى ظباءٌ بأطرا ... ف العوالي وبالظبى محميه
كل سمراء في التماثيل تهتز ... دلالاً كالصعدة اليزنيه
غازلتنا قبل السفور بعي ... نيها فخلنا بأنها تركيه
أي قاض يعدي لمكتئب غ ... رته تلك الغريرة العدوية
مستهام تبيت أحشاؤه من ... ها على لاعج الأسى محنيه
وانسكاب الدموع من جفنه ين ... شر طي السرائر المطويه
يا خليلي خليا ذكر سلع ... وربوع المعالم الحاجريه
واذكرا لي أكناف ساحة بطنا ... ن وتلك المشاهد التيمريه
وصفا لي أنهار تاذف مع أش ... جارها لا الحدائق الجلقيه
بتّ أسري وهنا من الباب واللي ... ل علينا ستوره حندسيه
أنا أعمى وقائدي في دجاه ... أعورٌ والأُتان لي مهريه
وهو مما تغشرم البيد يسعى ... أعرجاً فاعجبوا لها من قضيه
من يرانا يظل يطرب بالسا ... ئق عجبا والممتطي والمطية
يالنا من ثلاثةٍ يعجز الطا ... لب عن رابعٍ لنا في البريه
سرت حتى طويت أرض معير ث ... يا وتلك المعالم الغوريه
واتساع الميدان مع سطح ربا ... ثا وتلك الحفيرة النشزيه
وربا البقعة التي نشر الغي ... ث عليها ملابساً سندسيه
وترتبت بالمرتب في ظه ... ر أتاني لأدرك الأمنيه
وتجشمت بالصخير وشحنجّ ... ار وعراً تهابه الشّد قميّه
وفليت الفلا إلى نحو بابلي ... بعزم أمضى من المشرفيه
وعلى هضب بانقوسا بدا الصب ... ح ولاحت أنواره المخفيه
وأتى الدهر مقلعاً إذ رأى ... أن ملاذي بالقلعة الظاهريه
فحططنا لما حططنا عن الده ... ر بها كل زلةٍ وخطيه
يا ذوي البؤس يمموها تحلوا ... كعبة الجود والندى والعطيه
فبها مالك أقل أيادي ... ه تفوق الأيادي الطائيه
قلعة سامت السماء وضاهت ... في المعالي أفلاكها العلويه
شرفت بالغياث حتى غدت فو ... ق الثريا أركانها مبنيه
ثم أطال في مدح الملك الظاهر رحمه الله فاختصرته خوفاً من الاطالة.
أنشدني والدي رحمه الله وقال: خرج أبو عبد الله القيسراني مع والدي إلى وادي بزاعا فمرا بتاذف فراقهم حسنها، فقال القيسراني فيها:
ما زلت أخدع عن دمش ... ق صبابتي بالغوطتين
حتى مررت بتاذفٍ ... فكأنني بالنيربين
فرأيت ما قد كنت آ ... مله بأشواقي بعيني
باب في
ذكر صفين
وبقعتها وحكم من شهدها من الجانبين ووقعتها
ويقال فيها صفون وصفين، وهي من أعمال حلب وجند قنسرين، وقد قال بعض أصحاب علي عليه السلام، وقد رأى شدة القتال بها، فأتى أهله:
إن أباك فر يوم صفين ... لما رأى عكا والآشعرين
والخمس قد أجشمتك الأمرين ... جمزا إلى الكوفة من قنسرين
وحابسا تشك بالطائيين ... وقيس عيلان الهوازنيين
لا خمس إلا جندل الأحرين
والكلام في صفين يقع في فصول.
الفصل الأول

في ذكر بقعتها
وهي قرية كبيرة عامرة على مكان مرتفع على شط الفرات، والفرات في سفحه وفيها مشهد لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقيل بأنه موضع فسطاطه، وموضع الوقعة من غربيه في الأرض السهلة، وقتلى علي رضي الله عنه في أرض قبلي المشهد وشرقيه، وقتلى معاوية من غربي المشهد، وجثثهم في تلال من التراب والحجارة، كانوا لكثرة القتلى يحفرون حفائر ويطرحون القتلى فيها، ويهيلون التراب عليهم، ويرفعونه عن وجه الأرض، فصارت لطول الزمان كالتلال.
وفي حديث محمد بن إسحق قال: أقبل معاوية حتى نزل صفين، والصفين مدينة عتيقة من مدائن الأعاجم في أرض قنسرين على شاطئ الفرات فيما بين منبج والرقة، على نجفة مشرفة الجذل، وبين النجفة وبين الفرات غيضة آسنة ذات ماء آجن، لا يقدر على الفرات إلا من شرائع الغيضة، فمن قدر على الشريعة استقى، ومن لم يقدر على الشريعة استقى من الجرف بالدلاء ماءً آجناً غليظاً لا يشرب إلا بالشن.
أنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله البغدادي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن أحمد بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: حدثنا صفوان بن عمرو عن ضمضم أبي المثنى الأملوكي عن كعب أنه رأى صفين والحجارة التي على الطريق فقال: لقد وجدت نعتها في الكتاب أن بني إسرائيل اقتتلوا فيها تسع مرات حتى تفانوا، وأن العرب ستقتتل فيها العاشرة حتى يتافنوا ويتقاذفوا بالحجارة التي تقاذفت بها بنو إسرائيل، فاقتتل فيها أهل الشام مع معاوية وأهل العراق مع علي عليهما السلام حتى تفانوا وتقاذفوا بتلك الحجارة.
قال صفوان: وكان أهل الشام ستين ألفاً، فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً، فقتل منهم أربعون ألفاً.
وقرأت في كتاب صفين تأليف أبي جعفر محمد بن خالد الهاشمي، المعروف بابن أمه، قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثنا إسماعيل بن عياش أن كعب الأحبار مر بصفين قافلاً من غزاة، فسأل حراثاً يحرث، ما يقال لهذه الأرض؟ قال: صفين، قال: والذي نفسي بيده إنها لفي كتاب الله صفواً، إقتتلت فيها بنو إسرائيل تسع مرار، وستقتتل فيها أمة محمد صلى الله عليه وسلم العاشرة.
قال: وبنحو ذلك حدثني سهل بن زيد الأنصاري عن سعيد بن عبد الرحمن الزرقي عن نافع بن عوف الزرقي عن كعب.
قال أبو جعفر الهاشمي: حدثني أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري عن سليمان بن بشير عن قدامة بن موسى قال: حدثني إسحق بن أبي قبيصة بن ذؤيب سأل كعب الذماري من أين كان كعب يعلم ملحمة صفين؟ قال: أما ملحمة صفين فإنها في كتاب الله تبارك وتعالى: إني حابس لأميين حيث حبست بني إسرائيل، قال: وكانت قبل صفين تسع ملاحم كانت صفين العاشرة.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله إذناً قال: أخبرنا أبو القاسم ابن بوش قال: أخبرنا أبو طالب عبد القادر بن يوسف قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن العباس بن محمد ابن حيويه قال: أخبرنا أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الكندي قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش قال: قيل لأبي وائل شهدت صفين؟ قال: نعم، وبئست الصفون كانت.
أنبأنا أبو الغنائم محمد بن أبي طالب بن أبي الرجاء بن شهريار قال: أخبرتنا أم البهاء فاطمة بنت محمد بن أحمد بن الحسن المعروفة ببنت البغدادي قالت: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود بن أحمد بن محمود الثقفي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقريء قال: حدثنا صدقة قال: حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا فرج بن فضالة عن إسماعيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعة أنهار من أنهار الجنة وأربعة جبال من جبال الجنة، وأربعة ملاحم في الجنة، فأما الأنهار فسيحان وجيحان والنيل والفرات، وأما الجبال فطور، ولبنان، وورقان، وأحد، وأما الملاحم فصفين والحرة ويوم الجمل. قال: وكان يكتم الرابعة.

أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل ابن أحمد السمرقندي، إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن المحسن بن محمد بن الحسن بن الخلال قال: أخبرنا أبو محمد الحسن ابن الحسين بن علي بن العباس النوبختي قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن مبشر قال: حدثنا أحمد بن النضر بن مهران قال: حدثنا سورة قال: حدثنا أبو معشر عن سعيد عن أبي هريرة.
قال: وحدثنا فرج بن فضالة عن إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة ملاحم في الجنة: الجمل في الجنة، وصفين في الجنة، وحرة في الجنة، وكان يكتم الرابعة.
الفصل الثاني
في بيان أن علياً عليه السلام على الحق
في قتاله معاوية رحمه الله
لا خلاف بين أهل القبلة في أن علياً رضي الله عنه إمام حق منذ ولي الخلافة إلى أن مات، وأن من قاتل معه كان مصيباً، ومن قاتله كان باغياً ومخطئاً، إلا الخوارج فإن مذهبهم معلوم، ولا اعتبار بقولهم.
أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني في كتابه إلينا من مرو قال: أخبرنا أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي قراءة عليه.
وأنبأنا أبو بكر القاسم بن عبد الله بن عمر بن الصفار قال: أخبرنا الشيخان أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري قراءة عليه، وأبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي إجازة. قال أبو الأسعد: أخبرنا أبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن البحيري قراءة عليه، وقال أبو البركات: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبد الله المحمي، قالا: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الأسفراييني قال: أخبرنا خالي الإمام الحافظ أبو عوانه يعقوب بن إسحق الأسفراييني قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا أسد بن موسى.
قال أبو عوانه: وأخبرنا حمدان بن علي قال: حدثنا محمد بن محبوب.
قال: وحدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زنبر الصوري قال: حدثنا الهيثم بن جميل.
قال: وحدثنا الصغاني قال: حدثنا عفان، كلهم عن أبي عوانة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في أمتي فرقتان يخرج بينهما مارقه يقتلهم أولاهما بالحق.
وقال أبو عوانه الأسفراييني: حدثنا ابن أبي رجاء قال: حدثنا وكيع.
وقال: وحدثنا ابن المبارك قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا القاسم ابن الفضل.
وقال: وحدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا عبد الملك الحري.
قال: وحدثنا يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود.
قال: وحدثنا الصغاني قال: حدثنا يونس بن محمد وعفان.
قال: وحدثنا أبو أمية قال: حدثنا أبو نعيم وعبيد الله قالوا: حدثنا القاسم ابن الفضل الحداني عن أبي نضره عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفين بالحق. معناهم واحد.
وقال أبو عوانه: روى أبو أحمد الزبيري عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في حدث ذكر فيه قوماً يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق.
قال: رواه مسلم عن القواريري عن أبي أحمد.
قال أبو عوانه في هذا الحديث دليل أن علياً كان الحق له فيما كان بينه وبين معاوية، وأن أصحابهما كانوا على الاسلام، ولم يخرجوا من الاسلام بمحاربة بعضهم بعضاً.

أنبأنا أبو العلاء أحمد بن شاكر بن عبد الله بن سليمان المعري عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد ابن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن اسحق بن ننجاب الطيبي قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن عبد الله الكرابيسي قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو معاوية عن عمار بن رزيق عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن الله قد آمنا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتنا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله، قال: قلت: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعو إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف الأوقي بالبيت المقدس قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي.
وأخبرنا أبو اسحق إبراهيم بن أزرتق قال: أخبرنا أبو الفتح بن السبطي، وأبو المظفر الكاغدي، قال أبو الفتح: أخبرنا أبو الفضل بن خيرون، وقال أبو المظفر: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي قالا: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو محمد بن جعفر بن درستويه قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا أبو عمرو أحمد بن حازم الغفاري قال: حدثنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا ناصح عن سماك عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تقتل عماراً الفئة الباغية.
فبان بهذين الحديثين أن الحق مع علي رضي الله عنه، لأنه قال في الحديث الأول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، وهو عمار بن ياسر، وكان مع علي رضي الله عنه، وقال في الحديث الثاني تقتل عماراً الفئة الباغية، وقتله أصحاب معاوية رحمه الله.
وقد أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد قال: أنبأنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران إجازة قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء علي بن عبد الرحمن بن غيلان الواسطي قال: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه قال: نسخ لي من كتاب محمد بن عبد الملك عن يزيد بن هرون عن العوام بن حوشب قال: حدثني أسود بن مسعود عن جبلة بن خويلد قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فأتاه رجلان يختصمان في رأس عمار بن ياسر رحمه الله، كل واحد منهما يقول: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: لتطب نفس أحدكما لصاحبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال معاوية: ألا تغني مجنونك يا عمرو عنا، فما بالك معنا؟ فقال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: أطع أباك ما دام حياً ولا تعصه، فأنا معك ولست أقاتل.
أنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن المقير عن أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني نصر بن مزاحم قال: حدثنا محمد بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وذكر أهل صفين فقال: كانوا عرباً يعرف بعضهم بعضاً في الجاهلية، فالتقوا في الاسلام معهم تلك الحمية ونية الاسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم.

فلما أصبحوا يوماً وذلك يوم الثلاثاء خرج الناس إلى مصافهم، فقال أبو نوح الحميري: وكنت في خيل علي، فبينا أنا واقف إذ نادى رجل من أهل الشام من دلني على أبي نوح الحميري، قال أبو نوح: فقلت: أيهم تريد؟ فقال: الكلاعي. فقلت: قد جدته، فمن أنت؟ فقال: أنا ذو الكلاع فسر إلي، قال أبو نوح: فقلت: معاذ الله أن أسير إليك إلا في كتيبة، فقال: سر ولك ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذمة ذي الكلاع حتى ترجع، فإنما أريد أن أسألك عن أمر فيكم، فسار إليه أبو نوح، وسار إليه ذو الكلاع حتى التقيا، فقال له ذو الكلاع: إنما دعوتك أحدثك حديثاً حدثناه عمرو بن العاص في إمارة عمر، فقال أبو نوح: وما هو؟ فقال ذو الكلاع: حدثنا عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق في إحدى الكتيبتين الحق. أو قال الهدى ومعها عمار بن ياسر، فقال أبو نوح: نعم والله إن عماراً لمعنا وفينا. وقال: أجاد هو على قتالنا؟ فقال أبو نوح: نعم ورب الكعبة، لهو أجد على قتالكم مني، ولود أنكم حلق واحد فذبحه.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمود الصابوني كتابة قال: أنبأنا أبو محمد بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن الحسن قال: أخبرنا الحسن بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن اسحق قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير قال: حدثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش الصنعاني قال: جئت إلى أبي سعيد الخدري وقد عمي فقلت: أخبرني عن هذه الخوارج؟ فقال: تأتوني فأخبركم ثم ترفعون ذلك إلى معاوية فيبعث إلينا بالكلام الشديد فقال له: حنش؟ تعال مرحباً بك يا حنش المصري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج ناس يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في نصله فلا ترى شيئاً، وتنظر في قذذه، فلا ترى شيئاً سبق الفرث والدم، يصلى بقتالهم أولى الطائفتين بالله.
قال حنش: فإن علي بن أبي طالب عليه السلام صلي بقتالهم؟ قال: وما يمنع علياً أن يكون أولى الطائفتين بالله عز وجل.
وقال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا عمرو بن الربيع قال: حدثنا السري عن عبد الكريم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا أصحاب محمد تناصحوا، فإنكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
أخبرنا أبو الحسن بن المقير إذناً عن أبي محمد بن أحمد النحوي قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال حدثنا ابن ديزيل قال: حدثنا يحيى ابن سليمان الجعفي قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن موسى بن طريف يذكر عن أبيه أو عن عبد الله بن ربعي قال: قال علي عليه السلام: أنا قسيم النار قال أبو معاوية: قال الأعمش: وإنما يعني بقوله أنا قسيم النار أن من كان معي فهو على الحق، ومن كان مع معاوية فهو على الباطل.
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي عن كتاب زاهر بن طاهر الشحامي أن أبوي عثمان الصابوني والبحيري وأبوي بكر البيهقي والحيري كتبوا إليه: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثني محمد بن الحسن القاضي ببغداد قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن الحسن السبيعي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا قيس بن الربيع عن الصلت بن بهرام عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: ما آسي على شيء كما آسي على أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.

قرأت في كتاب صفين تأليف أبي جعفر محمد بن خالد الهاشمي المعروف بابن أمه قال: حدثني أبو إسماعيل أسد بن سعيد النخعي وعلي بن أبي بكر العرزمي عن صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن أبي صادق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون صفين على ثلاث أمم، أمة على الحق لا ينتقص الباطل منهم شيئاً، وأمة على الباطل لا ينتقص الحق منهم شيئاً، وأمه ملبدة يقولون هؤلاء أهدى من هؤلاء، بل هؤلاء أهدى، مثلهم كمثل شاة باتت في ربيض غنم فاغترت من الليل وقد سرح قطيعها الذي هي منه، فخرجت فلقيت قطيعاً آخر، فاغترت به فأنكرته، فبينا هي كذلك إذ جاء الذئب فأكلها، كذلك من مات من أمتي ليس عليه إمام عامة، فهو ميت ميتة جاهلية يحاسب بأعمال الإسلام، ثم ترتحلون منها وأنتم على أربع أمم أمة على الحق لا ينتقص الباطل منهم شيئاً، مثلهم كمثل الذهب إذ أدخل النار فنفخ عليه لم تزده النار إلا جودة، وأمة على الباطل لا ينتقص الحق منهم شيئاً، مثلهم كمثل خبث الحديد إذا أدخل النار فنفخ عليه صار رماداً، فذلك مثل أعمالهم كرماد إشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد، وأمة ملبدة، وأمة مارقة يلتمسون الدين فيمرقون منه كما تمرق السهم من الرمية، لا يرجع فيه حتى يرجع السهم في رميته. قال: قيل: يا رسول الله وأين المؤمنون يومئذ، أما يقاتلون؟ قال: " بلى ويُزلزَلون زلزالاً شديداً " .
أخبرنا السلار بهرام بن محمود بن بختيار الأتابكي إذناً، وسمعت منه بالمزة من غوطة دمشق قال: أخبرنا الحافظ عبد الخالق بن أسد بن ثابت قال: أخبرني أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن ببغداد قال: أخبرنا قاضي القضاة أبو بكر محمد بن عبد الله بن الحسين إجازة قال: أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي قال: أخبرنا الحاكم أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر بالري قال: حدثنا أبو بكر الجعابي قال: حدثنا أبو سعيد قال: حدثنا أحمد بن يحيى قال: حدثنا الوليد بن حماد عن عمه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: ما قاتل أحد علياً إلا وعلي أولى بالحق منه، ولولا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين.
قال: وروى سالم بن سالم عن أبي حنيفة أنه قال: ما جازيت أحداً بسيئة قط، ثم قال: أتدرون لم يبغضنا أهل البصرة؟ قلنا: لا، قال: لأن قولهم في القدر ما قد علمتم، ونحن نخالفهم، ولذلك لم يحبونا، ثم قال: أتدرون لم يبغضنا أهل الشام؟ قلنا: لا، قال: لأنا لو حضرنا صفين كنا مع علي على معاوية، فلذلك لا يحبونا.
أخبرنا بهرام إذناً قال: أخبرنا عبد الخالق بن أسد قال: أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن محمويه اليزدي ببغداد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن الحر بن بلوك.
وقال: أخبرنا عبد الخالق قال: وأخبرنا الفقيه أبو الخير مسعود بن الحسين ابن سعد بن علي بن بندار ببغداد قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن ابن الحسن قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن محمد بن الحسين بن أشتويه قال: حدثنا إبراهيم - هو ابن أحمد بن إبراهيم المستملي - ، قال: أخبرنا فارس - هو ابن محمد بن علي بن عبد الله بن يحيى - قال: حدثنا سعيد قال: سمعت أبا نعيم يقول حدثني علي بن قادم قال: سمعت سفيان يقول: ما قاتل علي أحداً إلا كان أولى بالحق منه.

قرئ على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي أخبركم أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الله المقريء قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن يوسف قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: حدثنا أحمد بن عبد الله المؤدب بسر من رأى قال: حدثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد قال: حدثنا شريك عن سليمان بن مهران الأعمش قال: حدثنا إبراهيم عن علقمه والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له: يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنزول محمد صلى الله عليه وسلم وبمجيء ناقته تفضلا من الله وإكراماً لك حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله ! فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلنا، هم أهل الجمل طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم، يعني معاوية وعمراً، وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله.
قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع علي فإنه لن يدليك في ردىً، ولن يخرجك من هدىً، يا عمار من تقلد سيفاً أعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامه وشاحين من در، ومن تقلد سيفاً أعان به عدو علي عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار، قلنا يا هذا حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله.
قال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي: المعلى بن عبد الرحمن ضعيف جداً، قيل إنه كان يكذب.
الفصل الثالث
معاوية ومن كان معه بصفين لم يخرجوا عن الإيمان
في بيان أن معاوية ومن كان معه بصفين لم يخرجوا عن الإيمان بقتال علي عليه السلام.
أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي قال: أخبرنا أبو القاسم تميم بن أبي سعيد الجرجاني قال: أخبرنا الحاكم أبو الحسن علي بن محمد البحاثي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن هرون قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن حبان البستي قال: أخبرنا أحمد بن محمد الحيري قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا يحيى القطان عن عوف قال: حدثنا أبو نضره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في أمني فرقتان تفرق بينهما مارقه تقتلها أولى الطائفتين بالحق.
وقد ذكرنا في الفصل المتقدم عند فرقة من المسلمين، فجعل الفرقة من المسلمين وهم أصحاب علي ومعاوية وفي هذه الرواية جعل الفرقتين من أمته، فلم يخرج واحدة منهما عن كونها من أمته صلى الله عليه وسلم، ولا عن كونها من المسلمين بهذه الفرقة التي وقعت، والمارقة هم الخوارج الذين قتلهم علي رضي الله عنه يوم النهر، فبان بذلك أن معاوية وأصحابه لم يخرجوا بقتال علي عن الإسلام، عن كونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكون علي أولى بالحق لقتله المارقة تبين أن من قاتله من المسلمين كان باغياً عليه.
والذي يوضح ما ذكرناه ما أخبرناه أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن الحسين الشاشي قال: أخبرنا أبو المعالي محمد بن زيد الحسيني في كتابه قال: أخبرنا طلحة بن علي بن الصفر الكتاني قال أخبرنا محمد بن عبد الله البزاز قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو الزناد.

وأخبرنا أبو الحسن المبارك بن أبي بكر بن مزيد الخواص وأبو عبد الله محمد بن نصر بن أبي الفتوح البغداديان بها قال محمد: وأنا حاضر، قالا: أخبرنا أبو محمد عبد الغني بن الحسن بن أحمد قال: أخبرنا سعيد أبي الرجاء الصيرفي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن النعمان قال: أخبرنا أبو بكر بن المقريء قال: أخبرنا أبو محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى العدني قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة.
وأنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي قال: حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن علي الكتاني الصوفي قال: حدثنا أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن الجنيد الرازي الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن جعفر بن هشام الكندي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن نصر بأنطاكية قال: حدثنا سليم بن منصور بن عمار قال: حدثنا أبي قال: حدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون لأصحابي من بعدي زلة يغفرها الله عز وجل بسابقتهم معي، يعمل بها قوم من بعدهم يكبهم الله عز وجل في النار على مناخرهم.
وأنبأنا أبو الحسن علي بن محمود بن أحمد الصابوني قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد النحوي إجازة قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا الحكم بن نافع قال: حدثنا شعيب بن أبي حمرة عن الزهري قال: حدثنا الحسن بن مالك عن أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دم بعض، سبق ذلك من الله عز وجل كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني شفاعةً فيهم ففعل.
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الحلبي بها قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكي العباسي النقيب ببغداد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد الشافعي المكي بها قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن فراس العبقسي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الفضل الديبلي قال: حدثنا أبو صالح محمد بن أبي الأزهر المعروف بابن زنبور قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد عن رجل عن علي رضي الله عنه قال: من كان يريد وجه الله منا ومنهم نجا، يعني صفين.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي إذناً قال: أخبرنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الصريفيني قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحق بن حبابه قال: حدثنا أبو القاسم البغوي قال: حدثنا علي الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن عبد الرحمن بن جندب قال: سئل علي عن قتلاه وقتلى معاوية قال: يؤتى بي وبمعاوية يوم القيامة فنجتمع عند ذي العرش فأينا فلج فلج أصحابه.
وأخبرنا أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله إذناً، وقرأت عليه إسناده قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو البلخي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين بن أيوب حدثنا أبو إسحق إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي الهمذاني قال: حدثنا يحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي قال: حدثنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك الأشجعي ذكر عن رجل من أشجع يقال له سالم بن عبيد الأشجعي قال: رأيت عليا بعد صفين وهو آخذ بيدي ونحن نمشي في القتلى فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ قتلى أهل الشام، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنا في أصحاب معاوية، فقال لي إنما الحساب علي وعلى معاوية.

وخبرنا أبو البركات إذناً قال: أخبرنا عمي قال: وأخبرنا أبو عبد الله البلخي قال: أخبرنا أبو الحسن بن أيوب قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو الحسن الطيبي قال: حدثنا إبراهيم الكسائي قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني زيد بن الحباب قال: أخبرني إسحق بن أبي بكر مولى حويطب المدني قال: حدثني عبد الرحمن بن نافع القاري عن أبيه قال: قدمت العراق فدخلت دار علي بن أبي طالب التي كان يسكن فإذا الوالي حلقتان يتحدثون، فجلست معهم، فخرج علي وهم يذكرون قتلى علي ومعاوية فقالوا: قبلتنا واحدة، والهنا واحد ونبينا واحد فأين قتلانا وقتلاهم؟ فأقبل علي، فلما رآهم قصد إليهم فسكتوا، فقال علي: ما كنتم تقولون؟ فسكتوا، فقال علي: عزمت عليكم لتخبرني، فقالوا: ذكرنا قتلانا وقتلى معاوية، وأن قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد وديننا واحد، فقال علي: فإني أخبركم عن ذلك، إن الحساب علي وعلى معاوية.
أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي أخبرنا أبو الفتح أحمد بن جعفر الخلمي ببلخ قال: أخبرنا أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين اليزدوي إملاء ببخارى قال: أخبرنا الحاكم أبو الحسين إبراهيم بن علي بن أحمد الاسماعيلي قال: أخبرنا أبو محمد عبد السلام بن موسى بن عيسى قال: أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن المرزبان قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن البلخي قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهم إلعن أهل الشام، قال: فقال علي رضي الله عنه: لا تسبوا أهل الشام جماً غفيراً، فان بها الابدال، فان بها الابدال، فان بها الابدال.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله فيما أذن لنا فيه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي زيد الكراني قال: أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال: حدثنا محمد ابن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد بن أبي عون قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صفين وهو متكئ على الأشتر، فمر حابس اليماني، وكان حابس من العباد، فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين حابس معهم، عهدي به والله مؤمن، فقال علي: وهو اليوم مؤمن.
قلت: وهذا حابس اليماني هو حابس بن سعد، وقيل حابس بن ربيعة، قيل إن له صحبة.
أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد عن أبي غالب بن البناء قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري قال: حدثنا أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي قال: حدثنا محمد بن عثمان قال: حدثنا أبو بلال الأشعري قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن محمد بن قيس عن سعد بن إبراهيم قال: خرج علي بن أبي طالب ذات يوم ومعه عدي بن حاتم الطائي، فإذا رجل من طيء قتيل قد قتله أصحاب علي، فقال عدي: يا ويح هذا كان أمس مسلماً واليوم كافراً، فقال علي: مهلاً كان أمس مؤمناً، وهو اليوم مؤمن.
وأنبأنا تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ، ونقلته أنا من خط الحافظ أبي القاسم، قال أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك الفقيه قال أخبرنا القاضي أبو الفضل محمد بن أبي جعفر الهاشمي قال: أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الصدفي المروزي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم المروزي الحليمي قال: أخبرنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري المروزي قال: أخبرنا الحكم بن موسى قال: حدثنا شعيب بن إسحق عن محمد بن راشد عن مكحول قال: سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن من قتل بصفين ما هم؟ قال: هم المؤمنون.

أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد القاضي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي محمد بن هبة الله قال: أنبأنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله قال أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي الربعي قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام قال: حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا بقية قال: حدثنا محمد بن راشد عن مكحول أن أصحاب علي سألوه عن من قتلوا من أصحاب معاوية، قال هم المؤمنون.
وأخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد مشافهة عن أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الطيوري، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الباقي بن عبد الكريم بن عمر قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الخلال قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب ابن شيبة قال: حدثنا جدي قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا صلهب، أبو أسد الفقعسي عن عمه قال: قال رجل يوم صفين من دعا إلى البغلة يوم كفر أهل الشام؟ قال: فقال علي: من الكفر فروا.
أنبأنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد الدمشقي، وسمعت منه بها، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، إجازة إن لم يكن سماعاً قال: حدثنا أبو محمد بن عبد العزيز بن أحمد الكتاني لفظاً قال: أخبرنا أبو محمد ابن أبي نصر قال: أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول يقول: الكفره، قال: لا تقولوا، فإنهم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا.
وأخبرنا القاضي أبو القاسم إذناً قال: كتبت إلينا أبو بكر وجيه بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن بن محمد الأزهري قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن المخلدي قال: حدثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم قال: أخبرنا سعد بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: ذكر عند علي يوم صفين أو يوم الجمل، فذكرنا الكفر قال: لا تقولوا ذلك، زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا، فقاتلناهم على ذلك.
أنبأنا أبو الحسن بن المقير البغدادي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى - يعني ابن سليمان - قال: حدثني سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي فاخته قال: أتيت علياً يوم صفين بأسير، فقال له الأسير: لا تقتلني، فقال له علي: لا أقتلك صبراً إني أخاف الله رب العالمين، ثم قال له علي: أفيك خير، أتبايع؟ فقال الرجل: نعم، فقال علي للذي جاء به: خذ سلاحه وخل سبيله.
وقال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: حدثنا الوليد بن بكير التميمي عن سيف بن عمر عن مجالد عن عامر الشعبي قال: سئل عن أهل الجمل وأهل صفين فقال: أهل الجنة لقي بعضهم بعضاً، فاستحيوا أن يفر بعضهم عن بعض.
أنبأنا عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي - إجازه إن لم يكن سماعاً - قال: أخبرنا أبو الحسين بن النقور قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا محمد بن هارون الحضرمي قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا النضر بن منصور العبدي قال: حدثنا أبو الجنوب عقبة بن علقمه اليشكري قال: شهدت مع علي صفين، فأتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه.
وقد رواه إبراهيم بن الحسين، فيما أجيز لنا بالاسناد المتقدم إليه، قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: أخبرنا النضر بن منصور عن أبي الجنوب قال: شهدت مع علي صفين، قال: فاسر علي من أصحاب معاوية خمسة عشر رجلاً جرحى فلم يزل يداويهم يموت واحد بعد واحد، يكفنهم ويصلي عليهم ويدفنهم.

أنبأنا ابن طبرزد قال: أنبأنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران إجازة قال: أخبرنا أبو الحسن المراعيشي وأبو العلاء علي بن عبد الرحمن بن غيلان الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفه نفطويه قال: حدثنا العباس بن محمد قال: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن عمرو بن ميمون عن أبي أمامه قال: شهدت مع علي بن أبي طالب صفين، فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يتبعون مولياً.
قلت: وهذا كله حكم أهل البغي، ولهذا قال أبو حنيفة: لولا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين.
أنبأنا أحمد بن أبي اليسر بن أبي المجد التنوخي قال: أخبرنا أبو محمد النحوي كتابة، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحق بن ننجاب الطيبي قال: حدثنا أبو إسحق إبراهيم ابن الحسين بن علي الهمذاني قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثنا هشيم بن بشير عن العوام بن حوشب عن بعض أشياخه قال: لما كان الموادعه بين علي ومعاوية توادعاً إلى رأس الحول بدومة الجندل.
قال: وكان أصحاب علي يصلون خلف أصحاب معاوية، وكان أصحاب معاوية لا يصلون خلف أصحاب علي، فذكر ذلك أصحاب علي لعلي، فقال لهم: إذا استقبلوا بكم القبلة، وقرأوا بكم القرآن، فصلوا خلفهم.
أخبرنا القاضي أبو القاسم بن الحرستاني إجازة قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي كتابة قال: أخبرنا أبو محمد أحمد وأبو الغنائم محمد ابنا علي بن الحسن بن أبي عثمان، وأبو القاسم علي بن أحمد البسري، وأبو طاهر أحمد بن محمد بن إبراهيم الغضاري، وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد الأنباري الخطيب قالوا: أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال: حدثنا جدي يعقوب قال: حدثنا عثمان بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة قال: أخبرني عبد الله بن عروة قال: حدثني رجل شهد صفين قال: رأيت علياً خرج في بعض تلك الليالي فنظر إلى أهل الشام فقال: اللهم إغفر لي ولهم.
قال: فأتي عمار فأخبر فقال: جروا له الحصير فأجره لكم.
قال: وحدثنا جدي قال: حدثنا عثمان بن محمد قال: حدثنا وكيع عن حنش ابن الحارث عن رياح بن الحارث قال: قال عمار بن ياسر: لا تقولوا كفر أهل الشام، قولوا ظلموا، فسقوا.
قال: وحدثنا جدي قال: حدثنا ابن الأصبهاني وهو محمد بن سعيد قال: أخبرنا شريك عن حنش عن رياح بن الحارث قال: سمع عمار رجلاً يقول: كفر أهل الشام، قال: لم يكفروا، إن حجتنا وحجتهم واحدة، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحق علينا أن نردهم إلى الحق.
قرأت في كتاب صفين تأليف أبي جعفر محمد بن خالد الهاشمي المعروف بابن أمه، قال: حدثني الوليد بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: لقي أبو قرة حدير السلمي كعب في فج معلولا فقال: حدثني حديثاً ينفعني الله به، قال كيف بكم إذا قاتلتم أهل العاقول؟ قال: قلت أمن المسلمين أم من المشركين؟ قال: لا بل من المسلمين، قلت أمن العرب أم من العجم؟ قال: من العرب، قلت لا يكون ذلك أبداً، قال: بلى، ثم عسى أن لا تنفك حتى تعور فيها عينك، ويهدم فيها فوك، فلما كان بصفين أصيبت عينه وهدم فوه، حصبت ورمي بجلمودة فذهب فوه.
أخبرنا ثابت بن مشرف بن أبي سعد البغدادي كتابة، وسمعت منه الكثير، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الزاغوني قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد ابن علي الدقاق قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا أبو علي بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي: قال حدثنا عباد بن موسى قال: حدثنا علي بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر جالسان عنده فسلمت وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعلي عليه السلام ومعاوية رحمه الله، وأدخلا بيتاً وأحيف عليهما الباب، وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي عليه السلام وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، وما كان بأسرع أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة.

وقال: حدثنا ابن أبي الدنيا حدثني الحسين بن علي العجلي قال: حدثنا الحسين بن علي الجعفي قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الزبيري قال: رأيت في المنام كأن الناس حشروا فأرى سواداً عظيماً ينطلقون، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المقتتلون من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: فأين ينطلقون؟ قالوا: إلى الجنة، قلت: سبحان الله، وبينما هم يتطاعنون بالرماح إذ صاروا إلى الجنة ! قال: فقالوا: وما تنكر من رحمة الله تعالى.
وأنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد الصابوني قال: أنبأنا أبو محمد ابن أحمد النحوي قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثنا يحيى بن اليمان قال: حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني قال: رأيت عمار بن ياسر وذا الكلاع في المنام في ثياب بيض بأقبية الجنة، فقلت: ألم يقتل بعضكم بعضاً؟ فقالوا: بلى، ولكنا وجدنا الله واسع المغفرة.
وقال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن عمرو بن مرة عن أبي وائل قال: رأيت أبو ميسرة - وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود - قال: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، قال: وكانا ممن قتل مع معاوية بصفين قال: فقلت فأين عمار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قلت: قد قتل بعضهم بعضاً فقيل لي: إنهم لقوا الله فوجدوه واسع المغفرة، قال: قلت: فما فعل أهل النهر - يعني الخوارج - قال: لقوا ترحاً.
وأخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمود بن الأخصر في كتابه إلي من بغداد قال: أخبرنا أبو بكر بن عبيد الله قال: حدثنا محمد بن علي قال: أخبرنا علي ابن محمد قال: أخبرنا أبو علي البردعي قال: حدثنا أبو بكر القرشي قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن بهدله عن أبي وائل قال: قال عمرو بن شرحبيل ليلة صفين: رأيت في المنام البارحة كأنا وهؤلاء القوم جميعاً، فقص من بعضنا لبعض، ثم أدخلنا الجنة جميعاً.
قال: فكان أبو وائل يقول: إن صدقت رؤيا أبي ميسرة.
الفصل الرابع
في ذكر ما جاء
في الكف عن الخوض في حديث صفين
أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة قراءة عليه، قال أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الحافظ - إن لم يكن سماعاً فإجازة - قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: أخبرنا محمد بن علي الصوري قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن حامد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال: حدثنا الحسن بن عليل قال: كتب إلي يونس بن عبد الأعلى في كتابه إلي، وحدثنا موسى بن أبي موسى قال: حدثنا يونس أنه سمع محمد بن إدريس قال: قيل لعمر ابن عبد العزيز ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، ولا أحب أن أخضب لساني فيها.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب قال: أخبرنا رشاء بن نظيف قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن محمد الضراب قال حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا محمد بن الحارث عن المدائني عن الحسن بن دينار قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن قتلى صفين فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فما لي أخضب لساني فيها؟! أنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن المقير عن عبد الله بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن الطيبي قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين ابن ديزيل قال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: حدثنا الوليد بن بكير التميمي عن سفيان عن فضيل بن غزوان عن أبي معشر عن أن تميم قال: كان إذا سئل عن أهل الجمل وأهل صفين قال: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا يسألون عما كانوا يعملون.

وأخبرنا عبد الله بن أبي علي الحموي الأنصاري قراءة عليه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ - إجازة إن لم يكن سماعاً - قال: أخبرنا أبو الحسين بن الطيوري، بانتخابي عليه من أصول كتبه، قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتقي قال: حدثنا سهل قال: حدثنا محمود قال: حدثنا أبو شريك قال: حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن عن عباية بن سليمان عن عثمان بن عمر التيمي قال: بلغني أنه قدم ناس من أهل المشرق المدينة فاستدلوا على من يسألونه فأشاروا لهم إلى عبد الله بن عتبة، فجلسوا إليه فقالوا: يا أبا محمد: ما تقول في أهل صفين؟ فقال: أقول فيهم ما قال من هو خير مني لمن هو شر منهم، عيسى بن مريم عليه السلام: " إِن تعذبهم فإنهم عبادك وإِن تغفر لهم فإنك أن العزيز الحكيم " .
أخبرنا السلار بهرام بن محمود بن بختيار الأتابكي، إجازة غير مرة، وقد سمعت منه بظاهر مدينة دمشق، قال: أخبرنا عبد الخالق بن أسد بن ثابت قال: أخبرني أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل بأصبهان قال: أنبأنا أبو شجاع بن شهردار الديلمي كتابة قال: سمعت أبا ثابت الديلمي يقول سمعت الإمام خالي أبا حاتم أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن عبد الله بن الخضر المقريء بباب الشام يقول: سمعت أبا علي الصواف يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: كنت جمعت شيئاً من حديث الصفين - صوابه صفين - والجمل، فرأيت أبي رحمه الله في المنام عاضاً على إصبعه يهددني ويقول: جمعت حديث الفتنة، فانتهيت عنه.
الفصل الخامس
في ذكر نبذة من حديث وقعة صفين
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي شيخنا رحمه الله عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الأنصاري قال: أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران إجازة قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي، وأبو العلاء علي بن عبد الرحيم ابن غيلان الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفه نفطويه قال: وكانت وقعة صفين أول سنة سبع وثلاثين.
أنبأنا ابن طبرزد عن أبي القاسم بن السمرقندي قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران قال: أخبرنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا حنبل ابن إسحق قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن علي بن صالح عن أبيه عن أبي بكر بن عمرو قال: كان بي الجمل وبين صفين شهران أو نحوه، وكانت صفين في سنة سبع وثلاثين.
وأنبأنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن البغدادي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن إسحق بن ننجاب الطيبي قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمذاني قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا شريك بن عبد الله النخعي عن مجالد عن عامر عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة، فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاماً رغداً، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم.
قال: وأخبرنا إبراهيم - يعني ابن ديزيل - قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا شريك عن منصور عن ربعي بن خراش عن البراء بن ناجيه قال: قال عبد الله قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين عاماً. قال عثمان: يا نبي الله مما مضى أو مما بقي؟ قال: مما بقي.
وقال: حدثنا إبراهيم - يعني ابن ديزيل - قال: قالوا: وسار معاوية حتى ورد صفين في النصف من المحرم، فسبق إلى سهولة المنزل، وسعة المناخ وقرب الماء من الفرات، وبنى قصراً لبيت ماله.
وقال إبراهيم حدثنا يحيى - يعني ابن سليمان - قال: حدثنا إبراهيم عن أبي يوسف عن المجالد عن عامر أن علياً قدم صفين في المحرم سنة سبع وثلاثين، لسبع أو ثمان بقيت من المحرم، فأقاموا سلخ المحرم، ثم اقتتلوا.
وذكر أبو يوسف أيضاً عن أبي بكر الهذلي أنهم التقوا في المحرم.

وقال إبراهيم بن ديزيل: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: حدثنا صفوان ابن عمرو قال: وكان أهل الشام ستين ألفاً، فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً، فقتل منه أربعون ألفاً.
وقرأت في كتاب صفين تأليف أبي جعفر محمد بن خالد الهاشمي، قالوا بأسنادهم عن أبي مخنف لوط بن يحيى: قال: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود قال: نزل معاوية بن أبي سفيان صفين في ثلاثة وثمانين ألفاً.
قال: وحدثني أبو مسهر قال: سمعت المشايخ يقولون ذلك أيضاً أن معاوية ابن أبي سفيان في ثلاثة وثمانين ألفاً.
قال محمد بن خالد: قلت للوليد بن مسلم: إن أبا مسهر حدثني أن معاوية نزل صفين في ثلاثة وثمانين ألفاً، فقال: صدق لم أزل أسمع الجند يقولون ذلك.
وقرأت بخط بنوس وراق بني مقلة عن أبي الحسن المدائني أن أبا الحسن ابن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا جرير بن حازم عن يونس بن خباب قال: شهد مع علي بن أبي طالب يوم صفين ثمانون بدرياً.
وأنبأنا أبو العلاء أحمد بن شاكر قال: أخبرنا أبو محمد بن أحمد النحوي قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو الحسن الطيبي قال: حدثنا أبو إسحق الكسائي قال: حدثنا يحيى - يعني ابن سليمان - قال: حدثنا محمد بن عميرة النخعي قال: حدثنا أبو إسرائيل العبسي عن الحكم بن عتيبة قال: شهد صفين مع علي رضي الله عنه ثمانون بدرياً، وخمسون ومائة ممن بايع تحت الشجرة.
وقال أبو إسحق: حدثنا يحيى قال: حدثني سيف الضبي قال: أقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر أو قال: تسعة أشهر، وكانت بينهم قبل القتال نحواً من سبعين زحفاً، وقتل في ثلاثة أيام من شهر أيام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، ثلاثة وسبعون ألفاً من الفريقين.
وقال أبو إسحق حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن زياد قال: حدثنا أبو عبد الله الثمالي عن معمر عن لزهري قال: إلتقى علي ومعاوية بصفين فاقتتلوا زماناً، فلقد بلغني أنه كان يدفن في القبر خمسون إنساناً.
قال معمر: فلقد رأيتها مد البصر، يعني قبورهم.
وقال أبو إسحق: حدثنا عقبة بن مكرم الكوفي قال: حدثنا يونس عن عمرو ابن شمر عن جابر عن محمد بن علي ومحمد بن المطلب وزيد بن حسن قالوا: شهد مع علي بن أبي طالب في حربه من أصحاب بدر سبعون رجلاً، وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة سبعمائة رجل فيما لا يحصى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه من التابعين ثلاثة بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لهم بالجنة، أويس القرني، وزيد بن صوحان، وجندب الخير، فأما أويس القرني فقتل في الرجالة يوم صفين، وأما زيد بن صوحان فقتل يوم الجمل.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد المؤدب إذناً قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن البناء إجازة قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران إجازة قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفه نفطويه قال: أخبرني محمد بن عيسى الأنصاري عن عبيد الله بن محمد التيمي عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن حبان بن علي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب رحمه الله أنه قال: يوم صفين: من يبايعني على الموت؟ فقام تسعة وتسعون رجلاً فبايعوه، فقال: أين التمام الذي وعدت؟ فقام إليه رجل من أخريات الناس محلوق الرأس، عليه أطمار من صوف فبايعه، فإذا هو أويس القرني، فقاتلوا فقتلوا.

أنبأنا أبو الحسن بن المقير قال: أخبرنا محمد بن ناصر إجازة، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي المعروف بابن اللاعب قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسين المروزي الحاكم قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم المروزي قال: حدثنا جدي أبو جعفر محمد بن عبد الكريم قال: حدثنا الهيثم بن عدي قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحق قال: حدثني أبي قال: قلت لأبي: أي أبة أشهدت صفين؟ قال: نعم، لقد رأيت عجباً، لقد شهدتهم يوماً، وشجرونا بالرماح وشجرناهم بها حتى لو شاء رجل أن يمشي عليها لمشى، أسمع من ها هنا لا إله إلا الله والله أكبر، ومن ها هنا لا إله إلا الله والله أكبر، ثم رأيتهم يوماً آخر، ودلفوا إلينا ودلفنا إليهم فإذا رجل قد نذر بين الصفين على رأس أحوى ذنوب، حتى إذا كان بين الصفين لا يدرى أهو إلينا أقرب أم إلى أهل الشام، إستدبر أهل الشام، واستقبلنا، فإذا هو الأشتر، فقال: أيها المسلمون أقدكم من ربكم، لقد أسأتم الضراب أمس، عض من ها هنا بهن أمه، استقبلوا القوم بالهام وخذوا قوابع سيوفكم بأيمانكم وعضوا على النواجذ واطعنوا في الشراشيف اليسرى فإنها مقاتل، ثم إلتقى القوم، فقتلوا منا صفوفاً خمسة وقتلنا منهم مثلها، فأفضينا إلى الصف السادس أو السابع وقد عقلوا أنفسهم بالعمائم، فوالله الذي لا إله غيره ما كان عندهم ولا عندهم إلا العناق والكدم، فقلت: أي أبة لقد صبرتم، قال: أي بني إنها والله كانت العرب ليس فيها شائبة.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
أخبرنا أبو محمد أحمد بن الأزهر بن عبد الوهاب السباك في كتابه إلينا من بغداد أن القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي أخبرهم كتابة عن أبي غالب محمد ابن أحمد بن بشران قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء علي بن عبد الرحيم بن غيلان الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: أخبرني محمد بن عيسى الأنصاري عن ابن عائشة قال: لما ورد أصحاب معاوية صفين بادأهم أصحاب علي بالقتال، فقتلوا منهم جماعة، فكتب معاوية إلى علي رحمه الله.
أزجرُ حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذاً يُردّ وقيد العير مكروب
إن تقبلوا الحق نُعط الحق سائله ... والدرع مُحقبة والسيف مقروب
فكتب إليه علي عافانا الله وإياك، فكان أول من كتب بها، فلما ورد علي صفين قيل له: يا أمير المؤمنين جاءتك كتائب الشام كأنها موج البحر وقطع السحاب وظلمة الليل، يسوقها معاوية، ويحدوها أبو الأعور، ويقدمها عمرو بن العاص وهو يقول:
لا تحسبنّي يا علي غافلاً ... لأُصبحن الكُوفة القنابلا
والخيل والخطّية الذوابلا ... من عامنا العام وعاماً قابلا
فقال علي: ما يقول ابن النابغة؟.
لأُصبحنّ العاصي بن العاصي ... سبعين ألفاً عاقدي النواصي
مُستحقبين حلق الدّلاص ... مجتنبين الخيل بالقلاص
أشبال غيل حين لا مناص
فبادر أبو الأعور السلمي إلى ماء الفرات، فصف خيله عليه ومنعه أصحاب علي، فشاور معاوية أصحابه، فقال له عمرو بن العاص: خل لهم عن الماء فإن ابن أبي طالب لا يعطش وبيده أعنة الخيل، فبعث علي إلى معاوية إنا وإياك جئنا لأمر فخل لنا عن الماء وإلا تجالدنا عليه، فبعث معاوية إلى أبي الأعور خل لهم عن الماء، فبعث إليه والله لا شربوا منه شربةً وفي شيء من الروح، وقال له ابن أبي سرح: اقتلهم عطشاً قتلهم الله كما قتلوا أمير المؤمنين عثمان عطشاً، فقال معاوية: إن عمراً أعلم منكما، وأبى أبو الأعور أن يخلي لهم عن الماء، فحمل الأشعت بن قيس في إثني عشر ألفاً، فكشفهم عن الماء، فقال علي: هذا يوم نصرتنا فيه الحمية، فقال رجل ممن كان في عسكر علي:
ألا تتقون اللّه إذ تمنعوننا ال ... فرات وتروى بالفرات الثعالب
وقد وعدونا الأحمرين فلم نجد ... لهم أحمراً إلا قراع الكتائب

وخرج علي يستعرض عسكر معاوية على بغل له قصير، وفرسه تحت غلام له وراءه، فهموا به، فقال علي لغلامه: انزل عن الأدهم لا أبالك، ثم بعث إلى هاشم بن عتبة، وهو المرقال، وكان صاحب لواء علي يوم صفين، أن إحمل بلوائك، فحمل به، وسطع الغبار حتى حال بينهم وبين السماء، وثبت العسكران فقال هاشم بن عتبة: والله إن لهؤلاء القوم لشأناً والله ما حملت بلوائي هذا على عسكر قط إلا زعزته، وتجالد العسكران بالسيوف، وحمل المرقال وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلاّ ... قد عالج الحياة حتى ملاّ
لا بد أن يقتل أو يفلاّ
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمود بن أحمد إجازة قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أحمد قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفراء قال: أخبرنا أبو طاهر الباقلاني قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: حدثنا أبو الحسن بن ننجاب قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن سليمان حدثني نصر بن مزاحم قال: حدثني عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي وزيد بن الحسن بن علي، ورجل منهم آخر قد سماه، قالوا: استعمل علي على مقدمته الأشتر النخعي ثم سار في خمسين ومائة ألف، وسار إليه معاوية في نحو من ذلك من أهل الشام، واستعمل على مقدمته أبا الأعور السلمي سفيان بن عمرو حتى توافقا بقناصرين إلى جانب صفين، فأتى الأشتر وأبو الأعور قد سبقه إلى المعسكر وكان الأشتر في أربعة آلاف من مستنصري أهل العراق، فأزالوا أبا الأعور عن معسكره، وأقبل معاوية في جمع الفيلق، فلما رأى ذلك الأشتر إنحاز إلى علي، وغلب معاوية، وأقبل معاوية على الماء وحال بين أهل العراق وبينه، وأقبل علي حتى إذا أراد المعسكر حالوا بينه وبين الماء.
وقال إبراهيم بن الحسين حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر - يعني ابن سعد الأسدي - في اسنادة الأول - يعني عن رجل من الأنصار عن الحارث بن حصيرة عن أبي الكنود وعن غيره - أن علياً أقبل يومئذ يطلب موضعاً لمعسكره، وأمن الناس فوضعوا أثقالهم، وهم مائة ألف أو يزيدون، فلما نزلوا أسرع فوارس من فرسان علي على خيلهم إلى أصحاب معاوية، وكانوا في ثلاثين ومائة ألف فناوشوهم القتال فاقتتلوا هويا.
قال إبراهيم بن الحسين حدثنا يحيى قال: حدثنا إبراهيم عن أبي يوسف عن أبي بكر الهذلي أن معاوية لما قدم عليه علي وأصحابه بصفين اقتتلوا على الإبل يجنبون الخيل، فقال معاوية لعمرو ويحك يا عمرو لقد وفى علي بن أبي طالب بقوله:
مُجنّبين الخيل بالقلاص
وقال إبراهيم بن الحسين قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل قال: لما انسلخ المحرم من سنة سبع وثلاثين واستهل صفر بعث علي عليه السلام نفراً من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث الجشمي فنادى يا أهل الشام: إن أمير المؤمنين علياً وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لكم: إنا والله ما كففنا عنكم شكاً في أمركم ولا بقيا عليكم وإنما كففنا لدخول المحرم، وقد انسلخ، وقد نبذنا إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين فتحاجز الناس وثاروا إلى أمرائهم.
وقال: حدثنا يحيى قال: حدثنا نصر قال: حدثنا عمرو بن شمر عن أبي الزبير قال: كانت وقعة صفين في صفر.
وقال: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: لما خرج علي بمن معه يؤم معاوية وأهل الشام، وخرج إليه معاوية بأهل الشام حتى التقوا بصفين فاقتتلوا قتالاً شديداً لم تقتتل الأمة مثله قط.
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد المؤدب إذناً عن أبي غالب أحمد بن الحسن ابن البناء عن أبي غالب محمد بن أحمد قال: أخبرنا أبو الحسين المراعيشي وأبو العلاء الواسطي قالا: أخبرنا أبو عبد الله نفطوية قال: وقال عوانه بن الحكم كانت وقعات صفين أربعين وقعة كلها لأهل العراق على أهل الشام، فلما خاف عمرو على أهل الشام أشار على معاوية برفع المصاحف، ففتر أهل العراق، ودعوا إلى حكم المصاحف، وحكم الحكمان.

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الأنصاري قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد ابن محمد الحافظ - إجازة إن لم يكن سماعاً - قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قال: حدثنا أبو عبد الله الصوري قال: أخبرنا أبو الحسين الغساني قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الهزاني قال: حدثنا العباس بن الفرح الرياشي عن الأصمعي عن شيخ من أهل الكوفة قال: قال زبيد اليامي - وهو حي من همدان - خرج من همدان إلى صفين اثنا عشر ألف رجل فما رجع منهم إلا خمسة أو ستة.
أنبأنا أبو العلاء بن سليمان المعري أن أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب أخبرهم إجازة قال: أخبرنا أبو الحسين بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو علي بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن إسحق قال: أخبرنا أبو إسحق الهمذاني قال: حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد باسناده قال: افترقوا على سبعين ألف قتيل، فلما صدر علي والناس من صفين أنشأ علي يقول:
وكم قد تركنا في دمشق وأرضها ... من أشمط موتور وشمطاء ثاكل
وغانيةٍ صاد الرماح حليلها ... فأضحت تُعدّ اليوم إحدى الأرامل
تبكّي على بعلٍ لها راح غازياً ... فليس إلى يوم الحساب بقافل
وإنا أُناسٌ ما تصيب رماحنا ... إذا ما طعنا القوم غير المقاتل
باب في ذكر
حصون لم يقع لها ذكر في الفتوح
ولا ورد في كتب الممالك والبلدان عنها خبر مشروح وهي زماننا معدودة من البلاد موصوفة بالحصانة مشحونة بالأجناد، وهي من أعمال حلب وبقاعها وحصونها المتعلقة بها وقلاعها. فمن ذلك.
تل باشر
وهي بلدة مشهورة، ولها قلعة معمورة وبساتينها كثيرة، ومياهها غزيرة، وأجاصها موصوف مذكور، وشرب بلدها جمعيه من نهر الساجور، وهو نهر أصله من عين تاب، تجتمع إليه عيون ببلد عين تاب، ويجري إلى قرية تعرف بالنفاخ، وتجتمع إليه عيون أخر من بلد تل باشر، ثم ينتهي إلى الفرات ويصب فيه، وللساجور ذكر في الفتوح، ونزله أبو عبيدة رضي الله عنه عند فتح منبج، واياه عنى البحتري بقوله:
يا خليلي بالسواجير من عمرو ... بن ود وبحتر بن عتود
إطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابعُ العيس والفلا والبيد
جمعه على السواجير لأنه جعل كل نهر يجتمع إلى الساجور مسمى بالساجور.
وتل باشر كانت قلعة للجوسلين الأرمني فعمرها وحصنها، وكان أهلها أرمن وخرج يوماً متنزهاً ومتصيداً في خف من أصحابه، فصادفه التركمان فأحاطوا به وبمن معه وحملوه إلى نور الدين، فأعطاهم عشرة ألاف دينار، وسير الأمير حسان المنبجي فتسلمها وذلك في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وصارت بعد ذلك للأمير بدر الدين دلدرم بن ياروق فحصنها وبناها وعمر فيها أبنية حسنة ومنازل مزخرفة، وسكنها المسلمون واتسع ربضها، وصار بها قاض ومنبر وخطيب.
في ذكر عين تاب
وهي قلعة حصينة كانت لجوسلين المذكور، فلما جرى عليه ما جرى، وصار في أسر نور الدين محمود رحمه الله، سار نور الدين إلا بلاده وقلاعه ففتحها ومن جملتها عين تاب، ورتب فيا الرجال والعدد والذخائر، وصارت إلى..... فعمرها وحصنها وصارت إلى ولده من بعده، فلما مات تسلمها أتابك طغرل الظاهري للملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، ثم أنه سلمها إلى الملك الصالح أحمد ابن الملك الظاهر، فسكنها وبنى بالقلعة آدراً حسنه وتنوع في زخرفتها بالرخام والذهب، وبنى أصحابه في الربض منازل سكنوها، وبنى فيها جوسقاً تنوق في بنائه ومنجوره وزخرفته بالرخام والذهب، وعمله في بستان كبير نصب فيه صنوفاً كثيرة من الفواكه، وصارت الأخشاب تحمل من بلاد الأرمن ومرعش إليها، وتباع بها وتنقل منها إلى البلاد وصار بها قاض ومنبر وخطيب.
في ذكر الراوندان
وهي قلعة صغيرة على رأس جبل عال منفرد في مكانه لا يحكم عليها منجنيق ولا يصل إليها نبل ولها ربض صغير في لحف جبلها وهي من أقوى القلاع وأحسن البقاع، ويحف بالقلعة واد من جهة الغرب والشمال هو كالخندق، وفيه نهر جار، وصعدت إلى هذه القلعة راكباً فوجدت مشقة عظيمة، لعلوها وضيق المسلك إليها.

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي عن مؤيد الدولة أسامة بن مرشد ابن علي بن منقذ قال: تل هراق والراوندان هذان المركزان من أعمال حلب وكان فيهما ولاة الملك رضوان بن تاج الدولة، فكان يلي تل هراق عزك بن الوزير أبي النجم، وكان الملك رضوان ينادمه ويضحك من حكاياته فشرب عنده ليلة فعربد عليه الملك رضوان وضربه، فخرج من المجلس وسار من حلب ووصل إلى شيزر وعليه آثار العربدة وعيناه مخضرتان، فحكى يوماً قال: بلغني أن بالراوندان أسارى أفرنج وقد وثبوا في حصنها وملكوه، فسرت من تل هراق إلى الراوندان نزلت عليه وراسلت الأفرنج الذين ملكوه وتلطفت في أمرهم إلى أن استقر أني أحلف لهم أنهم آمنون وأني أسيرهم إلى أنطاكية ويسلموا لي الحصن، فحلفت لهم، وخرجوا وأطلقتهم وتسلمت الحصن واعتقدت أنني قد خدمت الملك رضوان خدمةً يراها لي لاستخلاص الحصن مع قربه من الفرنج، فلما وصلت حلب بلغني أن الملك رضوان قال لما بلغه الخبر قد ضيع علي عزك ألف دينار ثمن الأسارى، فجلست من الغد في الدركاه والأمراء فيها مجتمعون وقلت: سمعت أن مولانا قال: ضيع علي عزك من ثمن الأسارى ألف دينار.....
ذكر المرزبان
واسمها الصحيح البرسمان
فغير، وغلب هذا الاسم عليها، ولها قلعة قد تشعثت وتهدمت، وهي قرية كبيرة وأهلها أرمن أهل ذمة، وكانت في يد قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي، فاستولى عليها نور الدين محمود بن زنكي وأخذها من يده، والسبب في ذلك أن الملك المسمى ذو النون بن الدانشمند كانت ملطيه وسيواس وغيرهما في يده، فضايقه قليج أرسلان وقوي عليه فأخذ بلاده من يده، فقصد نور الدين محمود بن زنكي وتعلق به، فأكرمه وأحسن إليه وشفع فيه إلى قليج أرسلان فلم يشفعه، فدخل إلى بلاده واستولى على البلاد الشامية منها مثل المرزبان وكيسوم ومرعش وبهسنى، وعجز قليج أرسلان عن مقاومته، وتحرك الفرنج بنواحي حمص فعاد نور الدين بسببهم.
ذكر بهسنى
وهي قلعة عظيمة حصينة مانعة، ولها ربض كبير يسكنه جماعة من المسلمين والأرمن، وبلدها بلد حسن كثير الخيرات، وبها قاض ومنبر وخطيب وحولها أنهار وبساتين كثيرة، وهي على تخم بلاد الروم الإسلامية وهي من جملة ما انتزعه نور الدين محمود بن زنكي من البلاد الشامية من يد قليج أرسلان للسبب الذي ذكرناه وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
ولما توفي الملك الظاهر غازي رحمه الله خرج ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو بن قليج أرسلان، فقصد بلاد الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر فافتتح منبج ورعبان والمرزبان، وكان قد نزل إليه الطنبغا الظاهري، وكان ببهسنى، فعصى على الملك العزيز وانضوى إلى كيكاوس وصار في عسكره، وفتح تل باشر من يد ولد دلدرم، فاستدعى أتابك طغرل الملك الأشرف موسى بن الملك العادل في سنة خمس وعشرة وستمائة، فوصل إلى حلب ودفع كيكاوس عنها على ما نذكره فيما يأتي من ترجمتهما إن شاء الله.
وعاد الطنبعا مع كيكاوس فطلب منه تسليم بهسنى فامتنع من ذلك، فأحضر تحت القلعة وعذب بأنواع العذاب، فأمر الولاة بها بالتسليم إليه، فلم يفعلوا، فمات تحت العقوبة، ورحل كيكاوس عنها وكان بها والدة الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر، وهي زوج الطنبغا وأولادها منه، فاتفق الأمر معها ومع ولاة بهسنى على أن عوضهم أتابك طغرل بقلعة عزاز ومواضع من بلدها، وتسلم منهم بهسنى للملك العزيز رحمه الله.
ذكر الشغر وبكاس
وهما قلعتان قويتان من أعمال حلب من النواحي الغربية، والشغر قلعة صغيرة قريبة من بكاس يعبر من أحديهما إلى الأخرى بجسر، وهما على جانب نهر الأرنط المعروف بالعاصي، ولبكاس نهر يخرج من تحتها، وهما في غاية المنعة والقوة.

وكانت هاتان القلعتان في يد الفرنج ففتحهما الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب رحمه الله على ما أخبرني به القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: وسرنا حتى أتينا بكاس، وهي قلعة حصينة على جانب العاصي، وكان النزول بذلك المنزل يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة، وكان المنزل على شاطئ العاصي، وصعد السلطان الملك الناصر إلى القلعة جريدة، وهي على جبل يطل على العاصي، فأحدق بها من كل جانب، وقاتلها قتالاً شديداً بالمنجنيقات والزحف المضايق إلى يوم الجمعة أيضاً تاسع جمادى الآخرة، ويسر الله فتحها عنوة، وأسر من فيها بعد قتل من قتل منهم، وغنم جميع ما كان فيها، وكان لها قليعة تسمى الشغر قريباً منها، يعبر إليها منها بجسر، وهي في غاية المنعة ليس إليها طريق، فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب، ورأوا أنهم لا ناصر لهم، فطلبوا الأمان وذلك في يوم الثلاثاء ثالث عشرة، وسألوا أن يؤخروا ثلاثة أيام لإستئذان من بأنطاكية يسر الله فتحها، فأذن في ذلك، وكان تمام فتحها وصعود العلم السلطاني على قلتها يوم الجمعة سادس عشرة.
ذكر حصن برزويه
والآن يعرف بحصن برزيه
وهو حصن منيع يضرب المثل بحصانته ومنعته فيقول الناس: كأنه في حصن برزيه، وكان الفرنج قد استولوا عليه ففتحه الملك الناصر يوسف بن أيوب من أيديهم كما أخبرني به شيخنا بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال بعد ذكر فتح بكاس: ثم سار السلطان رحمة الله عليه جريدة إلى قلعة برزيه وهي قلعة حصينة في غاية القوة والمنعة على سن جبل شاهق يضرب بها المثل في جميع بلاد الفرنج والمسلمين، يحيط بها أودية من سائر جوانبها، وذرع علو قلتها فكان خمسمائة ذراع ونيفاً وسبعين ذراعاً، ثم حرر عزمه على حصارها بعد رؤيتها، واستدعى الثقل، فكان وصول الثقل وبقية العسكر يوم السبت رابع عشري جمادى الآخرة، ونزل الثقل تحت جبلها، وفي بكرة الأحد خامس وعشرين منه صعد السلطان رحمه الله جريدة مع المقاتلة والمنجنيقات وآلات الحصار إلى الجبل، فأحدق بالقلعة من سائر نواحيها، وركب القتال عليها من كل جانب وضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة الضرب ليلاً ونهاراً، وقاتلها فقسم العسكر ثلاثة أقسام، كل قسم يقاتل شطراً من النهار ثم يستريح، وضرس الناس من القتال وتراجعوا عنه، وتسلم النوبة الثانية السلطان رحمه الله بنفسه وركب وتحرك خطوات عدة وصاح في الناس فحملوا عليها حملة الرجل الواحد، وصاحوا صيحة الرجل الواحد وقصدوا السور من كل جانب فلم يكن إلا بعض ساعة وقد رقى الناس على الأسوار وهجموا القلعة واستغاثوا الأمان، وقد تمكنت الأيدي منهم فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، ونهب جميع ما فيها وأسر جميع من كان فيها، وكان قد أوى إليها خلق عظيم، وكانت من قلاعهم المذكورة.
قلت وقد بقي حصون لحلب وأعمالها خربت بالكلية وأمحي رسمها وبقي اسمها مثل زردنا من بلد الجزر والأثارب، وقد خرج منها بعض الرواة، وكفر لاثا من جبل بني عليم وغيرها لم أذكرها لعدم الفائدة في ذكرها.
فإن جاء في أثناء كتابنا هذا ذكر لشيء منها أو اسم ينسب إلى شيء منها نبهت عليه في موضعه، وكذلك لها حصون صغيرة وليست مشهورة ولا مذكورة لم أذكرها خوفاً من الإطالة، وتحامياً عما يفضي إلى الملاله.
باب في ذكر عربسوس
وهي مدينة قد ذكر أنها من ثغور الشام، وبعضهم لم يثبتها فيها لأنها من وراء الدرب داخلة في بلاد الروم، ولهذا أخرت ذكرها لوقوع الإختلاف في كونها من الثغور الشامية، ولم أر إسقاط ذكرها بالكلية لأنه قد نقل أنها منها، ويقال لها أبسس وأفسس وأرب سوس وعربسوس، وهي مدينة دقيانوس، ودخلت هذه المدينة وقد اجتزت إلى زيارة أصحاب الكهف، وهم في جبل قريب منها، والمدينة قد خربت أسوارها وبقيت آثارها وبعض حيطانها قائم وبعضها قد هدمه الهادم، وبها الآن سكان من الأرمن وأسواق دائرة، والناحية المسكونة من هذه المدينة قرية عامرة.
وذكر يحيى بن معين في التاريخ قال الأصمعي: سألت عبد الملك بن صالح عن عذب سوس، فقال: إنما هي عرب سوس قرية من قرى الشام أنا بها عارف.

وذكر ابن خرداذ به أن أصحاب الرقيم في عمل من أعمال الروم يسمى ترقسيس وفيه من الحصون أفسيس في رستاق الأواسي، وهي مدينة أصحاب الكهف وذكر أنه قد قرئ في مسجدهم كتاباً بالعربية بدخول مسلمة بلاد الروم.
كتب إلينا أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج بن علي الحصري من مكة شرفها الله أن أبا عبد الله محمد بن العباس بن عبد الحميد الحراني أخبرهم قال: أخبرنا النقيب أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن بن البادا قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحق الخراساني قال: أخبرنا عم أبي علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسان عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب استعمل عمير بن سعيد أو سعد، شك أبو عبيد، على طائفة من الشام، فقدم عليه قدمةً فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها عرب سوس وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئاً، ولا يظهرونا على عوراتنا، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرنهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين، فإن رضوا بذلك فأعطهم وخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم، وأجلهم سنة ثم خربها، فقال: إكتب لي عهداً بذلك، فكتب له عهداً، فلما قدم عمير عليهم عرض عليهم ذلك، فأبوا فأجلهم سنة ثم أخربها.
قال أبو عبيد فهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال عرب سوس وهي معروفة هناك، وقد كان لهم عهد فصاروا إلى هذا، وإنما عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء وأن يعطوا الضعف من أموالهم لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك إلا القتال والمحاربة.
وقد وقع في غير هذه الرواية عن طراد قال: أخبرنا أبو الحسن بن البادا قال: أخبرنا أبو علي حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز أخبرنا بذلك أبو إسحق إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي وأبو الفرج عبد الرحمن ابن نجم بن عبد الوهاب الحنبليان فيما أجازاه لي، وقد سمعت من كل واحد منهما بدمشق قالا: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الآبري قالت: أخبرنا النقيب أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسن المعروف بابن البادا قال: أخبرنا أبو علي حامد بن أحمد الهروي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز البغوي قال: أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام فذكره بإسناده مثله، وإنما وقع الإختلاف من أبي الحسن بن البادا لأن أبا علي الهروي المذكور في هذا الإسناد الثاني وأبا محمد الخراساني المذكور في الإسناد الأول لأبي عبيد الذي هذا الحديث منه عن علي ابن عبد العزيز، وسمعه أبو الحسن بن البادا عنهما جميعاً ورواه لطراد الزينبي عنهما فرواه طراد عن ابن البادا عن أبي علي، ومرة عن ابن البادا عن أبي محمد والله أعلم.
وعمير المذكور في الحديث هو عمير بن سعد بن شهيد بن قيس بن النعمان الأوسي الأنصاري ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص وقنسرين، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنذكره في حرف العين في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.

أنبأنا عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي الحسن علي بن المسلم السلمي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو نصر بن الجندي قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي العقب قال: أخبرنا أبو عبد الملك القرشي قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: حدثنا غير واحد ممن سمع هشام بن حسان أن محمد بن سيرين حدثه أن عمير بن سعد كان يعجب عمر بن الخطاب، فكان من عجبه به يسميه نسيج وحده، وبعثه مرة على جيش من قبل الشام فقدم مرة وافداً فقال: يا أمير المؤمنين إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها عرب السوس يطلعون عدونا على عوراتنا ويفعلون ويفعلون، فقال عمر: إذا أتيتهم فخيرهم أن ينتقلوا من مدينتهم إلى كذا وكذا، وتعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين ومكان كل شيء شيئين، فإن فعلوا فأعطهم ذلك، وإن أبوا فانبذ إليهم، ثم أجلهم سنة، فقال: يا أمير المؤمنين اكتب لي عهدك بذلك، فكتب له عهده، فأرسل إليهم فعرض عليهم ما أمره به أمير المؤمنين، فأبوا فأجلهم سنة، ثم نابذهم، فقيل لعمر: إن عمير قد خرب عرب السوس وفعل وفعل، فتغيظ عليه عمر، ثم إنه قدم بعد ذلك وافداً ومعه رهط من أصحابه، فلما قدم عليه علاه بالدرة، وقال: خربت عرب السوس، وهو ساكت لا يقول له شيئاً، ثم قال لأصحابه: مبرنسين مبرنسين ضعوا برانسكم، قال عمير برانسكم ثكلتكم أمهاتكم، إنكم والله ما أنتم بهم، فوضعوا برانسهم، فقال عمر: معممين معممين ضعوا عمائمكم، قال عمير: ضعوا عمائمكم فإنا والله ما نحن بهم، فقال مكممين مكممين ضعوا كمائمكم، فقال عمير: ضعوا كمائكم فإذا عليهم جمام، فقال عمر أما والله الذي لا إله إلا هو لو وجدتكم محلقين لرفعت بكم الخشب؛ ثم إن عمر دخل على أهله فاستأذن عليه عمير، فدخل فقال: يا أمير المؤمنين إقرأ عهدك إلي في عرب السوس، فقال عمر: رحمك الله فهلا قلت لي ذلك وأنا أضربك، قال كرهت أوبخك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: غفر الله لك، ولكن غيرك لو كان.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم ابن علي بن الحسن قال: أنبأنا الفقيه أبو الحسن السلمي، وأخبرنا أبي عنه قال: حدثنا علي بن محمد الفقيه قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هرون قال: أخبرنا علي بن يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرني أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عائذ قال: قال الوليد: ورأيت خلف درب الحدث مدينة حين أشرفنا على قباقب ناحيةً، فسألت عنها مشيخة من أهل قنسرين فقالوا: هذا عرب السوس مدينة أنسطاس التي غدرت، فأتاها عمير بن سعد، فقاتلهم وخربها، فهي خراب إلى اليوم.
وقريب من هذه المدينة جبل فيه الكهف الذي ذكره الله في كتابه، وجاء في التفسير أن عربسوس هي المدينة التي قال الله تعالى فيما قصه في كتابه الكريم: " فابعثوا بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف " .
وزرت هذا الموضوع فوجدته على الصفة التي أخبر الله تعالى في كتابه الكريم: " وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه " وقد بني على الموضع بناء عظيم حسن واسع لمن يقصده من الزوار، ووقف عليه وقف، ورتب لهم ضيافة بناه صاحب مرعش.
وأنبأنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر الحافظ عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومدينة أصحاب الكهف من عمل الروم في رستاق الأواسي، والكهف في جبل بانجلوس، وقرئ في مسجدهم كتاب بالعربية: يدخل مسلمة بلاد الروم، ويفتح أربع حصون.
باب في
ذكر فضائل الشام
ولحلب وبلادها منها أوقر الأقسام
وقد ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقي في تاريخ دمشق من فضله ما كفى، وأورد في ذلك من الأحاديث والآثار ما أشبع القول فيه وشفى، فإنه أطال فيما ذكره وأطنب، وأكثر النقل فيما أورده وأسهب، ومد عنان قلمه فيما سطره وأطلقه وأوسع المجال في كل حديث أسنده وبين طرقه، فاكتفينا بما نقله وأورده، واستغنينا بما رواه في فضل الشام وأسنده، إلا إنا لم نر اخلاء كتابنا هذا عن ايراد شيء من فضله، ولا استحسنا ترك التنبيه على ما ورد فيه وفي أهله، فاقتصرنا من ذلك على القليل، واكتفينا بالاشارة إلى وجه الدليل.

أخبرنا الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب بقراءتي عليه بقلعة حلب حماها الله، والقاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن الشيرازي، وولده أبو المعالي أحمد، قراءة عليهما بدمشق، قالوا: أخبرنا القاضي أبو المجد الفضل بن الحسين بن إبراهيم البانياسي قال: أخبرنا الاخوان أبو الحسن وأبو الفضل ابنا الحسين الموازيني قالا: أخبرنا أبو عبد الله بن سلوان قال: أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر التميمي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم الهاشمي قال: حدثنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي ادريس الخولاني عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنكم ستجندون أجناداً: جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن فقال الحوالي: خر لي يا رسول، قال: عليكم بالشام، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليسق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله. فكان أبو ادريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث التفت إلى ابن عامر فقال: من تكفل الله به، فلا ضيعة عليه.
وقد روي من طريق آخر أن ابن حواله كان يقول ذلك، أخبرناه أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي أبو القاسم بن أبي محمد، الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن عقيل بن محمد بن رافع الفارسي البزاز الدمشقي ببغداد، وبدمشق، قال: أخبرنا أبي أبو الفضل.
وقال الحافظ أبو القاسم: وأخبرناه أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ببغداد قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن إبراهيم بن كبيبة النجار.
قال أبو القاسم: وأخبرناه أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر قال: أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم بن الحنائي قالوا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن يحيى القطان قراءة عليه، ونحن نسمع قال: أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي وعقبة بن علقمة قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني مكحول عن أبي ادريس الخولاني عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستجندون أجناداً، جنداً في الشام، وجنداً في العراق، وجنداً باليمن قال: قلت: يا رسول الله خرلي، قال: عليكم بالشام، فمن أبى، فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله. قال سعيد: وكان ابن حوالة رجلاً من الأزد، وكان مسكنه الأردن، وكان إذا حدث بهذا الحديث قال: وما تكفل الله به، فلا ضيعة عليه.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد الشافعي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن ابن إبراهيم الداراني قال: أخبرنا أبو الفرج سهل ابن بشر بن أحمد الاسفراييني قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد ابن الطفال قال: أخبرنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي قال: حدثنا موسى بن هرون قال: حدثنا أبو طالب قال: حدثنا بقيه بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي قتيلة عن ابن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيصير الأمر إلى أن يكون جنوداً مجندة، جنداً بالشام، وجنداً باليمن، وجنداً بالعراق. فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك، فقال: عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليه خيرته من عباده، فإن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف الصوفي بالبيت المقدس قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي وأخبرنا أبو اسحق إبراهيم بن عثمان الكاشغري قال: أخبرنا أبو الفتح بن البطي، وأبو المظفر الكاغدي، قال أبو الفتح: أخبرنا ابن خيرون، وقال الكاغدي: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي، قالا أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا ابن درستويه قال: حدثنا يعقوب الفسوي قال: حدثنا يزيد ابن مهران قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن داود بن أبي يزيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول الناس هلاكاً فارس، ثم العرب، وسائر الناس ها هنا. وأشار بيده إلى الشام.

أخبرنا أبو منصور الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان الأزدي بدمشق قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى بن السمسار قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مروان قال: أخبرنا أبو عبد الملك قال: حدثنا محمد بن أبي السري قال: حدثنا فضاله بن حصين قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستخرج نار من حضرموت، فتسوق الناس إلى المحشر، تقيل إذا قالوا، وتسير إذا ساروا: قالوا: يا رسول الله فما تأمر من أدرك ذلك منا؟ قال: عليكم بالشام.
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا أبو القاسم قال: وأخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي قال: أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن اسحق ابن محمد بن يحيى بن منده قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا جمح بن القاسم بن عبد الوهاب بن أبان بن خلف المؤذن بدمشق قال: حدثنا أحمد بن بشر بن حبيب الصوري قال: حدثنا عبد الحميد بن بكار قال: حدثنا عقبة بن علقمة قال: حدثنا الأوزاعي عن عطية بن قيس عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أريت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فذهب به إلى الشام، فأولته الملك.
أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد اللطيف بن الحسين بن علي بن خطاب الدينوري - عرف بابن الحسمي - ببغداد قال: أخبرنا أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن شاتيل قال: أخبرنا الحاجب أبو الحسن بن العلاف قال: أخبرنا أبو القاسم ابن بشران قال: أخبرنا أبو بكر النجار قال: حدثنا أبو الليث يزيد بن جمهور بطرسوس قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع عن يحيى بن حمزة عن ثور بن زيد عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عائذ الله، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم رأيت عمود الاسلام احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام ألا وأن الايمان حين تقع الفتن بالشام.
أخبرنا ثابت بن مشرف بن أبي سعد قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى قال: أخبرنا أبو الحسن الداؤدي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حموية السرخسي قال: أخبرنا عيسى بن عمر السمرقندي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: أخبرنا زيد بن عوف قال: حدثنا أبو عوانه عن عبد الملك بن عمير عن ذكوان أبي صالح، عن كعب: في السطر الأول محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبه، وملكه بالشام.
وفي السطر الثاني محمد رسول الله، أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل.
وقال أبو محمد الدارمي: أخبرنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا معن - هو ابن عيسى - قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي فروة عن ابن عباس أنه سأل كعب الأحبار، كيف تجد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وذكر تمام الحديث.
أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي مسعود الأصبهاني قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا الحسين بن إسحق قال: حدثنا مخلد ابن مالك قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: صفوة الله من أرضه الشام، وفيها صفوته من خلقه وعباده، وليدخلن الجنة من أمتي ثلة لا حساب عليهم ولا عذاب.

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم قال: أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للشام. قلنا لأي شيء ذاك؟ قال: لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم.
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي.
وأنبأنا به عمر بن محمد بن طبرزد عن ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن حمزة قال: حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة الحضرمي من أهل حمص أن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي قالا: إن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان: لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال من أمتي عصابة قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداء الله، كلما ذهب حزب نشب حزب قوم آخرين، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منه، حتى تأتيهم الساعة كأنها قطع الليل المظلم، فيفزعون لذلك حتى يلبسوا لذلك الدروع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أهل الشام. ونكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصبعه يومىء بها إلى الشام، حتى أوجعها. رواه البخاري في التاريخ عن عبد الله بن يوسف.
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي الحافظ قال: أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبد الله عن عبدان قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد قال: أخبرنا أبو الوليد الحسن بن محمد الدربندي قال: أخبرنا أبو نصر أحمد بن المظفر بن محمد الموصلي بها قال: حدثنا عبد الله بن حيان بن عبد العزيز بن حيان قال: حدثنا الحسن بن علوية القطان قال: حدثنا إبراهيم بن يزيد بن مصعب الشامي قال: حدثنا ابن خليد الدمشقي عن الوضين عن عطاء عن مكحول عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام، وواحد في سائر البلدان؛ والشر عشرة أعشار، واحد بالشام، وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم.
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: قرأت بخط شيخنا أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام الخطيب قال: قرأت بخط عبد الله بن علي بن أبي العجائز الأزدي حدثنا علي بن محمد بن أبي سليمان الصوري قال: حدثنا يزيد ابن عبد الصمد الدمشقي عن سلمة بن أحمد قال: حدثنا إسحق بن عبد الواحد القرشي الموصلي قال: حدثنا عمرو بن رزيق - وهو موصلي - عن ثور بن يزيد عن حفص بن بلال بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقعت الفتن فهاجروا إلى الشام، فإنها من الله بمنظر وهي أرض المحشر.
أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي قال: أخبرنا أبو مسلم المؤيد بن عبد الرحيم بن الأخوة وصاحبته عين الشمس قالا: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي الأصبهاني - قالت إجازة - .
وأنبأنا أبو القاسم القاضي عن أبي الفرج بن أبي الرجاء.

وأخبرنا أبو منصور الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي محمد قال: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الأصبهاني بها قال: أخبرنا أحمد بن محمود الثقفي ومنصور بن الحسين الكاتب قالا: أخبرنا أبو بكر بن المقريء قال: حدثنا محمد بن علي الحسن بن حرب، قاضي الطبرية، بطبرية قال: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الأقطع قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - قال حدثنا زياد بن بيان حدثنا سالم عن عبد الله بن عمر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الفجر ثم انفتل، فأقبل على القوم فقال: اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا. فقل رجل: والعراق يا رسول الله، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال الرجل: والعراق يا رسول اله، فسكت ثم قال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا. فقال رجل: والعراق يا رسول الله، قال: ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن.
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: أخبرنا أبو الفضائل ناصر بن علي بن محمود قال: حدثنا علي بن أحمد بن زهير قال: حدثنا علي بن أحمد بن شجاع قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن بيهس بمصر قال: حدثنا أحمد بن ثابت بن زيد قال: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن المغيرة قال: حدثنا يحيى بن سعيد العطار قال: حدثنا علي بن همام عن كعب قال: جاء إليه رجل فقال: إني أريد الخروج أبتغي فضل الله عز وجل قال: عليك بالشام فإنه ما نقص من بركة الأرضين يزاد في الشام.
وأخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي قال: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن طاووس وأبو القاسم الحسين بن أحمد بن عبد الصمد بن تميم وأبو إسحق إبراهيم بن طاهر بن علي بن بركات الخشوعي قالوا: أخبرنا الفقيه أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جرير بن أحمد بن خميس السلماسي قال: حدثنا أبو الحسن المظفر بن الحسن قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصاء قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن عثمان بن كثير قال: حدثنا أبو المغيره قال: حدثني الغاز بن جبلة قال: حدثني الوليد بن عامر البرقي عن كعب أنه كان يقول: يا أهل الشام إن الناس يريدون أن يضعوكم، والله يرفعكم وإن الله يتعاهدكم كما يتعاهد الرجل نبله في كنانته، لأنها أحب أرضه إليه، يسكنها أحب خلقه إليه، من دخلها محروم، ومن خرج منها مغبون.
أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي بالربوة بظاهر دمشق قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل - إجازة - قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن زهير المالكي قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن شجاع الربعي المالكي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن نصر بن محمد الشيباني قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن بهيس بمصر قال: حدثنا علي بن الحسين بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن إسحق الصيني قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار قال: حدثنا المسعودي عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله جل وعز على بعض الأنبياء: إن الله يقول: الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم.
أخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد قراءة عليه قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله ابن محمد بن الحصين قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال: حدثنا إسحق بن الحسن قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان في قول الله عز وجل: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها. قال الشام.

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم قال: أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي الصوري، ونقلته من خطه، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا علي بن إبراهيم البزاز بالبصرة قال: حدثنا أبو بكر يزيد بن إسماعيل بن عمر الخلال قال: حدثنا العباس بن عبد الله ابن أبي عيسى الترفقي قال: حدثنا محمد بن كثير المصيصي عن إسماعيل بن خالد عن محمد بن عمرو - أو عمر - شك أو محمد - يعني العباس - قال ابن كثير: وأراني قد سمعته منه - عن وهب بن منبه قال: إني لأجد ترداد الشام في الكتب حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام.
أنبأنا الأخوان أبو محمد عبد الرحمن وأبو العباس أحمد ابنا عبد الله بن علوان عن مسعود الثقفي قال: أخبرنا عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق قال: قرىء على أبي بكر محمد بن أحمد بن النضر ابن بنت معاوية بن عمرو: حدثنا معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي عن إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري عن الأوزاعي عن ثابت بن معبد قال: قال الله تعالى: يا شام أنت خِيرتي من بلدي أُسكنك خيرتي من عبادي.
أخبرنا قاضي القضاة بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر بن محمد بن علي الجياني قال: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي المفسر قال: قوله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة قال قتادة هي الشام.
باب في
ذكر قويق نهر حلب
ومخرجه وما ورد فيه
وله مخرجان شاهدتهما، وبين حلب وبينهما أربعة وعشرون ميلاً، أحدهما في قرية يقال لها الحسينية، بالقرب من عزاز، يخرج الماء من عين كبيرة، فيجري فيه نهر، ويخرج بين جبلين حتى يقع في الوطاة التي قبلي الجبل الممتد من بلد عزاز شرقاً وغرباً، والمخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سنياب، ومن قرى حولها كلها من بلد الراوندان، فتجتمع تلك الأعين وتجري في نهر يخرج من فم فج سنياب، فيقع في الوطاة المذكورة، ويجتمع النهران فيصيران نهراً واحداً في بلد عزاز، وهو نهر قويق، ثم يجري إلى دابق ويمر بدينة حلب، وتمده عيون قبل وصوله إليها، وكذلك بعد أن يتجاوز حلب، وتمده عين المباركة فيقوى وتدور عليه الأرحاء، ويسقي في طريقه مواضع كثيرة حتى ينتهي إلى قنسرين، ثم يمر إلى المطخ، فيغيض في الأجم.
وحكى لي والدي رحمه الله قال: يقال إن نهر يغيض في المطخ، ويخرج إلى بحيرة أفامية، وأن قويق إذا مد في الشتاء احمر ماء بحيرة أفامية، فاستدلوا بذلك على ما ذكرناه.
ومسافة ما بين مغيضه إلى أفامية مقدار أربعة عشر ميلاً.
وقال أبو زيد البلخي في تاريخه: ومخرج نهر حلب من حدود دابق، دون حلب بثمانية عشر ميلاً، ويغيض في أجمة أسفل حلب.
وقال ابن حوق النصيبي في جغرافيا وقد ذكر حلب: ولها واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه، وفيه قليل طفس.
وذكر الحسن بن أحمد المهلبي العزيزي في كتاب المسالك والممالك، الذي صنفه للعزيز الفاطمي المستولي على مصر، فذكر حلب بما قدمنا ذكره في صدر كتابنا هذا وقال: وشرب أهل حلب من نهر على باب المدينة يعرف بقويق، ويكنيه أهل الخلاعة أبا الحسن.
وقال أبو الحسين بن المنادي في كتابه المسمى بالحافظ، وأنبأنا بذلك أبو القاسم الحموي قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي إجازة عن أحمد بن محمد الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي قال: ومخرج قويق - نهر حلب - من قرية تدعى سنياب على سبعة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب، ثمانية عشر ميلاً، ثم إلى مدينة قنسرين اثنا عشر ميلاً، ثم إلى مرج الأحمر اثنا عشر ميلاً، ثم يغيض في الأجمة، فمن مخرجه إلى مغيضه مقدار اثنين وأربعين ميلاً.
وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني في كتابه قال: ويخرج قويق - نهر حلب - من قرية تدعى سنياب، على سبعة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب ستة عشر ميلاً، ثم إلى مدينة قنسرين اثنا عشر ميلاً، ثم إلى مرج الأحمر اثنا عشر ميلاً، ثم يغيض في الأجمة.

وقال أحمد بن محمد بن إسحق الهمذاني المعروف بابن الفقيه فيما قرأته في كتاب البلدان وأخبارها من تأليفه قال: مخرج قويق - نهر حلب - من قرية تدعى بسنياب على ستة أميال من دابق، ثم يمر إلى حلب ثمانية عشر ميلاً، ثم يمر إلى مدينة قنسرين إثنا عشر ميلاً، ثم يغيض في الأجمة؛ فمن مخرجه إلى مغيضه اثنان وأربعون ميلاً.
قلت وهذا مرج الأحمر هو المرج المعروف الآن بمرج تل السلطان، ولا يعرف الآن بمرج الأحمر؛ ويعرف قويق تحت جبل جوشن بالعوجان، لاعوجاجه في ذلك الموضع.
قال الصنوبري من أبيات:
والعوجان الذي كلفتُ به ... قد سُوّي الحُسن فيه مذعُوّج
وقال أبو نصر منصور بن المسلم بن أبي الخرجين الحلبي من أبيات:
هل العوجان العمر صاف لوارد ... وهل خضبته بالخلوق مُدُود
وكان سيف الدولة بن حمدان لما ابتنى قصره بالحلبة ساق نهر قويق من الموضع المعروف بالسقايات وأدخله في قصره في شباك يجري في القصر، ثم يخرج من جانبه القبلي في شباك آخر، ثم يصب في النهر الأصلي عند الموضع المعروف بالفيض؛ وكان قد رأى في منامه كأن حية قد تطوقت على داره، فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ماء، فأمر بحفر يحفر بين داره، وبين قويق حتى أدار الماء حول الدار، وقضى الله أن الروم خرجوا، فصبحوا حلب، واستولوا على دار سيف الدوله، وأخذوا منها أموالاً عظيمة، وذلك في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وخربت الدار، فعاد النهر إلى ما هو عليه الآن.
أخبرنا تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن الدمشقي كتابة، واجتمعت به في مجلس شيخنا أبي اليمن الكندي بدمشق قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد ابن مقاتل السوسي قال: أخبرنا جدي أبو محمد قال: حدثنا أبو علي الأهوزي قال: حدثنا أبو القاسم حمزة بن عبد الله بن الحسين الأديب قال: حدثنا أبو نصر محمد بن محمد بن عمرو النيسابوري حدثني يحيى بن علي بن هاشم قال: حدثنا عبد الملك بن دليل قال: حدثنا عباس الحذاء عن سعيد بن إسحق الدمشقي في قول الله عز وجل: " إِذ يلقون أقلامهم أيهم يَكْفُل مريم " على نهر حلب يقال له قويق.
وقد ذكر قويق جماعة من الشعراء، ووصفوه، فمنهم الوزير أبو القاسم الحسين بن علي المغربي قال فيه، وقرأتها في ديوان شعره:
أما قُويق فلا عدته مزنةٌ ... من خدرها برز الغمام الصيب
نهر لأبناء الصبابة معشق ... فيه وللصادي المُلوّح مشرب
لا زال يدرم تحت وسق مُكلٍّ ... عمم يقدح منكبيه وينكب
مما تمناه الربيع لريه ... أيام ظم رياضه لا تُقربُ
فرد الرباب يقول شائمُ برقه ... من أين رفع ذا الفريق المهدب
والغيث في كلل السحاب كأنه ... ملكٌ بقاصية الرواق محجب
ضخب الرعود وإنما هي ألسنٌ ... فأمرهن اللوذعي المسهب
راعي الضحى في حين غرة أمنه ... فسناه مخطوف الاضاءة أكهب
جذلان إن هتك اللثام بداله ... خد بحادي البوارق مُذهب
والأرض حاسرة تود لو أنها ... مما يحبره الربيع تجلببُ
وقال أبو بكر أحمد بن محمد الصنوبري وقد أنشدنا بعض قوله القاضي أبو القاسم بن محمد قاضي دمشق بها قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن المسلم السلمي قال: أخبرنا أبو نصر الحسين بن محمد بن طلاب قال: أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن جميع قال: أنشدني أبو بكر الصنوبري.
قويق له عهد لدينا وميثاق ... وهذي العهود والمواثيق أطواقُ
نفى الخوف أنا لا غريق نرى له ... فنحن على أمن وذا الأمن أرزاقُ
ونزهه ألا سفينة تمتطي ... مطاه لها وخدٌ عليه وإعناقُ
وأن ليس تعتاق التماسيح شربه ... إذا اعتاق شرب النيل منهن معتاقُ
ولا فيه سلور ولو كان لم أكن ... أرى أنه إلا حميم وغساقُ
بلى تعلن التسبيح في جنباته ... علاجم بالتسبيح مذ كن حذاقُ

أقامت به الحيتان سوقاً ولم تزل ... تقام على شطيه للطير أسواقُ
وسربل بالأرجاء مثنى وموحداً ... كما سربلت غصناً من البان أوراق
وفاضت عيون من نواحيه ذرف ... ولما تعاونها جفون وآماقُ
هو الماء إن يوصف بكنه صفاته ... فللماء إغضاء لديه وإطراقُ
ففي اللون بلور وفي اللمع لؤلؤ ... وفي الطيب قنديد وفي النفع درياق
إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه ... وقد لاح وجهٌ منه أبيض براق
فطوراً عليه منه درعٌ خفيفةٌ ... وطوراً عليه جوشُن منه رقراقُ
ولم يعده نيلوفر مُتشوّف ... بأرؤس تبر والزبرجد أعناقُ
له ورقٌ يعلو على الماء مُطبقٌ ... كأطباق مدهون يليهن أطباقُ
يهاب قويق أن يُملّ فإنما ... يُقيم زماناً ثم يمضي فنشتاقُ
وقد عابه قومُ وكلهمُ له ... على ما تعاطوه من العيب عشّاقُ
وقالوا أليس الصيف يُبلي لباسه ... فقلتُ الفتى في الصيف يُقنعهُ طاقُ
وما الصُبح إلاّ آيبٌ ثم غائبٌ ... تُواريه آفاق وتُبديه آفاقُ
ولا البدرُ إلاّ زائدٌ ثم ناقصٌ ... له في تمام الشهر حبس وإطلاقُ
ولو لم تطاول غيبةُ الورد لم تتُق ... إليه قلوبٌ تائقاتٌ وأحداقُ
ولو دام في الحب الوصالُ ولم يكن ... فراقٌ ولا هجرٌ لما اشتاق مشتاقُ
وفضلُ الغنى لا يستُبينُ لذي الغنى ... إذا لم يبين ذلك الفضل إملاقُ
قُويق رسيل الغيث يأتي وينقضي ... ويأتي انسياقاً تارة ثم ينساقُ
قرأت هذه الأبيات بخط أحمد بن خلف الممنع وقال: قال القاضي أبو عمر عثمان بن عبد الله الطرسوسي: حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبيد الله الصفري قال: وأنشدني - يعني الصنوبري لنفسه يصف قويقاً ويحن له، وهذا مما أبدع فيه.
وقال الصنوبري أيضاً في قويق وقد مد:
اليوم يا هاشمي يوم ... لباسه الطلُّ والضبابُ
عيّد في عيدنا قويق ... وخلقت وجهه السحاب
ما لون الزعفران ما قد ... لوّن من مائه الترابُ
تذهب أمواجه كخيل ... شقرً لها وسطه ذهابُ
فبادر الشرب قبل فوت ... قد برد الماءُ والشرابُ
وقال الصنوبري أيضاً فيه:
رياض قويق لا تزال مروضه ... يجاور فيها أحمر اللون أبيضه
يعارضنا كافوره كل شارق ... إذا ما الصبا مرت به متعرضه
لدى العوجان المستفادة عنده ... مغان على حث الكؤوس محرضه
إذا ما طفا النيلوفر الغض فوقه ... مفتحة أجفنانه أو مغمضة
حسبت نجوماً مذهبات تتابعت ... فرادى ومثنى في سماء مفضضه
أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو الموصلي المعروف بابن دهن الخصا النحوي بقراءتي عليه قال: أنشدنا الخطيب بالموصل - أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن الطوسي - قال: أنشدنا الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اجازة قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه من أبيات كتب بها إلى ابن حلبات المعري.
ونكب إلاّ عن قويق كأنه ... يظن سواه زائداً في أوامه
بعيس تقضي الدهر جرياً كأنها ... مفتشة أحشاءه عن كرامه
تذكرن من ماء العواصم شربة ... وزرق العوالي دون زرق جمامه
فلو نطق الماء النمير مسلماً ... عليهن لم يرددن رجع سلامه
وملتثم بالغلفق الجعد عرست ... عليه فلم تكشف خفي لثامه
وكم بين ريف الشام والكرخ منهلاً ... موارده ممزوجة بسمامه
وأنشدنا الحسن بن عمر وقال: أنشدنا أبو الفضل الخطيب قال: أنشدنا أبو زكريا التبريزي في كتابه قال: أنشدنا أبو العلاء المعري لنفسه، وقالها وهو ببغداد.

طربن لضوء البارق المُتعالي ... ببغداد وهناً مالهنّ ومالي
سمت نحوه الأبصار حتى كأنها ... بناريه من هنا وثم صوال
إذا طال عنها سرها لورؤوسها ... تُمدُّ إليه في صدور عوال
تمنت قويقاً والصراة حيالها ... ترابٌ لها من أينق وجمال
إذا لاح إيماضٌ سترت وجوهها ... كأني عمرو والمطيُّ سعال
وكم هو نضوٌ أن يطير مع الصبا ... إلى الشام لولا حبسه بعقال
أنشدني أبو نصر محمد بن محمد بن إبراهيم بن الخضر الحلبي لنفسه بدمشق
ما بردى عندي ولا دجلة ... ولا مجاري النيل في مصر
أحسن مرأى من قويقٍ إذا ... أقبل في المدّ وفي الجزر
يا لهفتا منه على جرعةٍ ... تبُلُّ مني غلة الصدر
ومما قاله الصنوبري في قويق:
أما قويقٌ فارتدى بمُعصفرٍ ... شرق بحُمرته الغداة بياضهُ
فكأنما فيما اكتسى من صبغه ... نفضت شقائقها عليه رياضهُ
هذا يصف قويق، وقد مد في الشتاء واحمر لون مائه، ولا أعلم نهراً إذا مد يكون أشده حمرة من ماء قويق، لأن السيول التي تسيل عليه تمر في البقاع التي في بلد اعزاز إلى حلب، وترابها كلها أحمر شديد الحمرة، فيحمر الماء لذلك، ويكتسي لوناً حسن المنظر.
وقال الصنوبري في قويق:
قويق على الصفراء رُكبّ جسمه ... رُباه بهذا شُهّدٌ وحدائقه
فإن جد جد الصيف غادر جسمه ... ضئيلاً ولكن الشتاء يوافقه
يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنحل أجسامهم في الصيف، ويوافقهم الشتاء، ويريد أن قويق يقل ماؤه في الصيف، وهو كذلك لأن النهر يبقى حول المدينة كالساقية، لأن أهل القرى يسقون من مائه، والذي يصل منه إلى حيلان يتقسمه أرباب البساتين الشمالية يسقونها منه، فيقل ماؤه لذلك، وربما انقطع في بعض السنين بالكلية لذلك، ولهذا قال ابن حوقل فيما حكيناه: وفيه قليل طفس. ثم يزداد قبلي مدينة حلب من عين المباركة، وتدور الارحاء منها.
وللصنوبري أبيات يصف فيها قلة ماء قويق في الصيف أنشدني بعضها والدي رحمه الله.
قويق إذا شم ريح الشتاء ... أظهر تيهاً وكبراً عجيباً
وناسب دجلة والنيل وال ... فرات بهاء وحسناً وطيبا
وإن أقبل الصيف أبصرتهُ ... ذليلاً حقيراً حزيناً كئيباً
إذا ما الضفادع نادينه ... قويقُ قويقُ أبى أن يُجيبا
فيأوين منه بقايا كُسين ... من طحلت الصيف ثوباً قشيباً
وتمشي الجرادة فيه فلا ... تكاد قوائمها أن تغيبا
أنشدني والدي رحمه الله:
تخوض الجرادة فيه فلا ... تكاد قوائمها أن تغيبا
وقال الصنوبري أيضاً في المعنى:
قويق إذا شم ريح الشتاء ... تشم الخلافة من جيبه
وفي الصيف وغد متى عبته ... فلست ملوماً على عيبه
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
باب في
ذكر الفرات
ومخرجه ومعرفة من حضره وما ورد في فضله
وإنما ذكرناه لأنه يمر في عمل حلب من حد ملطية إلى أن يتجاوز الرقة، وقد ذكرنا فيما أوردناه في صدر كتابنا هذا عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش فيدل ذلك على دخوله في حد حلب، والفرات بالتاء، هذا هو المعروف بالمنقول.
وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها أبو المظفر إبراهيم ابن أحمد الليث الأذري إلى الكيا أبي الفتح الحسن بن عبد الله بن صالح الأصبهاني يذكر له فيها سفرته، قال في أثنائها: إلى أن حصلنا بشط الفرات، وهم يقولونها الفراه، بالهاء، ولم أك أحقها حتى قرأت في بعض الكتب: إنه يقال: فرات وفراه، كما يقال عنكبوت وعنكبوه، وتابوت وتابوه، هذا على أن يكون لغة لهم، ولا يكون على سبيل الاعتقاب.
وذكر لي من شاهد مخرج الفرات من أرزن الروم من جبل هناك قال: ويخرج من جانبه الآخر نهر جيحون.

والفرات إذا انتهى إلى الشام ودخل في أراضيها نصب فيه أنهار متعددة من أعمال حلب، شاهدتها منها: النهر الأزرق، ويعرف ببردا، وهو دون الدرب على حد بلاد الروم من الشام، ومنها نهر بهسنى، ومنها نهر رعبان، ومنها نهر البرسمان، ومنها نهر الساجور، ويجتمع إليه أيضاً ذوب الثلوج من الجبال الشامية، فلهذا يكثر ماؤه، ويمد عند اقبال الصيف وعقد الرمان.
وقال أبو عبد الله محمد أحمد الجيهاني: الفرات طالعه السنبله، وصاحب الساعة القمر، ونهر الفرات يخرج من بلاد الروم فوق موضع يقال له أبريق، فيقبل مع الشمال حتى يمر بالجزيرة والرقة، ثم ينحدر إلى الكوفة وفي غربية بلاد الشام، وفي شرقيه بلاد الجزيرة، ثم يصب في البطائح بعد أن يتفرق فيصير أنهاراً عظاماً، ومصبه في البطائح بموضع كسكر.
ويقع في الفرات في أرض الجزيرة نهر الخابور، فيصب في الفرات في موضع يسمى قرقيسيا وقال الحسن بن أبي الخصيب الكاتب في كتاب الكار مهتر في علم أحكام النجوم: الفرات نجمه العذراء.
وقرأت في كتاب المسالك والممالك تأليف أحمد بن الطيب السرخسي قال: مخارج الفرات من قاليقلا على فرسخين من عين، يمر بأرض الروم ويستمد من عيون، ويصب فيه أرسناس نهر شمشاط، ويجيء إلى كمخ على ميلين من ملطية، ويخرج إلى حينيا حتى يبلغ إلى سميمشاط، فيحمل من هناك السفن والأطواف، ويصب في أنهار تتشعب منه بسواد بغداد والكوفة في دجلة.
وقال أحمد بن الطيب: علو هي الفرات.
أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن، وأبو العباس أحمد ابنا عبد الله بن علوان الأسديان قالا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ إجازة عن أحمد بن محمد ابن الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ من تلخيصه قال: ومخرج الفرات من قاليقلا حتى يمر بأرض الروم، ويستمد من عيون حتى يخرج على ميلين من ملطية، ثم يبلغ إلى سميساط، فيحمل من هناك السفن والأطواف، ثم يبلغ إلى الكوفة من فوة دمما،، وإلى دجلة من هنالك أيضاً، ومصا به في دجلة.
وقال أبو زيد البلخي في تاريخه: ومخرج الفرات من أرض الروم من جبال بها من موضع يقال له أبويق صخر، ويمر بالجزيرة والرقة، وينحدر إلى الكوفة، ثم يمر حتى ينصب إلى البطائح فيختلط بدجلة.
قال: ويخرج الخابور من رأس عين، ويستمد من الهرماس، وينصب في الفرات.
أخبرنا عبد الله بن الحسين الأنصاري عن أبي طاهر السلفي قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: حدثنا أبو عبد الله الصوري قال: أخبرنا أبو الحسين الغساني قال حدثنا أحمد بن محمد بن بكر الهزاني قال أخبرنا العباس بن الفرج الرياشي قال: يقال إن الفرات جاء من بلاد الروم، فجاء حتى صب في دجلة، وصبت دجلة في البحر، وعطفت البحر إلى عدن، ثم إلى جدة.
قال الرياشي: وقال الأصمعي: هو من حضرموت إلى جده.
وقرأت في كتاب أحمد بن أبي أحمد بن القاص، قاضي طرسوس في كتاب دلائل القبلة قال: ومخرج الفرات من قاليقلا من موضع يقال له: أبويق بين قاليقلا وبلاد الروم، ثم ينحدر إلى ناحية الكوفة، فيتم فاصلاً بين بلاد الشام والجزيرة، ففي شرقية بلاد الجزيرة، وفي غربيه بلاد الشام، فيمر على ميلين من ملطية، ويخرج إلى حينيا حتى يبلغ إلى سميساط، ويمر بقرقيسيا ويحمل منها السفن إلى الأطراف، وآخر مصبه في البطائح في موضع يقال له كسكر والبطائح، ثلاثون فرسخاً في ثلاثين فرسخاً، حد منها جزيرة العرب، وحد منها أرض مشان، وحد منها دجلة بغداد، وحد منها مصب الفرات والنهروان، ويمر البطائح حتى يقع في خليج أبلة في بحر الهند.
ووقع إلي رسالة في ذكر الدنيا وما فيها من الأقاليم والجبال والأنهار والبلاد، ولم يسم واضعها فنقلت منها في فصل ذكره في المشهور من الأنهار الكبار في الربع المسكون، ومعرفة إبتدائها وإنتهائها.
قال: والمشهور من هذه الأنهار الكبار إثنا عشر نهراً، وهي: الدجلة، والفرات، والنيل وجيحون، ونهر الشاش، وسيحان وجيحان، ونهر بردان ومهران، ونهر الرس، ونهر الملك، ونهر الأهواز، وجميع هذه الأنهار تجري فيها السفن.
قال: فأما الفرات فإنها تخرج، وتلقى بلد الروم، ثم تتفرق على إقليم أثور وتتشعب إليها الخابور، ثم تدخل العراق، وتنبطح خلف الكوفة، وتلقى دجلة منها أربع شعب.

وأما معرفة من حفر الفرات، فقد قيل: إنه خلقة من الله تعالى لم يحفره أحد فإن أبو القاسم عبد الله بن الحسين الأنصاري، وعبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل أجاز لنا عن أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ من تأليفه قال: حدثنا موسى بن إسحق بن موسى الخطمي قال: حدثنا منجاب بن الحارث قال: أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله وفجرنا فيها من العيون، ليأكلوا من ثمره وكذلك كانوا يقرؤونها وما عملت أيديهم، ذلك وجدوه معمولاً، يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ، وأشباهها، وجدوه معمولاً لم تعلمه أيديهم.
وقد قيل إن دانيال حفره. أخبرنا زيد بن الحسن البغدادي إذناً، ونقلته من أصل سماعة، قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد الحريري قال: أبو القاسم بن البسري عن محمد بن جعفر بن النجار قال: يقال إن الفرات حفره دانيال مع الدجلة، وأن الفرات يجيء من واد يقطع الروم، وأن دجلة يخرج ماؤها من جبل بآمد.
وأخبرنا أبو اليمن الكندي إجازةً، قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ثابت الخطيب قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال: حدثنا الفضل بن غانم قال: حدثنا الهيثم بن عدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحى الله سبحانه إلى دانيال الأكبر أن فجر لعبادي نهرين، واجعل مغيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. قال: فأخذ قناةً، أو قصبة، فجعل يخدها في الأرض ويتبعه الماء، فإذا مر بأرض شيخ كبير أو يتيم ناشده الله، فيحيد عن أرضه، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
وقال أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد الواعظ مولى بني هاشم قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل ابن محمد الصفار إملاء قال: حدثني أبو بكر محمد بن إدريس الشعراني قال: حدثنا موسى بن إبراهيم الأنصاري عن إسماعيل بن جعفر المدني عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال أن احفر لي سيبين نهرين بالعراق، قال دانيال: إلهي بأي مكاتل، وبأي مساحي، وبأي رجالي، وبأي قوة أحفر لك هذين النهرين؟ فأوحى الله سبحانه، أن أعد سكة حديد وعرضها وإجعلها في خشبة، وألقها خلف ظهرك، فإني باعث إليك الملائكة يعينونك على حفر السيبين؛ قال: ففعل فحفر، وكان إذا انتهى إلى أرض أرملة أو يتيم حاد عنه، حتى حفر الدجلة والفرات، فهذه العواقيل التي في الدجلة والفرات من حفر دانيال.
وأنبأنا سعيد بن هاشم بن أحمد الخطيب عن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الآبنوسي قال: أخبرنا أبو الحسين بن المنادي قال: وروي عن ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى دانيال الأكبر، وكان بين نوح وإبراهيم صلى الله عليهم أجمعين، أن احفر لعبادي نهرين ينتفعون بهما فإني قد أمرت الأرض والماء أن يطيعاك فأخذ عصاً، ثم أقبل يخط في الأرض، والماء يتعبه، يمر بالقراح والكرم والنهر للشيخ وللمرأة وللصبي، فتقول المرأة نحه عن كرمي وارحمني لضعفي، فصرف به حتى قذفه، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
وقد قيل إن ملكاً من ملوك العجم يقال له جم شاد هو الذي حفر الفرات. فإن البلخي ذكر في تاريخه وقال: وفي كتب العجم إن جم شاد حفر سبعة أنهار سيحون، وجيحون، والفرات، ودجلة، ونهر مران بأرض السند. قالوا ونهران لم يسميا لنا.
وهذا غير جائز ولا ممكن، اللهم إلا أن يقال، هو ساق ماء هذه الأنهار إلى أراضي البلاد فاستعمرها، واستنزلها وحفر الأنهار منها، والله سبحانه أعلم.
فصل في
تفضيل ماء الفرات على غيره من المياه

أخبرنا أبو المظفر حامد بن العميد بن أميري القزويني الفقيه القاضي بحلب، وأبوا محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي بنابلس، ومحفوظ بن هلال ابن محفوظ الرسعيني برأس عين قالوا: أخرتنا شهدة بنت أحمد الآبري، قال محفوظ: إجازة، قالت: أخبرنا أبو الفوارس طراد بن محمد الزينبي قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران قال: أخبرنا الحسين بن صفوان قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين عن عبيد الله بن محمد عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب قال: كان بصري قد ذهب، فرأيت إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، فيما يرى النائم، فمسح عيني وقال: ائت الفرات، فغض فيه، وافتح عينيك فيه، ففعلت، فذهب ما كان بعيني.
أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد الحريري قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري عن محمد بن جعفر بن النجار قال: وقالت الأطباء: كل ماء في نهر فطير إلا ماء فرات فإنه خمير، لكثرة اختلاط الأهوية به، وتكسير المهدزانات له، وهذه المهدزانات عملت لتكسير حدة الماء.
قلت: وإلى زمننا هذا يختار ماء الفرات للخلفاء، على ماء دجلة، فإن دجلة تمر ببغداد بدور الخليفة، ويحمل الماء لشرب الخليفة من نهر عيسى، وهو نهر يأتي من الفرات، ويصب في دجلة، حتى أن السقائين ببغداد يمنعون أن يستقوا للعامة من نهر عيسى، فلا يمكن من الشرب منه إلا أهل الدور التي هي على نهر عيسى، وما يقاربها.
وقرأت فيما علقته من الفوائد، وقيل إن الفرس تسمي نهر الفرات عندهم نهر شير، وهو نهر الملك، وكانوا يرون سقي الفرات وثماره أفضل من سقي دجلة وأحلى وأجود.
باب في ذكر
ما جاء في فضل الفرات من الأحاديث والآثار
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي كتابة، وسمعته بدمشق في منزله قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إجازة قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن مهدي قال: حدثنا محمد بن زيد الرطاب قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال: أخبرنا يوسف بن بهلول قال: حدثنا عبده ابن سليمان الكلابي عن سعيد بن أبي عروبه عن قتادة عن أنس ابن مالك عن مالك بن صعصعة قال: أخبرنا نبي الله صلى الله عليه وسلم: أنه رفع له سدرة المنتهى فرأى أربعة أنهار يخرجن من أصلها. قلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. وقد رواه حفص بن عبد الله السلمي عن إبراهيم بن طهمان عن شعبة ابن الحجاج عن قتادة عن أنس، وذكر فيه زيادة.
أخبرناه أبو محمد عبد العزيز بن الحسين بن هلالة قال: أخبرنا أسعد بن أبي سعيد بن روح قال: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الجوزجانية قال: أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا يعقوب بن إسحق أبو عوانه النيسابوري الحافظ قال: حدثنا محمد بن عقيل النيسابوري قال: حدثنا حفص بن عبد الله السلمي قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان عن شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران ونهران باطنان، فأما الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة، وأتيت بثلاثة أقداح، قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فشربت فقيل: أصبت النظر أنت وأمتك. قال الطبراني: لم يروه عن شعبة إلا إبراهيم بن طهمان، تفرد به حفص بن عبد الله.
أخبرنا زيد بن الحسن الكندي إذناً قال: أخبرنا أبو القاسم بن الطبر قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إجازة قال: أخبرنا أبو سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسين - يعني - ابن حميد قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهران مؤمنان النيل والفرات، ونهران كافران دجلة وبردى. وفي رواية أخرى بدل بردى نهر بلخ.

وأنبأنا الكندي قال: أخبرنا ابن الطبر قال: أخبرنا ابن البسري قال: أخبرنا التميمي إجازة قال: أخبرنا أبو سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال: حدثنا علي بن عاصم عن الليث بن سعد، أراه عن عطاء، قال: دجلة نهر اللبن في الجنة، والفرات نهر العسل، والنيل نهر الخمر في الجنة.
وقرىء على شيخنا أبي اليمن الكندي أخبركم أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن هرون بن الصلت الأهوازي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال: قرأت على العباس بن يزيد البحراني قلت: حدثكم مروان بن معاوية عن إدريس الأودي عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهران من الجنة النيل والفرات.
وقد جاء في حديث آخر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربعة أنهار من الجنة الفرات وسيحان وجيحان والنيل. ونحن نذكر الحديث بإسناده في الباب الذي يأتي بعد هذا في فضل سيحان وجيحان.
أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل البانياسي قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين ابن البغدادي.
وأنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي عن أبي سعد إجازة قال: أخبرنا أبو الفضل المطهر بن عبد الواحد بن محمد قال: أخبرنا أبو عمر عبد الله ابن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب السلمي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يزيد الزهري قال: حدثنا عمي عبد الرحمن بن عمر بن يزيد أبو الحسن الزهري يعرف برسته، قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا المسعودي عن القاسم قال: مد الفرات على عهد عبد الله، فكره الناس ذلك فقال عبد الله: يا أيها الناس لا تكرهوا مده، يوشك أن يلتمس فيه ملء طست من ماء فلا يوجد ذلك، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، فتكون بقية الماء والمؤمنون بالشام. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
وذكر أبو زيد البلخي في تاريخه قال: وزعموا أن الفرات مد فرمى برمانة شبه البعير البارك، وذلك في زمن معاوية، فسئل كعب الأحبار عن ذلك فقال: هي من الجنة.
وقد رواه جعفر بن عون العمري عن أبي عميس عن القاسم موقوفاً عليه أنبأنا به عبد الرحيم بن يوسف وغيره عن أبي طاهر الحافظ عن أحمد ابن محمد بن الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: وحدثنا العباس بن محمد - يعني - الدوري إملاءً قال: حدثنا جعفر بن عون العمري قال: أخبرنا أبو عميس عن القاسم قال: مد الفرات فجاء برمانة مثل البعير، فكانوا يتحدثون أنها من الجنة.
وأخبرنا أبو اليمن الكندي فيما أذن لنا فيه قال: أخبرنا أبو القاسم الحريري قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إذناً قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن الحسن بن مهدي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن زيد الرطاب قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي قال: حدثني ابن ابي أويس الوراق قال: حدثنا جعفر بن عون عن العميس عن أبيه قال: قذف الفرات رمانة مثل البعير، فتحدث أهل الكتاب أنها من الجنة.
وقال محمد بن جعفر التميمي: حدثنا أبو القاسم بن مهدي قال: حدثنا محمد قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثني يحيى بن الحسن بن الفرات قال: حدثنا علي بن بهيس قال: حدثني موسى بن أبي الغمر عن عطاء الهمداني عن تميم بن خذيم قال: كنا عند علي جلوساً فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين جاء البارحة شيء فسكر الفرات، ما ندري ما هو، قال: فدعا بدلدل فركبها، وركب الناس معه حتى انتهى إلى الفرات، فقال: هذه رمانة من رمان الجنة. فدعا بالرجال والحبال، فاستخرجت، فقسم ما فيها فما بقي أهل بيت بالكوفة إلا وقد دخله منها. قال علي: قال موسى: قلت لعطاء: أرني الموضع الذي أراكه تميم، قال: فأراني المضيق الزمي.

وقال: حدثنا أبو القاسم قال: حدثنا محمد قال: حدثنا إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن أبان قال: حدثنا عمرو عن جابر قال: غضب الشعبي على رجل من همدان اسمه عبد الرحمن فقال لي: ماله قاتله الله، كأن رأسه رمانة الفرات، فقلت يا أبا عبد الرحمن وما قصة رمانة الفرات؟ قال: حدثني من زعم أنه نظر إليها في زمن ابن أبي طالب أسفلها قد أفرغ في أسفل الوادي وأعلاها بارز، وذكر أنه كان فيها حين كيل حبها أكرار. وذكروا أن علياً قال: إن الفرات لواد من أنهار الجنة.
وقال: حدثنا أبو القاسم قال: حدثنا محمد قال: حدثنا إبراهيم حدثني عبد الرحمن بن أبي هاشم قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد العرزمي عن أبيه عن السدي عن أبي أراكة قال: أتي علي عليه السلام ذات يوم فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه رمانة قد سدت الفرات، فقال: يا غلام بغلتي، فركبها وركب الناس معه، فإذا رمانة عظيمة، فأمر فأنشبت فيها الحبال، ثم أمر بها فأخرجت، ثم هدمت، فاستخرجوا منها كرين وأقفزة، فقال علي: إن نهركم هذا من أنهار الجنة، هذه الرمانة من رمان الجنة. قال ابن العرزمي: فحدثت به عمرو الجعفي فذكره عن جابر عن أبي أركة قال: كانت الحبة منه مثل الكمة العظيمة.
أنبأنا أبو اليمن بن الحسن قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد بن محمد بن الحباب الدلال قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قال: حدثنا محمد بن أحمد بن برد قال: حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع.
قال الخطيب: وأخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان - واللفظ له - قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الرازي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن طرخان البلخي قال: حدثنا أحيد ابن الحسين - قرأت عليه أن محمد بن حفص حدثهم - قالا: حدثنا الربيع بن بدر عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل في الفرات كل يوم مثاقيل من بركة الجنة.
وقال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الختلي قال: حدثني عبد الله بن محمد بن علي البلخي قال: حدثنا محمد بن أبان قال: حدثنا أبو معاوية عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس في الأرض من الجنة إلا ثلاثة أشياء، غرس العجوة وأواق تنزل في الفرات كل يوم من بركة الجنة والحجر.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحسني قراءة عليه قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الجعفي قال: حدثنا الحسين بن محمد بن الفرزدق الفزاري قال: حدثنا جعفر بن عبد الله المحمدي: سمعت محمد بن أبي عمير يذكر عن محمد بن مسلم قال: سألت الصادق عن قول الله عز وجل " وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " . قال: الربوة النجف، والقرار المسجد، والمعين الفرات، ثم قال: إن نفقة بالكفوة الدرهم الواحد يعدل بمائة درهم في غيرها، والركعة بمائة ركعة، ومن أحب أن يتوضأ بماء الجنة، ويشرب من ماء الجنة، ويغتسل بماء الجنة فعليه بماء الفرات، فإن فيه مثعبين من الجنة، وينزل من الجنة في كل ليلة مثقالان مسك في الفرات.
أخبرنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن أبي الحسن بن المقير بالقاهرة أخبرنا محمد بن ناصر السلامي إجازةً قال: أنبأنا إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبال قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق قال: أخبرنا أحمد ابن عبد الرحمن بن القاسم الحراني أبو صالح قال: حدثنا أبو الحسن عمر بن الحسن القاضي قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال: حدثنا يونس بن بكير عن موسى بن قيس الحضرمي قال: سمعت جعفر بن محمد بن علي في قوله عز وجل " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " قال: الربوة الكوفة والمعين الفرات.

أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين الأنصاري وعبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل عن الحافظ أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين المنادي قال: أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو يحيى الحماني قال: حدثنا الأعمش عن خيثمه بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو موقوفاً قال: ما من يوم إلا يحمل في الفرات مثاقيل من بركة الجنة.
أخبرنا أبو اليمن الكندي إذناً، ونقلته من أصل سماعه، قال أخبرنا أبو القاسم الحريري قال أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إذناً قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن مهدي قال: حدثنا محمد بن زيد قال: حدثنا إبراهيم الثقفي قال: حدثنا بكر قال: حدثنا شعبة بن الحجاج قال: أخبرني الحكم قال: سمعت خيثمه بن عبد الرحمن يقول: قال عبد الله بن عمرو: ما من يوم إلا وهو يوزن في الفرات مثاقيل من ماء الجنة.
قال محمد بن جعفر التميمي وأخبرنا أبو بكر الدارمي قال: أخبرنا الحسين ابن محمد بن الحسين البجلي قال: حدثنا علي بن سعيد قال: حدثنا مطلب عن عبد الملك بن عمير قال إن الفرات نهر من أنهار الجنة، لولا ما يخلطه من الأذى، ما تداوى به بشر إلا برأ، وإن عليه ملكاً يصرف عنه الأذى.
باب في
ذكر جيحان
نهر المصيصة وأهل بلاد الروم يسمونه جهان
وهو نهر كبير يخرج من بلد الروم، وينتهي إلى المصيصة، فيفصل بينها وبين كفر بيا، ثم يخرج منهما، فيلقي ماءه في بحر الروم، وشاهدت مخرجه من بلد الروم من قرية يقال لها كيز ميت، قريبه من مدينة أبلستين من شرقيها وقبليها، وبينها وبين مدينة أبلستين مقدار ميل، والماء يخرج من شقيف حجر إلى أرض بين يدي الشقيف، وهي تنبع الماء جميعها، وعلى الشقيف كنيسة قديمة من بناء الروم، وقد صور فيها الجنة، والنهر يخرج منها، ويأتي النهر إلى مدينة أبلستين، فينقسم قسمين، ويحيط بالمدينة، فإذا جاوزها عاد واجتمع، وتلقى إليه أنهار متعددة منها نهر يأتي من بلدة يقال لها الرمان، شاهدتها وشاهدت نهرها، وهو نهر كبير أيضاً.
ويجري هذا النهر حتى يخرج إلى الشام، ويصل إلى المصيصة، وهي من الجانب الغربي منه، وكفر بيا من الجانب الشرقي، وعلى النهر بين المدينتين جسر عظيم قديم معقود بالحجارة.
وقال أبو زيد البلخي: جيحان يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة، ثم إلى رستاق يعرف بالملون، حتى يقع في بحر الروم.
وقال أحمد بن أبي أحمد بن القاص في كتاب دلائل القبلة قال: ونهر جيحان هو نهر المصيصة، مخرجه من بلاد الروم، وينصب أيضاً في بحر الشام.
أنبأنا أحمد بن عبد الله الأسدي عن الحافظ أبي طاهر عن أحمد بن محمد بن علي الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: ويخرج جيحان نهر المصيصة من بلاد الروم على مسيرة مراحل منها، ثم يجتاز في طريقه إليها بموضع يدعى هنالك نهر المسدود، ثم يصب في بحر اللبنان، ويستمد من وادي الريح، ثم يصب في البحر الشامي.
وقال أحمد بن الطيب السرخسي في كتاب المسالك والممالك: ويخرج جيحان نهر المصيصة من بلاد الروم، ويصب في نهر اللبنان، ويستمد من وادي الريح، ويصب في البحر الشامي.
أنبأنا عيسى بن عبد العزيز بن عيسى قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني قال: أخبرنا أبو صادق المديني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد في كتابه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف الأزدي قال: حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا الليث بن سعد وعبد الله ابن لهيعة قالا: حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكتاني أنه سمع كعباً يقول: النيل في الآخرة عسل، أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، ودجلة في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله.

أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي إجازة قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، وأبو غالب محمد بن أحمد بن الحسين بن علي بن قريش، وأبو بكر محمد بن عبيد الله بن دحروج، وأبو المعالي أحمد بن منصور ابن المؤمل الغزال، قالوا: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد البزاز قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: حدثنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الرحمن بن عيسى السكري قال: حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي وأبو بكر محمد بن صالح الأنماطي، قالا: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد قال: حدثني الليث بن سعد قال: بلغني أنه كان رجل من بني العيص يقال له حائذ بن أبي شالوم بن العيص بن إسحق بن إبراهيم نبي الله عليهما السلام، وأنه خرج هارباً من ملك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر، وأقام بها سنين، فلما رأى عجائب نيلها وما يأتي به، جعل الله عليه أن لا يفارق ساحله حتى يبلغ منتهاه أو يموت، فسار عليه، قال بعضهم، ثلاثين سنة في الناس، وثلاثين سنة في غير الناس، وقيل خمسة عشر كذا، وخمسة عشر كذا حتى انتهى إلى بحر أخضر، فنظر إلى النيل يشق مقبلاً، فقعد على البحر، فإذا رجل قائم يصلي تحت شجرة من تفاح فلما رآه استأنس به، وسلم عليه، فسأله الرجل صاحب الشجرة فقال: من أنت؟ فقال له: أنا حائذ بن أبي شالوم بن العيص بن إسحق عليهما السلام، قال: فمن أنت؟ قال: أنا عمران بن فلان بن العيص بن إسحق عليه السلام، قال: فما الذي جاء بك هنا يا حائذ؟ قال: جئت من أجل هذا النيل. فما جاء بك يا عمران؟ قال: جاء بي الذي جاء بك حتى إنتهيت إلى هذا الموضع، فأوحى اله إلي أن قف في هذا الموضع، فأنا واقف حتى يأتيني أمره، قال له حائذ: أخبرني يا عمران ما إنتهى إليك من أمر هذا النيل، وهل بلغك في الكتب أن أحداً من بني آدم يبلغه؟ قال له: نعم، قد بلغني أن رجلاً من ولد العيص يبلغه، ولا أظنه غيرك يا حائذ، قال له حائذ: يا عمران أخبرني كيف الطريق إليه؟ فقال له: لست أخبرك بشيء إلا أن تجعل لي ما أسألك. قال: وما ذاك؟ قال: إذا رجعت إلي وأنا حي أقمت عندي حتى يوحي الله تعالى إلي بأمره: أو يتوفاني فتدفنني، وإن وجدتني ميتاً دفنتني وذهبت، قال: ذلك لك علي، قال له: سر كما أنت على هذا البحر، فإنك ستأتي على دابة ترى آخرها، ولا ترى أولها، فلا يهولنك أمرها، إركبها فإنها دابة معادية للشمس، فإذا طلعت أهوت إليها لتلتقمها حتى يحول بينها وبينها حجبتها، وإذا غربت أهوت إليها لتلتقمها فتذهب بك إلى جانب البحر فسر عليه راجعاً حتى تنتهي إلى النيل. فسر عليه فإنك ستبلغ أرضاً من حديد، جبالها وأشجارها وسهولها حديد، فإن أنت جزتها وقعت في أرض من نحاس جبالها وأشجارها وسهولها من نحاس، فإن أنت جزتها وقعت في أرض من فضة، جبالها وأشجارها وسهولها من فضة، فإن أنت جزتها وقعت في أرض من ذهب جبالها وأشجارها وسهولها من ذهب، فيها ينتهي إليك علم النيل.

فسار حتى إنتهى إلى أرض الذهب، فسار فيها حتى إنتهى إلى سور من ذهب وشرفه من ذهب وفيه قبة من ذهب، لها أربعة أبواب، فنظر إلى ماء ينحدر من فوق ذلك السور حتى يستقر في القبة، ثم ينصرف في الأبواب الأربعة، أما ثلاثة فتغيص في الأرض، وأما واحد فيسير على وجه الأرض، وهو النيل، فشرب منه، واستراح، وأهوى إلى السور ليصعد، فأتاه ملك فقال: يا حائذ قف مكانك، قد إنتهى إليك علم هذا النيل، وهذه الجنة والماء ينزل منها، فقال: أريد أن أنظر إلى ما في الجنة، فقال: إنك لن تستطيع دخولها اليوم يا حائذ، فقال: فأي شيء هذا الذي أرى؟ قال: هذا الفلك الذي يدور به الشمس والقمر، وهو شبه الرحى، فقال: إني أريد أن أركبه فأدور فيه، - فقال بعض العلماء: إنه ركبه حتى دار الدنيا، وقال بعضهم: لم يركبه - فقال له: يا حائذ إنه سينالك من الجنة رزق، فلا تؤثر عليه شيئاً من الدنيا، فإنه لا ينبغي لشيء من الجنة أن يؤثر عليه شيء من الدنيا، إن لم تؤثر عليه شيئاً من الدنيا بقي ما بقيت، فبينما هو كذلك إذ نزل عليه عنقود من عنب فيه ثلاثة أصناف، لون كالزبرجد الأخضر، ولون كالياقوت الأحمر، ولون كاللؤلؤ الأبيض؛ ثم قال: يا حائذ أما إن هذا من حصرم الجنة وليس من طيب عنبها فارجع يا حائذ، فقد إنتهى إليك علم النيل؛ قال: فهذه الثلاثة التي تغيص في الأرض ما هي؟ قال: أحدها الفرات، والآخر دجلة، والآخر جيحان، فارجع، فرجع حتى إنتهى إلى الدابة، فركبها، فلما أهوت الشمس لتغرب قذفت به في جانب البحر، فأقبل حتى إنتهى إلى عمران، فوجده ميتاً حين مات، فدفنه، وأقام على قبره ثلاثاً، فأقبل شيخ متشبه بالناس، أغر من السجود، ثم أقبل إلى حائذ فسلم عليه، فقال له يا حائذ: ما انتهى إليك من علم هذا النيل؟ فأخبره قال الرجل: هكذا نجده في الكتب، ثم طرى ذلك التفاح في عينيه، فقال: ألا تأكل منه؟ قال: معي رزق قد أعطيته من الجنة، ونهيت أن أوثر عليه شيئاً من الدنيا، قال: صدقت يا حائذ، وينبغي لشيء من الجنة يؤثر بشيء من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح، إنما أنبت في الأرض ليست من الدنيا، وإنما هي شجرة من الجنة، أخرجها الله لعمران يأكل منها، وما تركها إلا لك، ولو وليت عنها لرفعت، فلم يزل يطريها في عينه، حتى أخذ منها تفاحةً، فلما عضها عض على يديه، ثم قال: أتعرفه هو الذي أخرج أباك من الجنة، أما إنك لو سلمت بما معك لأكل منها أهل الدنيا قبل أ، ينفد، وأقبل حائذ حتى دخل مصر، فأخبرهم بهذا، ومات بأرض مصر رحمه الله.
باب في
ذكر سيحان نهر أذنة
وهو نهر كبير دون جيحان في العظم، وبين مخرجه ومخرج جيحان يومان، ومخرجه أيضاً من بلاد الروم، وشاهدته في قرية يقال لها بالعربية رأس العين، ويقال لها بالتركية يا نغرباشي، ومعناه رأس الماء، وهو يخرج من فوجة بين جبلين ينبع ماؤه من تحت الجبل من الصخر الأصم، وعنده كنيسة قديمة من بناء الروم، قد صورت الجنة فيها، ونهر سيحان خارج منها، فيجري النهر، وتجتمع إليه عيون تسيل في واد في الدربند الذي بين الساروص، وبين هذه القرية، وتخرج هذه العيون في الوادي المذكور، فتصب في سيحان، ويخرج سيحان في بلد الروم حتى يمر تحت قلعة سمندو، ويمر على بلاد الأرمن، ويمتد على تلك البلاد حتى ينتهي إلى أذنه، وهو من شرقيها، ثم يمتد منها فيصب في البحر الشامي.
أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي قال: كتب إلينا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ أن أحمد بن محمد بن علي بن الآبنوسي أخبرهم إجازة قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومخرج سيحان نهر أذنه من بلاد الروم، ثم يمر على موضع من بلاد أرمينية، فيدعى هنالك نهر محمد، ثم يمتد حتى ينتهي إلى أذنه، وهنالك يدعى سيحان، ثم يسير حتى يصب في البحر الشامي.
قلت: قوله من بلاد أرمينية وهم فإن أرمينية هي أخلاط، والفرات يحول بينها وبين بلاد الروم، بل الظاهر أن ابن المنادي وجد في بعض الكتب أنه يمر ببلاد الأرمن، فظنها أرمينيه، والله أعلم.
ونقلت من خط صديقنا ياقوت الحموي في كتاب البلدان: ولأذنه نهر سيحان، وعليه قنطره حجارة عجيبة بين المدينة وبين حصن مما يلي المصيصة، وهو شبيه بالربض، والقنطرة معقودة على طاق واحد.

وقرأت في كتاب أبي زيد أحمد بن سهل البلخي في كتاب صورة الأرض قال: وسيحان هو دون جيحان في الكبر، عليه قنطرة حجارة عجيبة البناء، طويلة جداً، يخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً.
وقال أحمد بن الطيب السرخسي في كتابه: ومخرج سيحان نهر أذنة من بلاد الروم، ويصب في البحر الشامي.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذناً قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن يعقوب الإيادي قال: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا سعيد بن شرحبيل عن ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال: قال كعب: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة؛ قال: فأطفأ الله نورهن فيصيرهن إلى الجنة.
باب في ذكر
الفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة
باب في ذكر ما ورد في الحديث والسنة أن الفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة
وهذه الأنهار الثلاثة قد إختص عمل مدينة حلب بفضلها، لأنها من عملها، لم تختص مدينة أخرى بنظير هذه الفضيلة ولا بمثلها، فإن أبا الحسين مسلم بن الحجاج خرج في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة؛ وهذه الثلاثة داخلة في عمل حلب، لا يخرج عنه غير النيل.
أخبرنا بهذا الحديث قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي قاضي حلب قراءة عليه وأنا أسمع قيل له: أخبرك أبو بكر محمد بن علي بن ياسر الأنصاري الجياني قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي.
وكتب إلينا عالياً أبو القاسم منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي، وأبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي من نيسابور قالا: أخبرنا أبو عبد الله الفراوي قال: أخبرنا وأبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي قال: أخبرنا أبو أحمد بن محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن سفيان الفقيه قال: أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا عبيد الله - يعني - ابن عمر العمري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة.
وقد رواه عن عبيد الله بن عمر، عبد الله بن يوسف، وعبد الله بن جعفر؛ فأما حديث عبد الله بن يوسف فأنبأنا به عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي قال: أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني قال: أخبرنا أبو الحسن علي ابن منير بن أحمد الحلال في كتابه قال أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج الصماح قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة.
وأما رواية عبد الله بن جعفر فإن فيها زيادة على هذه الأنهار الأربعة دجلة.
أخبرنا بها أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إذناً قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن إبراهيم البيضاوي قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه الخزار قال: أخبرنا ابن المجدر قال: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان من أنهار الجنة.
وقد رواه شعبة بن الحجاج عن خبيب بن عبد الرحمن كذلك مرفوعاً، وقال في آخر حديثه: كل من أنهار الجنة وكل قد شربت منه.

ورواه عن أبي هريرة رضي الله عنه عبد الله بن مغيث مولى الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المقبري، فأما عبد الله بن مغيث فحدث بها يونس بن بكير عن محمد بن إسحق عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن مغيث مولى الزبير عن أبي هريرة مرفوعاً، وزاد في آخره: ولو أن النيل إذا مد التمستم لوجدتم فيه من ورق الجنة.
وأما رواية سعيد المقبري فأنبأنا بها الأخوان أبو محمد عبد الرحمن وأبو العباس أحمد ابنا عبد الله بن علوان الحلبيان عن كتاب أبي طاهر السلفي قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: حدثنا القاسم بن زكريا قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار قال: حدثنا قاسم بن يزيد الجرمي عن الفرج بن فضاله عن أبي رافع - هو إسماعيل بن رافع - المزني المديني - نزل البصرة - عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة أنهار في الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات.
وأما رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً، فأخبرنا بها أبو الحسن المبارك ابن محمد بن مزيد بن هلال الخواص وأبو عبد الله محمد بن نصر بن أبي الفرج الحصري البغداديان ببغداد قالا: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الغني بن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمداني قال: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء بن أبي منصور الصيرفي.
وأنبأنا عن أبي الفرج شيخنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني قال أبو الفرج: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن النعمان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المقريء قال أخبرنا أبو إسحق بن أحمد ابن نافع الخزاعي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العداني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربعة أنهار من الجنة، الفرات وسيحان وجيحان والنيل.
وقد رواه سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عمر، وشك سفيان في رفعه، أنبأنا به سعيد بن هاشم بن أحمد الأسدي قال: أخبرنا أحمد بن محمد كتابة عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: سمعت سعدان بن نصر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو بن علقمة قال: أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان، فقيل لسفيان: أهذا عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لعله.
ورواه يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً.
أخبرنا به أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي إجازة قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمر بن عيسى البلدي، قال: حدثنا أبو العباس عمرو بن هشام بن عمرو قال: قرىء على الحارث بن محمد القيطري حدثكم يزيد بن هارون.
قال الخطيب وأخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ، وأبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد وأبو القاسم طلحة بن علي بن الصقر الكتاني قالوا: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد العطار قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان.
وقد رواه عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة موقوفاً عليه، ولم يذكر النيل.
أخبرنا بذلك القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني الأنصاري قراءة عليه بدمشق وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو الحسن بن قبيس قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن اليقطيني قال: حدثنا محمد بن الحسين السامري قال: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا وكيع عن مسعر عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: سيحان وجيحان والفرات كلهن من الجنة، موقوف.

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: قرأت بخط شيخنا أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام لخطيب ذكر القاضي أبو القاسم الحسن بن محمد الأنباري فيما قري عليه بصور في ذي القعدة سنة سبع عشرة وأربعمائة أن أبا محمد الحسن بن رشيق أخبرهم قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن أبكجور مولى أمير المؤمنين قال: حدثنا أبو محمد المراغي قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إختار من الملائكة أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وإختار من النبين أربعة، إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم؛ وقال فيه: واختار من الأنهار أربعة، سيحان وجيحان والنيل والفرات.
قال الحافظ: هذا حديث منكر بمره، وأبو الفضل والمراغي مجهولان.
أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي.
وأنبأنا عمر بن طبرزد عن ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو القاسم بن مسعده قال: أخبرنا أبو القاسم حمزه بن يوسف قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي قال: أخبرنا بهلول بن إسحق بن بهلول قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثنا كثير المري عن أبيه عن جده قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: أربعة أجبل من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهر الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة؛ قيل: فما الأجبل يا رسول الله؟ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه، جبل من جبال الجنة، وطور جبل من جبال الجنة ولبنان جبل من جبال الجنة، والأنهار النيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم بدر وأحد والخندق وخيبر، وسقط ذكر الجبل الرابع.
أنبأنا عيسى بن عبد العزيز بن عيسى بن عبد الواحد قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر الأصبهاني قال: أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد الحلال في كتابه قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن أحمد بن الفرج القماح قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة، وصفها الله عز وجل في الدنيا فالنيل نهر العسل في الجنة والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الفنكي وفرج بن عبد الله الحبشي إجازة من كل واحد منهما قالا: أخبرنا أبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن المشرف بن المسلم قال: أخبرنا القاضي أبو الحسن محمد بن حمود الصواف قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد قال: حدثنا أبو حفص عمر بن المفضل بن المهاجر الربعي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا زهير قال: حدثنا داود بن هلال عن الصلت بن دينار عن أبي صالح عن نوف البكالي قال: الصخرة تخرج من تحتها أربعة أنهار من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل.
وقرأت في تاريخ أبي زيد البلخي قال: وأهل الكتاب يزعمون أن أربعة أنهار تخرج من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل.
وقرأت في قصيدة الأعلام المزدوجة من نظم أبي عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في ذكر الفرات وسيحان وجيحان:
ثم انشمرنا في الفرات الرّحب ... وادٍ من الجنان ذات الحجب
أيمن وادٍ ومحلّ الخصب ... بالبركات دهره ذو حلب
وإنّه يوماً من الأيّام ... عن ذهبٍ يحسر للأنام
ينتابه قومٌ من الطعام ... يقتّلون ثمّ في الزّحام
وقال في تفسيره: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يحسر الفرات عن جبل من ذهب يأتيه شرار الناس، فيقتل من كل عشرة تسعة. وسنذكر الحديث بإسناده في باب يأتي في كتابنا إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر المصيصة وكفر بيا في قصيدته وقال:
أهلاهما خصّا ببأسٍ وجره ... بينهما جيحان تحت القنطره
يجري فيسقي يمنةً وميسره ... حتى ترى في البحر أفضى أثره

ذاك وسيحان كصاحبين ... حلاّ من الجنّة في المصرين
باب في
ذكر العاصي
وهو نهر أنطاكية وحماة وذكر البردان وهو نهر طرسوس
وهما نهران كبيران مشهوران يصبان في البحر الشامي، فأما نهر البردان فإنه يخرج من بلد الروم، ويمتد إلى طرسوس، ثم يصب في البحر، وتجري فيه السفن، ويشق وسط مدينة طرسوس، وماؤه موصوف بشدة البرد في الصيف.
أنبأنا أبو القاسم بن رواحة الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر الأصبهاني عن أحمد ابن محمد الآبنوسي قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: ومخرج البردان نهر طرسوس من طرف بلاد الروم على دعوة من طرسوس، ثم يصب في البحر الشامي على خمسة أميال من طرسوس، وهو شديد البرودة في الصيف، فاتر في الشتاء.
وقد ذكرت في باب الفرات أنه وقع إلى رسالة في ذكر الدنيا وما فيها من الأقاليم والجبال والأنهار وقال فيها: والمشهور من هذه الأنهار الكبار إثنا عشر نهراً، وهي الدجلة والفرات والنيل، وجيحون، ونهر الشاش، وسيحان، وجيحان، ونهر بردان، ومهران، ونهر الرس، ونهر الملك ونهر الأهواز. وجميع هذه الأنهار تجري فيها السفن.
قال: وأما سيحان وجيحان وبردان، فانهن أنهار طرسوس وأذنه والمصيصة، تخرج من بلد الروم، ثم تغيص في البحر، وكذلك سائر أنهار الشام جميعها إلا بردى والأردن.
وهذا غير مسلم لصاحب الرسالة فإن في أنهار الشام عدة أنهر تصب في الفرات، مثل نهر الساجور والنهر الأزرق وغيرهما من الأنهر التي ذكرنا أنها تغيص في الفرات وغيرها؛ فإن اعتذر له معتذر وقال: إنه أراد أنهار الشام الكبيرة مثل سيحان وجيحان وبردان، فنقول استثناؤه بردى أوجب مؤاخذته، فإن نهر الساجور والنهر الأزرق لا يقصران عن بردى في الكبر، فدل على أنه أراد جميع الأنهار التي بالشام.
وأما نهر العاصي فيقال له الأرند والأرنط، ويقال له العاصي والمقلوب، لأنه يخالف أنهار الدنيا كلها لأنه يجري من الجنوب إلى الشمال، بخلاف سائر الأنهر ومخرجه من أرض بعلبك من موضع يقال له اللبوة، يخرج من عين هناك، شاهدتها ثم تمده عيون أخر في طريقه، ويجري حتى يشق بحيرة قدس من عمل حمص، ويمتد من غربي حمص، ويأتي إلى الرستن، ثم يأتي حماه من غربيها، فيلاصق دورها، ثم يأتي شيزر فيلصق بسفح قلعتها، ودور المدينة من الغرب والشمال، ويمتد إلى أفامية، ويخرج إلى أنطاكية فيحف بالمدينة من جهة الغرب، وينفصل عنها، فيصب في البحر.
وكان ينسب إلى أنطاكية، فيقال الأرنط نهر أنطاكية، وأما في زمننا هذا فنسبته إلى حماه أكثر. وأهل حماه لا ينتفعون بمائه في السقي والزرع وإلا بالنواعير، فإن عامة سقي بساتينهم منه بالنواعير، وكذلك الماء الذي يدخل إلى منازلهم.
وأما حمص فإن بساتينها تشرب منه سيحاً. وساق الملك المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه حين كانت حمص له من العاصي أنهاراً إلى مدينة حمص، يجري بعضها في المسجد الجامع والبيمارستان، والمنازل بها، ويجري منه في خندق المدينة والقلعة، وبعض الأنهر تسقي في قرى حمص.
أنبأنا أبو القاسم بن رواحة عن الحافظ أبي طاهر عن ابن الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ من تأليفه قال: ومخرج الأرند نهر أنطاكية من أرض دمشق مما يلي طريق البريد، وهو يجري مع الجنوب ولذلك يسمى المقلوب، ثم يصير في البحر الشامي.
وقال أحمد بن محمد بن إسحق الزيات، ومخرج الأرند نهر أنطاكية من أرض دمشق مما يلي البريد، ويجري مع الجنوب، ويصب في البحر الرومي.
هذا ما ذكره ابن المنادي وأحمد بن محمد الزيات أنه من أرض دمشق، وقد ذكرنا أن مخرجه من اللبوة، قرية من بلد بعلبك، ولعلهما أرادا أن بعلبك من أعمال دمشق، فنسبا أرضها إلى دمشق.
في ذكر البحر الشامي
ويعرف أيضاً ببحر الروم
وهو ملاصق لأعمال حلب حرسها الله، من طرطوس إلى السويدية ساحل أنطاكية، وعلى شاطئه من مدنها طرسوس، وحصن أولاس، والإسكندرونة، وبياس، والمثقب، والسويدية، والأنهار الأربعة التي ورد الحديث الصحيح أنها من أنهار الجنة، وهي النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان، يصب فيه ثلاثة منها، وهي النيل وسيحان وجيحان، فقد صار لحلب وعملها قسط من ماء النيل، فتكمل لها بركة الأنهار الأربعة، بعضها بحقيقه الأنهر وبعضها بالممازجة.

وقد ورد في فضل سكان ساحل هذا المبحر ما أنا ذاكره، وهو ما أخبرنا به أبو يعقوب يوسف بن محمود الساوي الصوفي إجازة - إن لم يكن سماعاً - قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي قراءة عليه وأنا حاضر أسمع.
وأنبأنا أبو الحسن علي بن المفضل بن علي بن مفرج المقدسي قال: أخبرنا أبو طاهر السلفي والصالح المعمر أبو الضياء بدر بن عبد الله الحبشي سماعاً عليهما بالإسكندرية قالا: أخبرنا أبو إسماعيل إبراهيم بن الحسن بن محمد بن الحسين الموسوي قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي مطر المعافري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الفقيه قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله سوار قال: حدثنا أحمد ابن الحجاج قال: حدثنا حمزة قال: حدثنا محمد بن يزيد عن مالك بن يحيى عن معاوية عن الأوزاعي عن بلال بن سعد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كبر على شاطئ بحر الروم تكبيرةً لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة جعل الله في ميزانه يوم القيامة صخرة أثقل من السموات السبع والأرضين السبع وما بينهن وما تحتهن.
وقال: أخبرنا أبو الحسن الفقيه قال: حدثنا هانئ عن محمد بن هرون عن حفص بن عمر عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة طوبى لقوم من أمتي يموتون على ساحل البحر، يخرجون من قبورهم حتى يرذوا العرش، فيقول الله تعالى: هؤلاء سكان السواحل؟ فيقولون: نعم، فيقول الله عز وجل: لا حساب عليهم، انطلقوا فعانقوا الأبكار.
أنبأنا سليمان بن الفضل بن سليمان قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ الدمشقي قال: أنبأنا أبوا محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني وعبد الله بن أحمد بن عمر السمرقندي قالا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك قال: حدثنا أنس بن السلم قال: حدثنا الحسن بن يحيى القرشي قال: حدثنا إبراهيم اليماني قال: قدمت من اليمن، فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله إني جعلت في نفسي أن أنزل جدة فأرابط بها كل سنة، فأعتمر في كل شهر عمرةً، وأحج في كل سنة حجة، وأقرب من أهلي، أحب إليك، أم آتي الشام فقال لي: يا أخا اليمن، عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام، فإن هذا البيت يحجه في كل عام مائة ألف ومائة ألف وثلاثمائة ألف، وما شاء الله من التضعيف، لك مثل حجهم وعمرهم ومناسكهم.
أخبرنا إبراهيم بن محمود بن سالم إجازة قال: أنبأنا أبو الفتح بن البطي قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي قال: أخبرنا أبو القاسم الطبري قال: أخبرنا محمد بن رزق الله قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري قال: حدثنا خلف ابن شمس المقريء الخصيب على نهر عيسى قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي إسحق الجرشي عن الأوزاعي عن القاسم بن مخيمرة قال: كان لأبي قلابه الجرمي ابن أخ ركب المحارم، فاحتضر فجاء طائران أبيضان يشبهان النسرين، فجلسا في كوة البيت فقال أحد الطائرين لصاحبه: انزل ففتشه، فنزل ففتشه، ثم غرق منقاره في جوفه، وذلك بعين أبي قلابه، فقال الطائر لصاحبه: الله أكبر، إنزل إليه فقد وجدت في جوفه تكبيرة كبرها في سبيل الله عز وجل على سور أنطاكية، فأخرج الطائر خرقة بيضاء فلفا روحه في الخرقة، ثم إحتملاها، ثم قالا يا أبا قلابه قم إلى ابن أخيك فادفنه فإنه من أهل الجنة؛ قال: وكان أبو قلابه عند الناس مرضياً، فخرج إلى الناس، فأخبرهم بالذي ظهر: قال: فما رأيت جنازة أكثر أهلا منها.
فصل في صفة البحر الشامي وطوله وعرضه
ذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن يعقوب ابن القاص، قاضي طرسوس، في كتاب دلائل القبلة قال: وأما بحر الروم الذي هو بحر إفريقية والشام فيكون من عند الخليج الذي يخرج من عند البحر الأخضر إلى المشرق، يمد إلى صور وصيدا وأنطاكية وطرسوس، طوله خمسة آلاف ميل، وعرضه في مكان سبعمائة ميل، وفي مكان ثمان مائة ميل، يخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية، طول ذلك الخليج خمسمائة ميل يسمى أرس، وخليج آخر إلى خلف قبرس، ففي هذا البحر مائة وإثنان وستون جزيرة عامرة، منها خمس جزائر عظام كقبرس.

وقال: وبحر اللاذقية، فإنه يمد بين لاذقية إلى خلف قسطنطينية، يخرج منه خليج يجري كأنه نهر حتى يصب في بحر الروم، وعرضه عند قسطنطينية قدر ثلاثة أميال فقط مشرفة عليه.
وقال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله المسعودي في ذكر بحر الروم والشام: إن طوله خمسة آلاف ميل وعرضه مختلف، فمنه ثمانمائة ميل فما دونه، وأضيق موضع فيه بين سبتة وطنجة، وهو المعروف بزقاق سبتة نحو عشرة أميال. وعلى هذا البحر من المدن الغربية سبتة وطنجة، والجزائر وتونس والمهدية، وطرابلس وسفاقس. ومن المدن المصرية والثغور، الإسكندرية ورشيد، ودمياط، وتنيس؛ ومن المدن الشامية، غزة، وعسقلان، وعكا وصيدا، وصور، وبيروت، وطرابلس، واللاذقية، وأنطاكية، وأذنه وطرسوس وجبلة وغير ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني: وبحر الروم وافريقية والشام ومصر طوله من الخليج الذي يخرج من بحر المغرب إلى ناحية المشرق، ينتهي إلى صور وصيدا، يكون ذلك مقدار خمسة ألاف ميل، وعرضه في مكان ستمائة ميل وفي مكان ثمانمائة ميل، ويخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية، يكون طوله ثمانين ميلاً، وفي هذا البحر مائتان واثنتان وستون جزيرة عامرة منها خمس جزائر عظام، أعظمها قوريس، يحيط بها مائتا ميل، وسردانية، يحيط بها ثلاثمائة ميل، وسقليه، يحيط بها خمس مائة ميل، وأطريقية يحيط بها ثمانمائة ميل، وقوبرس، يحيط بها ثلاثمائة وخمسون ميلاً.
قال: وعند القسطنطينية، يخرج منه، يعني من بحر نيطش خليج يجري كهيئة النهر، وينصب في بحر مصر، وعرضه عند القسطنطينية قدر ثلاثة أميال، بنيت القسطنطينية عليه.
قال: وأما البحر الشامي، فإنه إذا صارت الشمس في أول العقرب إلى أن تصير في أول الحوت في هذه الأربعة الأشهر لا يستطيع الناس ركوبه، وذلك لأن الشمس تباعد عنه، وتحدث فيه الرياح العاصفة، وذلك في ناحية الشمال منه.
وقرأت في كتاب مروج الذهب تأليف أبي الحسن علي بن الحسين ابن علي بن عبد الله المسعودي قال: فأما بحر الروم وطرسوس، وأذنه، والمصيصة، وأنطاكية، واللاذقية، وطرابلس، وصيدا وصور وغير ذلك من ساحل الشام، ومصر والاسكندرية، وساحل المغرب. فذكر جماعة من أصحاب الزيجات في كتبهم النجومية منهم محمد بن جابر البتاني وغيره أن طوله خمسة ألاف ميل، وعرضه مختلف، فمنه ثمانمائة ميل، ومنه سبعمائة، ومنه ستمائة، وأقل من ذلك على حسب مضايقة البر للبحر، والبحر للبر. ومبدأ هذا الخليج من خليج يخرج من بحر أقنابس، وأضيق موضع في هذا البحر بين ساحل طنجة وسبتة من بلاد المغرب وبين ساحل الأندلس، وهو الموضع المعروف بشيطا، وعرضه فيما بين الساحلين نحو من عشرة أميال، وهذا الموضع هو المعبر لمن أراد من المغرب إلى الأندلس، ومن الأندلس إلى المغرب، ويعرف بالزقاق، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر خليج من نحو خمسمائة ميل، يتصل بمدينة رومية، يسمى بالرومية ادوس، وفي البحر الرومي جزائر كثيرة، منها جزيرة قبرس بين ساحل الشام والروم، وجزيرة رودس مقابل الاسكندرية، وجزيرة أقريطش، وجزيرة صقلية، والتنانين فيه يعني بحر الشام كثيرة، وأكثر ما تكون فيه مما يلي طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر، وأكثره، وهو يسمى عجز البحر وغايته إلى ساحل أنطاكية وسيس والاسكندرية، وبياس، وحصن المثقب، وذلك في سفح جبل اللكام، وساحل المصيصة، وفيه مصب نهر جيحان، وساحل أذنة، وفيه مصب نهر سيحان، وساحل طرسوس، وفيه نهر مصب البردان، وهو نهر طرسوس.

والعمارة على هذا البحر الرومي من المضيق الذي قدمنا ذكره، وهو الخليج الذي عليه طنجة متصل بساحل المغرب، وبلاد افريقية، والسوس، وطرابلس المغرب، والقيروان، وساحل برقة والرقادة، وبلاد الاسكندرية، ورشيد، وتنيس ودمياط، وساحل الثغور الشامية، ثم ساحل الروم متصل ماراً إلى بلاد رومية إلى أن يتصل بساحل الأندلس الذي ينتهي إلى ساحل الخليج الضيق المقابل طنجة على ما ذكرنا أنه لا يقطع بين هذا البر كله، والعمائر التي وصفناها من الاسلام والروم، إلى الأنهار الجارية إلى البحر إلا خليج القسطنطينية، وعرضه نحو من ميل، وخلجانات أخر من البحر الرومي داخلة في البر لا منفذ لها، فجميع ما ذكرنا على شط هذا البحر الرومي متصل بالديار، غير منفصلين بماء يمنعهم أو بحر يقطعهم إلا ما ذكرنا من الأنهار، وخليج القسطنطينية، ومثال هذا البحر الرومي ومثال ما ذكرنا من العمائر عليه إلى أن ينتهي إلى مبدأه الخليج الاخذ من أقنابس الذي عليه المنار النحاس، ويلي الاعلام من طنجة وساحل الأندلس مثل الكرنيب فمقبضه الخليج والكرنيب على صفة البحر إلا أنه مدور الشكل لما ذكرنا من طوله.
قال: وقد ذكر أحمد بن الطيب السرخسي في رسالته في البحار والمياه والجبال عن الكندي: أن بحر الروم طوله ستة آلاف ميل من بلاد صور وطرابلس وأنطاكية والمثقب وساحل المصيصة وطرسوس وقلمية إلى منار هرقل، وأن أعرض موضع فيه أربع مائة ميل.
وقال: شاهدت أرباب المراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة وهم النواتية وأصحاب الأرجل والرؤساء ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيها، مثل لاون المكنى بأبي الحارث غلام زرافة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق، وذلك بعد الثلاثمائة، يعظمون طول البحر الرومي وعرضه وكثرة خلجانه وتشعبه.
وعلى هذا وجدت عبد الله بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام، ولم يبق في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أبصر منه بالبحر الرومي، ولا آنس به، وليس فيمن يركبه من أرباب المراكب من البحرية والعمالة إلا وهو ينقاد إلى قوله، ويقر له بالبصر والحذق مما هو عليه من الديانة والجاد القديم فيه.
وأنبأنا الاخوان أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو العباس أحمد الاسديان قالا: أخبرنا أبو طاهر السلفي إذناً عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي قال: ذكر أبو الحسين بن المنادي في كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم، وأوصاف الافلاك، والأقاليم وأسماء بلدانها قال: حدثني هرون بن علي بن الحكم المزوق قال: حدثنا علي بن داود القنطري قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: حدثنا عمر بن يزيد المنقري قال: في الكتاب الذي تنبأ عليه هرون عليه السلام أن بحرنا هذا خليج من فنطس وفنطس خلفه محيط بالأرض كريا فهو عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه الأصم محيط بالأرض كلها، ففنطس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه المظلم محيط بالأرض كلها، فالأصم وما دونه عنده كعين على سيف البحر ومن خلفه الماس محيط بالأرض كلها، فالمظلم وما دونه عنده كعين على سيف البحر ومن خلفه الباكي، وهو ماء عذب أمره الله تبارك وتعالى أن يرتفع، فأراد أن يستجمع، فزجره، فهو باك يستغفر الله، محيط بالأرض كلها، فالماس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، ومن خلفه العرش محيط بالدنيا كلها، فالباكي وما دونه عنده كعين على سيف البحر.
قال ابن المنادي: ثم بلغنا بعد ذلك أن البحر المعروف بفنطس من وراء قسطنطينية يجيء من بحر الخزر وعرض فوهته ستة أميال، فإذا بلغ أندس صار هنالك بين جبلين وضاق حتى يكون عرضه غلوة سهم، وبين أندس هذه وبين قسطنطينية مائة ميل في مستوى من الأرض، ثم يمر الخليج حتى يصب في بحر الشام، وعرضه عند مصبه ذلك مقدار غلوة سهم أيضاً، وهنالك زعموا صخرة عليها برج فيه سلسلة تمنع المسلمين من دخول الخليج، وطول الخليج من بحر الخزر إلى بحر الشام ثلاثة وعشرون ميلاً تنحدر المراكب فيه من بحر الخزر وتيك النواحي، وتصعد فيه من بحر الشام إلى القسطنطينية.

وقال أبو الحسين بن المنادي: حدثنا جدي رحمه الله قال: حدثنا يزيد بن هرون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني شيخ كان مرابطاً بالساحل قال: خرجت ليلة بحرس إلى الميناء، ولم يخرج تلك الليلة أحد غيري، فصعدت الميناء، فكان يخيل إلي وأنا مستيقظ أن البحر يشرف حتى يحاذي برؤوس الجبال ففعل ذلك مراراً وأنا مستيقظ، ثم نمت فرأيت في النوم كأن الراية يبدي وأنا أمشي أمام أهل هذه المدينة، وهم يمشون خلفي، فلما أصبحت رجعت، فاستقبلني أمير المدينة، وأبو صالح مولى عمر بن الخطاب رحمه الله، فكانا أول من خرج من المدينة فقالا لي: أين الناس؟ قلت رجعوا قبلي، قالا: لم تصدقنا، انحن أول من خرج من المدينة، قال: قلت: لم يخرج أحد غيري، قالا: فما رأيت؟ قلت: والله لقد كان يخيل إلي أن البحر يشرف حتى يحاذي برؤوس الجبال، ففعل ذلك مرات وأنا مستيقظ، ثم نمت، فرأيت كأن الراية بيدي، وأنا أمشي أمام أهل هذه المدينة، وهم يمشون خلفي، فقال أبو صالح: صدقت، حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس من ليلة إلا والبحر يشرف على الأرض ثلاث مرات يستأذن الله في أن ينتضح عليهم، فيكفه الله، وأما ما رأيت من الراية فإن تصدق رؤياك تفز بأجر أهل هذه المدينة الليلية، قال: وكان أبو صالح مباعداً لي قبل ذلك، فكأنه استأنس بي، فجعل يحدثني، وذكر كلاماً قطعناه.
وعلى قول المسعودي فيما ذكرنا عنه أن التنانين في بحر الشام كثيرة، فوقع إلى ببغداد من تصنيف أحمد بن محمد بن اسحق الزيات مؤلف كتاب البلدان قال فيه: وقال المعلى بن هلال العوفي: كنت بالمصيصة فسمعتهم يتحدثون أن البحر ربما مكث أياماً وليالي تصفق أمواجه، ويسمع له دوي شديد، فيقولون ما هذا إلا لشيء قد آذى دواب البحر فهي تصيح إلى الله، قال: فتقبل سحابة حتى تغيب في البحر، ثم تقبل أخرى حتى عد سبع سحابات، ثم ترتفع التي جاءت آخرهن وتتبعها التي تليها والريح تصفقها، ثم يرتفعن جميعاً في السماء، وقد أخرجن شيئاً يرونه أنه التنين، حتى تغيب عنا، ونحن نراه وننظر إليه ورأسه في السحاب، وذنبه يضطرب، فيقال أنه تطرحه إلى يأجوج ومأجوج، قال: ويسكن البحر عند ذلك.
قال الصوري: فربما رأيناه قد انفلت من السحاب ورجع إلى البحر، فتجيء السحابة، ولها رعد وبرق حتى تخرجه ثانية، فربما مر في طريقه بالشجرة العادية العظيمة، فيقتلعها، أو الصخرة العظيم فيرفعها.
فصل في ذكر ما ورد في ذم بحر الشام
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي فيما أذن لنا في روايته عنه قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا محمد بن عمر بن بكر المقريء قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري قال: حدثنا سعد بن زنبور قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة.
قال محمد: وحدثنا سريج قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة - المعنى واحد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلم الله البحر الشامي فقال: يا بحر ألم أخلقك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب، قال: فكيف تصنع إذا حملت فيك عبادي يهللوني ويحمدوني ويسبحوني ويكبروني؟ قال: أغرقهم قال: فإني جاعل بأسك في نواحيك، وحاملهم على يدي، قال ثم كلم الله البحر الهندي فقال: يا بحر ألم أخلقك فأحسنت خلقك وأكثرت فيك من الماء؟ قال: بلى يا رب، قال فكيف تصنع إذا حملت فيك عبادي يهللوني ويسبحوني ويحمدوني ويكبروني؟ قال: أهلك معهم، وأسبحك معهم، وأكبرك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني، قال: فآتاه الله الحليه والصيد والطيب.

قال أبو بكر أحمد بن علي: هكذا رواه عبد الرحمن بن عبد الله العمري عن سهيل وتابعه أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب فرواه عن عمه عبد الله بن وهب عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفه خالد بن خداش المهلبي فرواه عن عبد العزيز الدراوردي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار، وخالفهما خالد بن عبد الله الواسطي فرواه عن سهيل عن النعمان ابن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو موقوفاً لم يجاوزه، ورفعه غير ثابت.
قال: أما حديث ابن أخي عبد الله بن وهب فأخبرناه أبو بشر محمد بن عمر ابن محمد بن إبراهيم الوكيل قال: أخبرنا محمد بن المظفر الحافظ قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: حدثنا عمي، حدثني الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى كلم البحرين فقال البحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء، وحامل فيك عباداً لي يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ويكبروني، فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم، فقال الله: فإني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواحيك، وقال للبحر الذي باليمن مثل ذلك، فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهللك معهم، وأكبرك معهم، وأحملهم في بطني وبين أضلاعي، قال الله: فإني أفضلك على البحر الآخر بالحيلة والطيب.
قال: وأما حديث خالد بن خداش عن الدراوردي، فأخبرناه علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال: أخبرنا الحسين بن صفوان البرذغي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح عن أبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى أوحى إلى البحر الغربي حين خلقه قد خلقتك، فأحسنت خلقك فأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويسبحوني ويهللوني ويقدسوني فكيف تفعل بهم؟ قال: أغرقهم، قال الله: فإني أحملهم على كفي وأجعل بأسك في نواحيك، ثم قال للبحر الشرقي: قد خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويهللوني ويسبحوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: أكبرك معهم وأهللك معهم وأحمدك معهم، وأحملهم بين ظهري وبطني فأعطاه الله الحلية والصيد والطيب.
قال: وأما حديث خالد بن عبد الله الواسطي عن سهيل فأخبرناه محمد بن الحسين القطان والحسن بن أبي بكر بن شاذان قالا: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن علي بن زيد الصائغ أن سعيد بن منصور حدثهم قال: حدثنا خالد ابن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي عياش الزرقي عن عبد الله بن عمرو قال: كلم الله هذا البحر الغربي فقال: يا بحر إني خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويحمدوني ويسبحوني ويهللوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: أغرقهم، قال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وكلم الله هذا البحر الشرقي فقال: يا بحر إني خلقتك فأحسنت خلقك، وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عباداً لي يكبروني ويحمدوني ويسبحوني ويهللوني، فكيف أنت فاعل بهم؟ قال: إذا أسبحك معهم وأهللك معهم وأحملهم بين ظهري وبطني فأثابه الله الحلية والصيد.
قلت: وقد تابع النعمان بن أبي عياش سعيد بن محمد بن عبد الله بن عمرو فرواه عن أبيه عبد الله بن عمرو موقوفاً عليه.

أنبأنا به أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة الحموي عن الحافظ أبي طاهر الأصبهاني عن أحمد بن محمد بن الابنوسي عن رجل عن أبي الحسين بن المنادي قال: أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا أبو سلمة التبوذكي قال: حدثنا سعيد بن زيد قال: حدثنا يزيد بن حازم قال: مر بنا شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص بالمدينة فجلس في حلقه سليمان بن يسار فحدثنا عن عبد الله بن عمرو قال: إن الله تعالى لما خلق بحر الشام أوحى إليه أني خلقتك وأني حامل فيك عباداً إلي يبتغون من فضلي يسبحوني ويقدسوني ويكبروني ويهللوني، فكيف أنت صانع بهم؟ قال: رب إذا أكسر بهم سفينتهم وأغرقهم، قال: اذهب فقد لعنتك، وسأنقل أو سأقل حليتك، وأقل صيدك، وأوحى إلى بحر العراق إني قد خلقتك وإني حامل فيك عباداً إلي يبتغون من فضلي يسبحوني ويقدسوني ويكبروني ويهللوني فكيف أنت صانع بهم؟ قال: رب: إذا أحملهم على ظهري وأحملهم في بطني، إذا سبحوك سبحتك معهم، وإذا قدسوك قدستك معهم، وإذا كبروك كبرتك معهم، وإذا هللوك هللتك معهم، قال: اذهب فقد باركت فيك، وسأكثر حليتك، وأكثر صيدك.
وقد رواه صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرنا به أبو محمد وأبو العباس الأسديان، إجازة من كل واحد منهما، قالا: كتب إلينا أبو طاهر الحافظ أن أحمد بن محمد بن الآبنوسي أنبأهم قال: أخبرنا عن أبي الحسين بن المنادي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد بن دينار أبو محمد الفارسي قال: حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر الحراني قال: حدثنا محمد بن إسحق العكاشي عن صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلى بحر الهند كيف أنت يا بحر الهند إذا حملت فيك عباداً لي يقدسوني ويهللوني ويسبحوني ويكبروني؟ قال أكون لهم كالملوك على أسرتهم إذا سبحوك سبحتك، وإذا كبروك كبرتك، وإذا قدسوك قدستك، وإذا هللوك هللتك، فبارك الله فيه فأكثر حليته وصيده؛ وأوحى إلى بحر الروم كيف أنت يا بحر الروم إذا حملت فيك عباداً لي يقدسون ويهللون ويسبحون ويكبرون؟ قال: أكون لهم كفار بين الأسد إن ثبتوا فزعتهم، وإن غرقوا أكلتهم، قال: فلعنه الله، وأقل حليته وصيده.
باب في ذكر
البحيرات التي في أعمال حلب
وتسمى الواحدة منها بحيرة لانبساطها على ظهر الأرض في سعة وامتداد تشبيهأ بالبحر وتخرج عن حدود الأنهار. فمنها: بحيرة أفامية، وهي بحيرة كبيرة مذكورة، ويجلب منها السمك السلور، وهو الجريث، ويقال: إن قويق إذا مد في الشتاء وغاض ماؤه في الأجمة بالمطخ يحمر ماء بحيرة أفامية، فيقولون إنه يمر تحت الأرض إلى بحيرة أفامية، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وقال بعضهم: إن السلور يحيض في ذلك الأوان فيحمر ماؤها، والله أعلم بذلك؛ ويضمن سلورها بمبلغ وافر.
ومنها: بحيرة يغرا، وهي بحيرة كبيرة في جانب العمق، مستطيلة بعمق أنطاكية، وتعرف أيضاً ببحيرة بغراس، ويجلب منها السمك الكثير، ولها ارتفاع وافر أيضاً.
ومنها: بحيرة أنزنيت، وهي بحيرة أصغر من البحرتين اللتين قدمنا ذكرهما، وهي بحيرة على جانبها تل عال، عليه قرية يقال لها أنزنيت بالقرب من مدينة الحدث، وتخم بلاد الروم، وأهلها أرمن وهي اليوم من عمل بهسنى، بينها وبين الحدث.
باب في ذكر
الجبال المذكورة بحلب وأعمالها
ونبدأ أولاً بالجبال التي تختص بها وبقراها، ثم نذكر ما هو في عملها سواها؛ فأولها: جبل جوشن، وهو جبل من غربي مدينة حلب، وفي لحفه نهر قويق، ويسمى قويق في ذلك الموضع العوجان؛ وهذا الجبل فيه معدن النحاس.
وأخبرني والدي رحمه الله قال: إنما امتنعوا من عمل النحاس به لأنهم عملوه فما حصل فيه فائدة، وقيل: إن سبب عدم الفائدة فيه قله الحطب بحلب.
وقرأت بخط بعض الحلبيين، وأظنه بعض أعيان بني الموصول، قال: ويقال إنه بطل منذ عبر عليه سبي الحسين ونساؤه وأولاده عليهم السلام، وأن زوجة الحسين كانت حاملاً، وأنها أسقطت هناك وطلبت من الضياع في ذلك الجبل خبزاً أو ماء، وأنهم شتموها، ومنعوها فدعت عليهم، وإلى الآن من عمل فيه لم يربح سوى التعب.
سمعت بعض شيوخ الشيعة بحلب يقول: كان دعاؤها عليهم، لا أربح الله لكم تجارة، فما ربحوا بعدها.

وقبلي الجبل فيه مشهد يعرف بالسقط، وهو يسمى مشهد الدكة، والسقط يسمى المحس بن الحسين.
قلت وللشيعة بحلب فيه إعتقاد عظيم، وينذرون له النذور، وتسمية السقط بالمحسن لا أصل له، لأن السقط لا يسمى، وإن كان استهل وسمي، فكان ينبغي أن يذكره النسابون في كتبهم، ومع هذا لم يذكر، اللهم إلا إن كان الحسين عليه السلام عزم على تسمية ما في بطن إمرأته المحسن، فلما أسقطت أطلق هذا الاسم، لكن هذا وغيره لم يذكر في كتاب يعتمد عليه، وإنما يتداول الحلبيون ما ذكرناه.
ولما نزل الفربخ على حلب وحصروها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة نبشوا الضريح الذي يقال به السقط في المشهد المذكور، ونزلوا فيه، فلم يروا فيه شيئاً فأحرقوه، وكان أبو الفضل بن الخشاب حينئذ يتولى تدبير أمر المدينة في الحصار فغير كنائس النصارى بحلب، واتخذ فيها محاريب إلى جهة القبلة، وجعلها مساجد؛ أخبرني بذلك والدي رحمه الله عن أبيه.
وإنما عرف هذا المشهد مشهد الدكة لأن في سطح جبل جوشن من شمالي المشهد المذكور في مكان مشرف صخرة ناتئة في الجبل تشبه الدكة المبنية. ووقفت يوماً عليها ومعي رضى الدين أبو سالم بن المنذر، وكان شيخاً حسناً من أعيان الحلبيين فقال لي: هذه الدكة كان يجلس عليها الأمير سيف الدولة بن حمدان كثيراً ويتفرج على مدينة حلب وما حولها، فلا يستتر عنه شيء منها؛ وهذا المشهد جدد عمارته قسيم الدولة أق سنقر والدزنكي، واسمه عليه.
وفي سفح جبل جوشن من شمالي مشهد الدكة مشهد آخر يسمى مشهد الحسين، بناه الحلبيون لمنام زعموا أنه رؤي، وتنوقوا في بنائه وإحكامه ومنجوره، وتبرع جماعة من الصناع في عمارة شيء منه، وأظهر صنعته فيه؛ ووقف الملك الظاهر غازي رحمه الله عليه وقفاً حسناً، إستمالة لقلوب الشيعة من أهل حلب.
وكان في سفح جبل جوشن دير للنصارى يعرف بدير البيعتين، ويعرف أيضاً بمارة مروثا وقد ذكره الشمشاطي في كتاب الديرة، وقيل إن سيف الدولة كان أيام مقامه بالحلبة في قصره كان ينتباب هذا الدير، ويحسن إلى أهله، وقد خرب هذا الدير بالكلية، ولم يبق له أثر، وكان من شمالي مشهد الحسين، وأراني موضعه بعض أكابر أهل حلب؛ وقد ذكره أبو عيسى صالح بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي في قصيدة قالها في إحراق المنتزهات حول حلب، وأظن أن سيما الطويل أحرقها، أول القصيدة.
عفا أثرُ من المُتنزّهات
قال فيها:
إلى البرج المُنيف فبيعتيه ... إلى تلك الديار الخاليات
وهذا الدير هو الذي عناه الخالديان بقولهما من قصيدة يأتي ذكرها في موضعها
واستشرفت نفسي إلى مُستشرفٍ ... للدّيرتاه بحُسنه وبطيبه
فنعمتُ بين رياضه وغياضه ... وسكرتُ بين سكُوره وعُروبه
وقد ذكر جماعة من الشعراء جبل جوشن، فمنهم أبو بكر الصنوبري قال:
فللظهر من حلبٍ منزل ... تُثاب العُيون على حجّه
أعد نحو جوشنه نظرةً ... إلى بيعتيه إلى بُرجه
وأنشدنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد الحلبي قال: أنشدنا أبي هاشم الخطيب بحلب قال أنشدنا أبي أحمد بن عبد الواحد الأسدي قال: أنشدنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي الحلبي لنفسه:
قل للنسيم إذا حملت تحيةً ... فاهد السلام لجوشنٍ وهضابه
واسألهُ هل سحب الربيعُ رداءه ... فيها وجرّ الفضل من هُدّابه
وتبسمت عنهُ الرياض وأفصحت ... بثناء بارقه ومدح سحابه
فلقد حننتُ وعادني من نحوه ... شجنٌ بخلتُ به على خُطابه
وأنشدنا أبو عبد الله الخطيب قال: أنشدني أبي قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أبو محمد الخفاجي لنفسه:
يا برق طالع من ثنيّه جوشنٍ ... حلباً وحيّ كريمةً من أهلها
وقال الاستاذ أبو نصر منصور بن المسلم بن أبي الخرجين الحلبي المعروف بالدميك.
عسى موردٌ من سفح جوشن ناقع ... فإني إلى تلك الموارد ظمآنُ
وما كلُّ ظنٍ ظنّهُ المرءُ كائنٌ ... يقومُ عليه للحقيقة برهان
ذكر جبل بانقوسا

وهو جبل ممتد قليل الارتفاع من شرقي مدينة حلب، وبينها وبين بابلى، وحلب فيما بينه وبين جبل جوشن، وقد كان مسكوناً وفيه آثار صهاريج للماء، ولم يبق من أثر بنيانه القديم غير الصهاريج، ثم بني في سفحه أبنية كثيرة جدد أكثرها في أيام الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر، ثم إتصل البناء إلى سطح الجبل، وبني عليه منازل كثيرة في دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز أعز الله أنصاره، وقيل إن منبت خشب الشربين بحلب كان ببانقوسا، وهو خشب السرو، ومنه كانت تعمل السقوف بحلب، والسقوف في آدر حلب القديمة والأنجاف من خشب الشربين، ويدل على ذلك وصف الصنوبري حلب بكثرة السرو كما في قوله في القصيدة الهائية التي يأتي ذكرها في باب مدح حلب إن شاء الله.
أي حسن ما حوتهُ ... حلبٌ أو ما حواها
سروُها الداني كما تد ... نو فتاة لفتاها
وفيها:
بانقُوساها بها با ... هى المباهي حيث باها
وأخبرنا قاضي العسكر أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الخضر قال: كانت حلب من أكثر المدن شجراً، فأفنى شجرها وقوع الخلف بين سيف الدوله بن حمدان وبين الإخشيد أبي بكر محمد بن طعج، فإن الإخشيد كان ينزل على حلب ويحاصرها، ويقطع شجرها، فإذا أخذها وصعد إلى مصر جاء سيف الدوله، وفعل بها مثل ذلك، وتكرر ذلك منهما حتى فني ما بها من الشجر، واتفق بعد ذلك نزول الروم على حلب، وأخذ المدينة في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ففني شجر الشربين لذلك، وكانت الوقعة بين سيف الدولة وبين الدمستق في هذه السنة بسفح بانقوسا، وسميت وقعة بانقوسا، وقتل فيها جماعة من أهله وكتابه؛ وكان عسكره غائباً مع نجا، واستولى الدمستق على حلب تسعة أيام، وسنذكر الوقعة فيما يأتي من كتابنا هذا في موضعها، والحيات التي ببانقوسا قواتل لا يسلم من لدغته بل يموت في الحال، وحيات داخل المدينه لا تكاد تقتل أحداً، وبين المدينة وبين بانقوسا مقدار شوط من جري الفرس، وقد ذكرت بانقوسا كثيراً في الشعر، وقال الصنوبري في القصيدة الجيمية بعد البيتين اللذين ذكرناهما في جبل جوشن:
إلى بانقُوسا تلك التي ... حكت راكباً لاح من فجه
لترتاض نفسُك في روضه ... ويمرج طرفُك في مرجه
وقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري يذكر بانقوسا وبابلى وبطياس:
أقام كلُّ مُلثّ الودق رجاس ... على ديار بعلو الشام أدراس
فيها لعلوة مُصطافٌ ومُرتبعٌ ... من بانقوسا وبابلّى وبُطياس
منازلٌ أنكرتنا بعد معرفةٍ ... وأوحشت من هوانا بعد إيناس
هل من سبيل إلى الظُّهر من حلبٍ ... ونشوةٍ بين ذاك الورد والآس
إذا أقبل الريح والأيام مقبلةمن أهيفٍ خنث العطفين مياس
ذكر جبل سمعان
وهذا الجبل غربي مدينة حلب أوله شمالي جبل جوشن، ثم يمتد غرباً ويتصل بجبال عدة محسوبة منه، إلى كورة تيزين، وهو جبل نزه، كثير الشجر من التين والزيتون والكرم والكمثرى؛ وفيه آثار عظيمه من بناء الروم، وفيه دير سمعان، وكان من الأبنيه العظيمة المستحسنة التي تقصد لحسنها وكان على الدير حصن مانع، أخربه سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، خوفاً من غلبة الروم عليه، ومضايقتهم حلب به.
وهذا الدير غير دير سمعان الذي دفن فيه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بالقرب من معرة النعمان، ويعرف بدير النقيرة أيضاً.
وفي هذا الدير الذي بجبل سمعان يقول أبو الفوارس بن أبي الفرج الاستاذ البزاعي، أنشدنا عبد الرحمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سندي الحلبي قال: أنشدني أبو الفوارس بن أبي الفرج البزاعي الاستاذ لنفسه وكتبها على حائط دير سمعان؛ وقرأت هذه الأبيات أيضاً بخط اللطيف علي بن سنان السراج، وذكر أنه أنشده إياها أبو الفوارس لنفسه، وكتبها على حائط دير سمعان، وقد أتاه متفرجاً في سنة إحدى وثمانين وخمسمائه.
يا دير سمعان قُل لي أين سمعانٌ ... وأين بانوك خبرني متى بانوا
وأين سكانك القوم الأُلى سلفوا ... قد أصبحوا وهم في الترب سكانُ
أصبحت قفراً خراباً مثل ما خربوا ... بالموت ثم انقضى عمرٌ وعمران

وقفتُ أسألُه جهلاً ليخبرني ... هيهات من صامت بالنطق تبيانُ
أجابني بلسان الحال إنهمُ ... كانوا ويكفيك قولي إنهم كانوا
وقيل إن هذا الجبل ينسب إلى سمعان حواري عيسى عليه السلام الذي ينسب الدير إليه، وسنذكر ترجمته إن شاء الله، وقيل سمعان هو اسم الجبل نفسه، والدير المذكور مضاف إلى الجبل المسمى بسمعان ويدل على ذلك ما أخبرنا أبو البيان بن أبي المكارم بن هجام الحنفي بالقاهرة المعزية قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن منصور الحضرمي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد ابن عيسى السعدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي المقريء قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن نعيم قال: حدثنا أبو علي عبيد الله الدارسي حدثني أبو مسعود عبيد بن سميع عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما قدم وفد إياد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل قس بن ساعدة؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: يرحم الله قس بن ساعدة كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة، وما أجدني أحفظه؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعته يقول بسوق عكاظ: أيها الناس، اسمعوا واحفظوا من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، ومطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، وضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ومركب ومطعم ومشرب، إن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام هنالك فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا، يقسم بالله قس بن ساعدة قسماً براً لا إثم فيه، ما لله في الأرض دين أحب إليه من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدركه فتابعه، وويل لمن أدركه ففارقه، ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا من مضى منهم يرا ... جعهم ولا الباقي بغابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله قس بن ساعدة إني لأرجو أن يأتي يوم القيامة أمة وحده، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجباً، قال: وما الذي رأيت؟ قال: بينا أنا يوماً بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان في يوم قائظ شديد الحر، إذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين من ماء، وإذا حوله سباع كثيرة قد وردت، وهي تشرب من الماء، فإذا زأر سبع منها على صاحبه، ضربه بيده، وقال: كف حتى يشرب الذي ورد قبلك، فلما رأيته وما حوله من السابع هالني ذلك، ودخلني رعب شديد، فقال لي: لا تخف، لا بأس عليك إن شاء الله، وإذا أنا بقبرين، بينهما مسجد، فلما أنست به قلت له ما هذان القبران؟ قال: هذان قبرا أخوين كنا لي يعبدان الله في هذا الموضع، واتخذت فيما بينهما مسجداً أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما وفعالهما، فبكى ثم قال:
خليلي هُبّا طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيها من حبيب سواكما
أقيم على قبريكما لست نازحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما
أبكيكما طول الحياة وما الذي ... يُردُّ على ذي لوعة إن بكاكما
كأنكما والموت أقرب غايةٍ ... بروحي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقايةً ... لجدت بنفسي أن تكون وقاكما
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله قس بن ساعدة.
فقد صرح في هذا الخبر بقوله: بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان، وفي الشعر
ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... ........

ويجوز أن يكون الجبل في الأصل منسوباً إلى سمعان، ثم غلب الاسم على الجبل، كما سمي جبل البشر باسم رجل يقال له البشر، ثم غلب على الجبل، ومثل هذا كثير في كلام العرب، وفي هذا الجبل قرية يقال لها روحين، وفي أرضها مشهد حسن يقال له مشهد روحين، وفيه قبور ثلاثة، قيل أن أحد القبور قبر قس، وإلى جانبه عين إذا زاد الماء سرحت. وسنذكره فيما يأتي من المزارات بمدينة حلب وأعمالها إن شاء الله.
وفي وسط هذا الجبل جبل عال شاهق على الجبال التي حوله، يقال له بيت لاها وهو بيت لاها الشرقي، لأن جبل اللكام يقال له بيت لاها الغربي، ومعناه بالسريانية بيت الله، ويقال: إن إبراهيم عليه السلام لما هاجر إلى الشام كان يرعى غنمه من أرض حلب إلى بيت لاها، ويقال لما حوله من الجبال، جبل ليلون، وقيل فيه لولون، كذا ذكره البلاذري في حديث الجراجمة وهو من أحسن الأماكن وأكثرها بهجة، وجميعها من جبل سمعان، وأنشدني منصور بن سعيد بن أبي العلاء الحلبي قال: أنشدني عيسى بن سعدان لنفسه.
يا دار علوة ما جيدي بمنعطف ... إلى سؤال ولا قلبي بمنجذب
ويا قرى الشام من ليلون لا بخلت ... على بلادكم هطالة السحب
ما مر برقك مجتازاً على بصري ... إلاّ وذكرني الدارين من حلب
ليت العواصم من شرقي فامية ... أهدت إليّ نسيم البان والغرب
ما كان أطيب أيامي بقربهم ... حتى رمتنا عوادي الدهر عن كثب
ولمحاسن بن إسماعيل بن علي الشوا من قصيدة أولها:
أيّها المُزنُ إن طرقت الأحصّا ... فاسق منهُ ذاك المكان الأخصا
قال فيها:
وتهد ليلون ليلا تجد زه ... ر عراصٍ تحكي بروقل عرصا
ذكر الجبل الأعلى
وهو جبل عال يتصل بجبل سمعان من جهة الشمال، وبجبل السماق من قبليه ومن غربي هذا الجبل أرمناز وكورتها، ومن شرقيه الحفة والجزر، وفيه من العمائر وبناء الروم آثار تروق الطرف، وتبسط النفوس، وهو كثير الأشجار من التين والزيتون والرمان والجوز والسماق، وفيه قرى فيها أعين ماء، وكذلك القرى التي في لحف هذا الجبل، وتحف به من جوانبه الأربع.
وقرأت بخط حمدان بن عبد الرحيم بن حمدان الأثاربي من أجزاء من شعره، سيرها إلي القاضي أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب صديقنا رحمه الله، فنقلت منه أبياتاً كتبها بعد خروجه من معربونية، وهي قرية كانت ملكه في جانب هذا الجبل، إلى جيرانه بها وهي:
أسكان عُرشين القصور عليكمُ ... سلامي ما هبت صباً وقبول
ألا هل إلا حثّ المطابا إليكمُ ... وشمّ خُزامى حربنوس سبيل
وهل غفلاتُ العيش في دير مرقُشٍ ... تعود وظلُّ اللهّو فيه ظليل
إذا ذكرت لذّاتها النفسُ عندكم ... تلاقى عليها زفرة وعويل
بلاد بها أمسى الهوى غير أنني ... أميل مع الأقدار حيث تميل
ذكر جبل السماق
وهو جبل يشتمل على جبال وقرى من أنزه البقاع وأعجبها، وأحسن الأماكن وأطيبها، وفيه من البنية الرومية والآثار والفواكه الحسنة، والثمار ما يتجاوز الوصف، ويسر النفس، ويقر الطرف، ويزرع في أرضه القطاني كلها، والقثاء والحبوب، فتأتي على أكمل ما يكون في الأراضي التي تسقى بالماء، وكذلك أشجاره فإنها قد عمت الجبال والبقاع والأودية والقلاع، من التين والعنب، والفستق واللوز والجوز، والتفاح والمشمش والكمثرى، والسماق، وإنما عرف بجبل السماق لكثرته فيه، وسماقه أجود من غيره.
وقراه قرى نزهة عامرة، وفي بعضها ماء نبع وعيون وأكثرها من ماء المطر وفي قراها قرية يقال لها إصطمك فيها مصنع عظيم للماء من بناء الروم، مبني بالحجر الهرقلي على قناطر كثيرة محكمة البناء، وهو من عجائب العمائر.
وقراه قرى نزهة عامرة، وفي بعضها ماء الروم، مبني بالحجر الهرقلي على قناطر كثيرة محكمة البناء، وهو من عجائب العمائر.
والغالب من أهل هذا الجبل أسديون من بني كاهل، ومذاهب عامتهم في زمننا هذا مذهب الإسماعيلية النزارية.

وكان أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو الفضل قد قدم الشام، ونزل بجبل السماق، فاستطاب ماءه، واستلذ هواءه، وأعجب به اعجاباً كثيراً، ورحل عنه فقال:
يا جبل السماق سقيا لكا ... ما فعل الظبي الذي حلكا
فارقت أطلالك لا أنه ... قلاك قلبي لا ولا ملكا
فأي لذاتك أبكي دماً ... ماءك أم ظبيك أم ظلكا
أم نفحات منك تندى إذا ... دمع الندى إثر الدُجى بلكا
ومن شعر عيسى بن سعدان الحلبي في ذكره.
عهدي بها في رواق الصبح لامعةٍ ... تلوى ظفائر ذاك الفاحم الرجل
وقولها وشُعاع الشمس منخرطٌ ... حييت يا جبل السُماق من جبل
ذكر جبل الطور بقنسرين
وهو جبل عال، مدينة قنسرين كانت في لحفه من جهة القبلة والمشرق، ونهر قويق يمر من شرقيه، وفي رأسه مشهد يقال أنه مقام صالح النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولن إن الناقة خرجت منه، وهذا لا أصل له، فإن صالحاً عليه السلام كان بالحجر، وقتل قومه الناقة بالحجر، والذي يغلب على ظني أن هذا المشهد بناه صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسب إلى صالح النبي عليه السلام.
ذكر جبل بني عليم
وهو منسوب إلى بني عليم بن جناب بن كلب وبرة بن تغلب بن حلوان، نزلوه فعرف بهم، ونسلهم به إلى اليوم، وسيأتي في أثناء كتابنا هذا ذكر جماعة منهم إن شاء الله، وهو جبل عال مشرف على جبل السماق، وفي ذيله قرية كبيرة يقال لها ريحا.
وفي رأس الجبل عين ماء في موضع يقال له الكرساني فيه أشجار على العين، من الجوز وغيره، ويشرف ذلك الموضع على جبل السماق وغيره، ويقصد الناس هذا الموضع للنزهة به من حلب وغيرها، وينحدر الماء في هذا الجبل إلى أسفله، فيجري في قرية ريحا، وينتفعون به للشرب والحمام، ونفس القرية إذا حفر فيها بئر لا يصلون إلى منبع الماء إلا بعد مجاوزة ثلاثمائة ذراع، وفي القرية أبنية عظيمة من بناء الروم.
وفي هذا الجبل قبلى الكرساني قرية يقال لها كفر لاثا في شعب من شعابه فيها عين ماء، وتحتها بساتين تشرب منها، وهي من أنزه البقاع تشرف على كورة قنسرين، وكورة حلب، وكان بها حصن منيع استولى عليه طنكري الفرنجي، وأخذه من نواب رضوان بن تتش في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ففتحه نور الدين محمود بن زنكي في سنة ست وأربعين وخمسمائة، وخربه.
وفي قرية من هذا الجبل يقال لها نحله مقابر يشاهد الناظر النور عليها ليلاً عن بعد، فإذا وصل إليها لا يرى شيئاً، وعليها كتابة بالرومية، حكى لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب رحمه الله أن الأمير سيف الدين علي بن قلج أمر بأن تنقل تلك الكتابة، ودفعها إلى بعض علماء الروم بحلب، فترجمها فكان فيها هذا النور موهبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاماً نحو هذا، وفيه زيادة عليه.
ذكر جبل الأحص
وهو من شرقي مدينة حلب وقبليها، ومن غربيه السهول، ومن شرقيه برية الرصافة، ومن شماليه نقرة بني أسد، وهو جبل كبير وفيه قرى عامرة، كثيرة الغلة، وفيه خناصرة منزل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وفيه شبيث ماء مذكور وفيه يقول الشاعر:
فقال تجاوزت الأحص وماءه ... وماء شبيث وهو ذو مترسم
وكان جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب وائل ينزل الأحص، فجرت وقعة البسوس، فقتل جساس كليباً، فلما غشية الموت قال لجساس: أغثني بشربة، فقال تجاوزت شبيثاً والأحص فأرسلها مثلاً، ووقعت الحرب بين الحيين بكر وتغلب على ما نذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وفي الأحص من المدن الخربة الاندرين، وهي مدينة خربة، مبنية بالحجر الأسود، على شفير البرية، وينسب إليها الخمر، قال:
ألا هُبيّ بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحُصّ فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
وتنسب إليها الحبال أيضاً قال النابغة الذبياني:
كأني شددت الكور حين شددته ... على قارح مما تضمن عاقل
أقب كعقد الاندري معقرب ... حزابية قد كدحته المساحل
وقاتلته الحمر وطاردها.

وفي هذا الجبل مدينة خربة، وهي سورية كانت مبنية بالحجر الأسود، وهي اليوم خراب لا ساكن بها، ويعمل بها القلي السورياني، وأظن اللسان السورياني منسوب إليها، وصار اسمها بعد خرابها ينطلق على ناحية قنسرين وحلب وأعمالها أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي إجازة، إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عبد الله بن النقور البزاز قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف السجستاني قال: حدثنا أبو عبيدة السري بن يحيى التميمي قال: حدثنا شعيب ابن إبراهيم التيمي قال: حدثنا سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة عن عبادة وخالد أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس خلف سورية وطعن في أرض الروم، التفت إليها فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع ولم يقض منك وطره، وهو عائد، فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء فنزل الرها، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة، وفتحت قنسرين، وقتل ميناس، فخنس عند ذلك إلى شمشاط حتى إذا فصل منها نحو الروم علا على شرف، والتفت ونظر نحو سورية وقال: عليك السلام يا سورية لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً، حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لا يولد، ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم.
وقال: حدثنا السري قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا سيف عن أبي الزهراء وعمرو بن ميمون قالا: لما فصل هرقل من شمشاط وأخلى الروم، التفت إلى سورية فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسليم المفارق لا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً حتى يولد المولود المشؤوم، ويا ليته لم يولد، ومضى حتى نزل قسطنطينية.
ذكر جبل البشر
وهو جبل كبير في طرف عمل حلب من جهة البرية، وبينه وبين الرصافة أربعة فراسخ، وهو متصل بعاجنة الرحوب، بينهما فرسخ واحد، وعاجنة الرحوب من شماليه، ويفرغ سيوله فيها، وسمي البشر برجل يقال له البشر، وفي هذا الجبل كانت وقعة الجحاف بن حكيم السلمي ببني تغلب، قتل فيها الرجال والنساء وبقربطون الحبالى، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى، في ترجمة الجحاف مسنداً.
وإياه عنى عبد الله بن قيس الرقيات.
أمست رقية دونها البشر ... فالرقة السوداء فالغمر
ووقفت على صفة هذا الجبل وذكر الوقعة في شعر القطامي رواية أبي جعفر الخراساني، عن أبي يوسف يعقوب بن السكيت، مما ذكره ابن السكيت في شرح قول القطامي:
حلّوا الرحوب وحل العز ساحتهم ... تدعوا أمية أو مروان والحكما
فأوردت الفصل جميعه في هذا الموضع لما تضمن من وصف الجبل، وذكر الوقعة.
قال ابن السكيت: هذا يوم الرحوب، ويوم مخاشن، ويوم البشر، وكان من سبب هذا اليوم أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين قتل عبد الله بن الزبير، فهدأت الفتنة، واجتمع الناس على عبد الملك، وتكافت قيس وتغلب عن المغازي بالشام والجزيرة، وظن كل واحد من الفريقين أن عنده فضلاً لصاحبه، وتكلم عبد الملك، ولم يحكم الصلح، فبينا هم على تلك الحال، إذ أنشد الأخطل عبد الملك، وعنده وجوه قيس قوله:
ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر

حتى أتى على آخرها، فنهض الجحاف بن حكيم يجر مطرفه حتى خرج من عند عبد الملك، ثم شخص من دمشق، حتى أتى منزله بباجروان من أرض البليخ، وبين باجروان وبين شط الفرات ليلة، ثم جمع قومه بها، فقال: إن أمير المؤمنين استعملني على صدقات تغلب، فانطلقوا معي، فارتحل، وانطلقوا معه وهو لا يعلمهم ما يريد، وجعلت امرأته عبلة تبكي حين ودعته، ثم أتى بهم شط الفرات منازل بني عامر، فقال لهم مثل ذلك، وجمعهم فارتحلوا معه، ثم قطع بهم الفرات إلى الرصافة، وبينها وبين شط الفرات ليلة، وهي قبلة الفرات، حتى إذا كانوا بالرصافة قال لهم: إنما هي النار أو العار، فمن صبر فليتقدم، ومن كره فليرجع، فقالوا: ما بأنفسنا رغبة عن نفسك، فأخبرهم بما يريد، فقالوا: نحن معك، فيما كنت فيه من خير وشر، فارتحلوا فطرقوا صهيناً بعد روية من الليل، وهي في قبلة الرصافة، بينهما ميل؛ ثم صبحوا عاجنة الرحوب، وهي في قبلة صهين، والبشر واد لبني تغلب، وإنما سمي البشر برجل من قاسط يقال له البشر، كان يخفر السابلة، وكان يسلكه من يريد الشام من أرض العراق بين مهب الدبور والصبا معترض بينهما يفرغ سيوله في عاجنة الرحوب وبينهما فرسخ وبين عاجنة الرحوب وبين الرصافة ثلاثة فراسخ، والبشر في قبلة عاجنة الرحوب، ودمشق في قبلة البشر.
ثم أغاروا على بني تغلب بين البشر والشام ليلاً، فقتلوهم، وبقروا النساء فقتلوهن، فهو يوم البشر، ويوم عاجنة الرحوب، ويوم مخاشن، وهو جبل ينعرج إلى بعض البشر، وهو يوم مرج السلوطح، لأنه بالرحوب.
قال: وقتل أبو الأخطل في تلك الليلة، وفي ذلك يقول جرير:
شربت الخمر بعد أبي غياث ... فلا نعمت لك النّشوات بالا
وهرب الجحاف بعد فعله هذا، فتبعه عبيدة بن همام التغلبي، فلحقه دون الدرب وهو يريد بلاد الروم، فعطف عليه فهزم أصحابه وقتلهم، وأفلت الجحاف، ومكث زماناً في بلد الروم حتى سكن غضب عبد الملك، ولان وكلمته العبسية في أن يؤمنه، فتلكأ، فقيل إنا والله لا نأمنه على المسلمين أن يأتي بالروم إليهم، فأعطاه الأمان، وقد كان عامة أصحابه تسللوا إلى منازلهم، فأقبل فيمن بقي من أصحابه، فلما قدم على عبد الملك لقيه الأخطل، فأنشده الجحاف:
أبا مالك هل لمتني إذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم
فزعموا أن الأخطل قال له: أراك بالله شيخ سوء، ورأى عبد الملك أنه إن تركهم على حالهم أنه لم يحكم الأمر، فأمر الوليد بن عبد الملك فحمل الدماء التي كانت قبل ذلك بين قيس وتغلب، وضمن الجحاف قتلى البشر، وألزمها إياه عقوبة له فقال الأخطل في تصداق ذلك:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فأدى إليهم الوليد الحمالات، ولم يكن عند الجحاف ما حمل، فلحق بالحجاج ابن يوسف، لأنه من هوازن، فسأل الإذن على الحجاج، فمنعه، فلم يعد إليه، وأتى أسماء بن خارجه، فعصب حاجته به، فقال: إني لا أقدر لك على منفعة، وقد علم الأمير مكانك، ولم يأذن لك، فقال لأسماء: والله لا يلزمها غيرك أنجحت أم نكثت، فلما بلغ ذلك الحجاج قال: ما له عندي شيء، فأبلغه ذلك، قال: وما عليك أن تكون أنت الذي تويسه، فإنه قد لح، فأذن له، فلما رآه قال: أعهدتني خائناً لا أبا لك؟ قال: أنت سيد هوازن، وبدأنا بك، وعمالتك خمسمائة ألف في كل سنة، وما بك بعدها إلى خيانة، قال: أشهد أن الله وفقك، وأنك نظرت بنور الله، فلك نصفها العام، فأعطاه وأدى أسماء البقية، ثم إستأذن الجحاف في الحج، فأذن له في ذلك مع الجلة من الشيوخ التي شهدت الوقعة، وفعلوا الأفاعيل، فخرجوا وقد أبروا آنفهم - يقول خزموها - يمشون من الشام محرمين يلبون، فلما قدموا المدينة خرج أهل المدينة ينظرون إليهم ويتعجبون منهم، فلما قدموا مكة، تعلقوا بأستار الكعبة فقالوا: اللهم إغفر لنا وما أراك تفعل، فقال ابن عمر: يأسكم من قبول التوبة أشد عليكم من ذنوبكم، فقيل له: هذا الجحاف وأصحابه، فسكت وتم ذلك الصلح.
قلت قوله في هذا الخبر: ودمشق في قبلة البشر، يريد في السمت، لا أنها على قرب منه، فإن بين دمشق وبين البشر ثمانية أيام، وقد ذكر الصمة بن عبد الله القشيري جبل البشر في شعره فقال:
ولما رأيت البشر قد حال دوننا ... وأضحت بنات الشوق يحننّ نزّعا

تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... ألمت من الإصغاء ليتاً وأخدعا
وقرأت في كتاب معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري، البشر بكسر أوله على لفظ البشر الذي هو الإستبشار، قال عمارة بن عقيل: البشر هو عاجنة الرحوب متصل بها، وسمي البشر برجل من النمر بن قاسط، كان يخفر السابلة يسمى بشراً، يقطعه من يريد الشام من أرض العراق بين مهب الصبا والدبور، معترضاً بينهما يفرغ سيوله في عاجنة الرحوب، وبينهما فرسخ، والبشر في قبلة عاجنة الرحوب، وبين عاجنة الرحوب وبين رصافة دمشق ثلاثة فراسخ، وفي البشر قتل الجحاف بن حكيم بني تغلب، فهو يوم البشر، ويوم الرحوب، ويوم مخاشن، وهو جبل إلى جنب البشر، ويوم مرج السلوطح لأنه بالرحوب، والرحوب منقع ماء الأمطار، ثم تحمله الأودية فيصب في الفرات. وقال أبو غسان: البشر دون الرقة على مسيرة يوم منها، فهذا بشر آخر. قال الأخطل:
سمونا بعرنين أشمّ وعارضٍ ... لنمنع ما بين العراق إلى البشر
وقال أيضاً في إيقاع الجحاف بهم:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعةً ... إلى الله منها المُشتكى والمُعوّل
قلت: قوله: فهذا بشر آخر غلط منه لأن الرصافة من الرقة تكون بمقدار يوم وزيادة يسيرة، وهي غربي الرقة وقبليها، وطرف جبل البشر ينتهي إلى الفرات، فيقرب من الرقة من هذا الطرق، وبينه وبين الرصافة ثلاثة فراسخ في وسطه فظن أبو عبيد البكري أن ثم بشراً آخر لقول عمارة بن عقيل أن بينه وبين رصافة دمشق ثلاثة فراسخ، وقال أبو غسان: البشر دون الرقة على مسيرة يوم منها، فظن أبو عبيد البكري أن الرصافة عند دمشق، ولم يعلم أنها من أرض قنسرين، لبعده عن بلاد الشام، لأنه مغربي لا خبرة له ببلاد الشام، وإنما نسب الرصافة إلى دمشق لنزول هشام بن عبد الملك فيها وهو خليفة، وكان كرسي ملكه بدمشق، فنسبها إلى دمشق ليفرق بينها وبين رصافة بغداد، والبشر جبل طويل عريض يمتد في العرض إلى قباقب، وهو ماء في طرف البشر، وقد نزلت به، بينه وبين رحبه مالك بن طوق مقدار عشرة فراسخ.
ولأبي الحسن محمد بن أحمد بن خلف النصروي أبيات قالها بالعراق يذكر فيها البشر وحلب وهي:
يا راكباً والفجر قد غار على ال ... جوزاء إذ جللها الازارا
وحلّق النسران ثم انغمسا ... كالراكبين أنجدا أو غارا
أمامك البشرُ فإن طرحته ... مُستقبلاً من حلبٍ أحجارا
فكم ستلقى دونها من باحثٍ ... عن خبري يستقبل السُفّارا
يودّ أن كان الذي زودتّه ... من العراق كُلُّه أخبارا
فبلّغ القوم بأن لا سفرٌ ... يحدُث أرضى بالعراق دارا
أرضى من الإسعاد أن صيّرني ... لبيته سعد الكُفاة جارا
ذكر جبل برصايا
وهو جبل عال شامخ شمالي عزاز، يشرف على بلد عزاز وكورة الأرتيق، وهو من أبهى البقاع منظراً وأرقها هواء، وعلى رأسه مشهد حسن، وقريب منه مسجد آخر، وتحتهما قرية يقال لها كفر شيغان، وقفها نور الدين محمود بن زنكي على مصالح المسلمين، وعلى مشهد برصايا ويقال إن مقام داود صلى الله عليه وسلم كان بموضع المشهد المذكور، وقال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي السائح: جبل برصايا به مقام برصيصا العابد، وقبر شيخ برصيصا، ومقام داود عليه السلام، وهذا الجبل بين عزاز وقورس.
ذكر الجبل الأسود
وهو جبل دون جبل اللكام من شرقيه ويقال: إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان إذا أقام بحلب يبث رعاءه إليه ليرعوا غنمه فيه، وفيه أشجار كثيرة غير مثمرة يؤخذ منه الخشب إلى البلاد التي حوله، وفيه حصن الدربساك، وهو حصن مانع وفي لحفه من شرقيه النهر الأسود له ذكر في حديث الملاحم أن الروم ينزلون عليه في الملحمة، ويقال له نهر الرقية أيضاً، ويتصل هذا الجبل إلى صرفد كان حصن قوي في يد الأرمن، وكان به جماعة من العباد والرهبان.
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل بن سلامة قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن.
وحدثنا أبو الحسن بن أبي جعفر عن أبي المعالي بن صابر قالا: أخبرنا الشريف النسيب أبو القاسم العلوي قال: أخبرنا رشاء بن نظيف.

وأخبرنا أبو القاسم عبد الغني بن سليمان بن سنين قال: أخبرنا أبو القاسم البوصيري وأبو عبد الله بن حمد الأرتاحي قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي - قال ابن حمد إجازة - قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل قالا: أخبرنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن محمد الضراب قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان قال: حدثنا يوسف بن عبد الله قال: قال حذيفة المرعشي: مررت على راهب في جبل الأسود فناديته يا راهب، فأشرف علي، فقلت له: بأي شيء تجتلب الأحزان؟ قال: بطول الغربة، وما رأيت شيئاً أجلب لذوي الأحزان من الوحشة والوحدة.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
ذكر جبل اللكام
ويقال له أيضاً بيت لاها الغربي، ومعناه بالسريانية بيت الله، وهو جبل عال مشرف يبين عن مسيرة أربعة أيام، ولا يزال به الثلج في الشتاء والصيف، وهو مسكن العباد والزهاد وفيه من الفواكه المباحة ما يقتاتون به، وهو يفصل بين الثغور الشامية والجزرية.
وكانت به وقعة لسيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان مع الروم، قتل منهم فيها ثلاثين ألفاً. وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في ذلك:
وأبقت على اللُكام قتلى سيُوفه ... لهم من بطون الخامعان مقابر
ويقال بتشديد الكاف وتخفيفها.
وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص في كتاب دلائل القبلة وذكر الجبال فقال: ربما كان الجبل دليلاً لأهل ناحية على القبله كجبل لكام بالشام، وجبل الشراة بتهامة، وجبل الراهون بسرنديب وجبل دنباوند عندنا بآمل طبرستان.
قال: وأما جبل لكام فإنه جبل ممدود إبتداؤه من مكة والمدينة، ويسمى هنالك العرج، يمتد طولاً حتى يتصل بالشام، ويصير من جبال حمص، فيسمى هنالك لبنان، وينثني من دمشق ثم يمضي حتى يصير من جبال أنطاكية والمصيصة، فيسمى هنالك باللكام، ثم يمتد حتى يصير من جبال ملطيه وشمشاط وقاليقلا، ويمتد طولاً حتى يصير من جبال خزر، ويسمى هنالك القيق.
ونقلت من كتاب الحافظ لمعارف حركات الشمس والقمر والنجوم في آفاقها، والأقاليم وأسماء بلدانها في سياقها، تلخيص أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمد ابن عبيد الله المنادي، وأنبأنا به أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة، وعبد الرحيم بن يوسف بن الطفيل عن أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد بن الآبنوسي عن رجل عنه قال: وأما جبل العرج الذي بين مكة والمدينة فإنه يمضي إلى الشام حتى يتصل بلبنان من حمص، ثم يسير من دمشق فيمضي حتى يتصل بجبال أنطاكية والمصيصة، ويسمى هنالك اللكام، ثم يتصل بجبال ملطية وشمشاط وقاليقلا أبداً إلى بحر الخزر، وهو الباب والأبواب، ويسمى هنالك القيق.
وقال قدامة في جبل العرج: وهذا الجبل يتصل بالشام فبعضه يتصل بلبنان وبعضه بجبل الثلج من أرض دمشق، ويمتد إلى الروم.
قال: وقال النضر بن شميل: يأتي إلى الشام من ناحية أيلة، ثم إلى الطور ثم إلى بيت المقدس ثم إلى طبرية، ويمتد بالبقاع وبعلبك، ويمتد غربي حمص وحلب حتى يتصل باللكام، ثم يمتد إلى ملطية، وإلى بحر الخزر، وفيه القلاع والحصون الكثيرة والمدن.
ذكر جبل الأقرع
وهو من جبال أنطاكية، جبل عال يستبين من مسيرة ثلاثة أيام، وهو مستدير عال لا نبات عليه، ولهذا يسمى الأقرع، ويتصل بجبل اللكام، وهو على شاطىء البحر.
وقال المسعودي في كتاب مروج الذهب: والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر وأكثره وهو يسمى عجز البحر.
وأنبأنا أبو القاسم بن رواحة وابن الطفيل عن الحافظ أبي طاهر عن ابن الآبنوسي عمن أخبره عن أبي الحسين بن المنادي قال: وأما الجبل المطل الذي بأنطاكية، فهو على ما ذكروا قطعة من اللكام.
قال لي علي بن أبي بكر الهروي: وجبلها - يعني أنطاكية - كان معبداً يزار من الآفاق.
باب في
ذكر الاقليم الرابع
إعلم أن حلب من الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وقد قيل إنه أفضل الأقاليم السبعة وأصحها هواء وأعذبها ماء، وهو وسط الأقاليم وخيرها.

ووقع إلي رسالة في ذكر الدنيا وما فيها من الأقاليم والجبال والأنهار والبلاد، ولم أظفر باسم مؤلف الرسالة، فنقلت منها بعض ما ذكره ملخصها في فصل منها في قسمة الأقاليم السبعة قال: فأما الأقاليم السبعة فإنها قسمت في الربع المسكون سبعة أقسام، فسمي كل قسم منها إقليم، فتكون الأقاليم كلها سبعة، فأما هرمس الأول فقسمها قسمة مستويةً، فجعل الإقليم الرابع في الوسط من العمران، والستة الأقاليم تحيط به، وكل إقليم منها سبعمائة فرسخ في سبعمائة فرسخ، فالأول منها الهند، والثاني الحجاز، والثالث مصر والإسكندرية، والرابع بابل والخامس الروم، والسادس يأجوج ومأجوج، والسابع الصين.
فأما بطليموس الحكيم فقسمها بخلاف ذلك، وجعلها على قدر بعدها عن خط الإستواء، وقسمها سبعة أقسام جعلها في الربع المسكون من الأرض، كل إقليم كأنه بساط مفروش قد مد طوله من الشرق إلى الغرب، وعرض من الجنوب إلى الشمال، وهي مختلفة الطول والعرض، فأطولها وأعرضها الإقليم الأول، وأقصرها طولاً وعرضاً الإقليم السابع، وأما سائر الأقاليم مقسم بينهما من الطول والعرض، ثم ذكر كل واحد من الأقاليم السبعة وقال في الإقليم الرابع: الإقليم الرابع للشمس أطول ما يكون النهار في المدن التي على الخط المسمى، وبسيطه أربعة عشر ساعة ونصف، وبعد هذا الخط من خط الإستواء ستة وثلاثون درجة يكون من الأميال ألفي ميل وأربعمائة ميل، وسعة عرضه من آخر حدود الإقليم الثالث إلى أول حد الخامس من الأجزاء خمس درج وأربع دقائق ونصف يكون ذلك من الأميال ثلاثمائة وثمانية وثلاثين ميلاً ونصف ميل، وابتداؤه من الشرق، ويمر على بلاد الصين وجنوب بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يمر على بلاد الترك مما يلي الجنوب والشمال من بلاد الهند، ثم يمر على بلاد بلخ، ثم يمر على شمال بلاد كابل ثم يمر على سجستان، ثم يمر على وسط بلاد كرمان وخراسان، ثم يمر على بلاد فارس وخوزستان، ثم يمر على وسط بلاد العراق، ثم على وسط ديار بكر وربيعة، ثم يمر على جنوب بلد الثغر، وشمال بلد الشام، ويمر على وسط بحر الروم وجزيرة قبرس، وجزيرة رودس، ويمر في البحر على شمال بلاد مصر والإسكندرية، وشمال بلاد مساريقي وبلاد القادسية، وبلاد القيروان وبلاد طنجة، وينتهي إلى بحر المغرب، وأكثر هذه المواضع ألوانهم بين السمرة والبياض.
وفي هذا الإقليم من الجبال الطوال إثنان وعشرون يهراً، ومن المدن المشهورة الكبار نحو مائتي مدينة وإثنا عشر مدينة، وهذا الإقليم هو إقليم الأنبياء والحكماء، لأنه وسط الأقاليم، ثلاثة جنوبية وثلاثة شمالية، وهو أيضاً في قسمة النير الأعظم من بعد الإقليمين اللذين عن جنبتيه أعني الثالث والخامس؛ وعد من المدن المشهورة في هذا الاقليم: زبطرة، ملطيه، سميساط، بالس، منبج، حلب، قنسرين، المعرة، كفر طاب، شيزر، حماه، فامية، أنطاكية، طرسوس، الكنيسة السوداء، أذنه، المصيصة، قورص، دلوك.
قال: وعرض هذه البلدان جميعها من ثلاثة وثلاثين درجة إلى تسعة وثلاثين درجة، وعد غير هذه المواضع من المدن لم أكتبها لأنه لا يتعلق بذكرها لي غرض، وإنما غرضي منها ما ذكرته لأنه من أعمال حلب حرسها الله تعالى.
وقرأت في تاريخ الموصل للخالديين أبي بكر وأبي عثمان قالا: وأما موقعها يعني الموصل من الأقاليم السبعة، ففي الإقليم الرابع وهو أفضل الأقاليم وأجلها، وذلك أنه يبتدىء من المشرق بالصين فيمر ببلاد التبت ثم على خراسان، ففيه من المدن: خجنده وأشروسنة وفرغانة وسمرقند وبلخ وبخارى وهراة وأبرشهر ومرو روذ ومرو الشاهجان وسرخس وطخارستان وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان ودنباوند والديلم والري وأصبهان وقم وهمذان ونهاوند والدينور وحلوان وشهرزور وسرمن رأى والموصل وبلد نصيبين وآمد ورأس عين وقاليقلا وشمشاط وحران والرقة وقرقيسيا، ثم يمر على شمال الشام، ففيه من المدن: بالس ومنبج وسميساط وملطيه وزبطرة حلب وقنسرين وأنطاكية والمصيصة وأطرابلس وصيدا وأذنه وطرسوس وعمورية واللاذقية؛ ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس، وإليها ينسب هذا الإقليم؛ ثم يمر في أرض المغرب بالأندلس وقرطبة وسردينه إلى بلاد طنجة، وينتهي إلى بحر المغرب.
وأهل هذا الإقليم أصح هذه الأقاليم طباعاً وأتمهم اعتدالاً، وأحسنهم وجوهاً وأخلاقاً.

والإقليم الوسط هو الذي فيه الموصل أكثر الأقاليم السبعة مدناً وعمارة، وإنه واسطة الأقاليم وأطيبها ماء، وأعدلها هواء، وأحسنها أهلاً، وفيه مغاص الدر، وفي جباله أنواع اليواقيت والحجارة المثمنة، وجميع أصناف الطيب، ولأهله الصنائع واللطف والتأليف في الرخام، وصنع الرخام وعمل الفسيفساء ونصب الطلسمات.
ومن أهله كان الجبابرة من الملوك، وخيرة الصالحين، وكل مدينة معتدلة الهواء مشهورة الاسم فمنه، داخلة فيه.
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني في كتابه: والإقليم الرابع يبتدىء من المشرق فيمر ببلد التبت ثم على خراسان، فيكون فيه من المدن: فرغانه وخجنده وأشروسنة وسمرقند وبخارى وبلخ وآمل وهراة ومرو الروذ ومرو وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان ودنباوند وقزوين والديلم والري وأصبهان وقم وهمذان ونهاوند والدينور وحلوان وشهرزور وسر من رأى والموصل وبلد ونصيبين وآمد ورأس العين وقاليقلا وشمشاط وحران والرقة وقرقيسيا؛ ويمر على شمال الشام ففيه من المدن هناك: بالس ومنبج وسميساط وملطيه وزبطرة وحلب وقنسرين وأنطاكية وأطرابلس والمصيصة والكنيسة السوداء وأذنه وطرسوس وعمورية ولاذقية؛ ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس، ثم يمر في أرض المغرب على بلاد طنجه، وينتهي إلى بلاد المغرب.
قال: والاقليم الرابع وسطه حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع المقطب ستة وثلاثين جزءاً وخمس جزء، وعرضه من حد الاقليم الثالث إلى حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة، وارتفاع القطب تسعة وثلاثين جزءاً وهو مسافة ثلاثمائة ميل.
أنبأنا الخطيبان أبو البركات سعيد وأبو الفضل عبد الواحد ابنا هاشم بن ابن أحمد بن عبد الواحد الاسديان قالا: كتب إلينا الحافظ أبو طاهر بن محمد الأصبهاني أن أحمد بن محمد بن الآبنوسي أنبأهم قال: أخبرت عن أبي الحسين ابن المنادي قال: والاقليم الرابع وسطه حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع القطب ستة وثلاثين جزءاً وخمس جزء، وعرضه من حد الاقليم الثالث إلى حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة وارتفاع القطب تسعة وثلاثين جزءاً وهو مسافة ثلاثمائة ميل.
قال: والاقليم الرابع يبتدىء من المشرق فيمر ببلاد التبت ثم على خراسان، وفيه من المدن هنالك خجنده، وأشروسنة، وفرغانة، وسمرقند، وبلخ، وبخارى وآموية، ومروذ، ومرو، وسرخس، وطوس، ونيسابور، وجرجان وقومس وطبرستان، ودنباوند، وقزوين، والديلم، والري، وأصبهان، وقم، وهمذان ونهاوند، والدينور، وحلوان، وشهرزور، وسر من رأى والموصل وبلد ونصيبين وآمد، ورأسعين، وقاليقلا، وشمشاط وحران، والرقة، وقرقيسيا، ثم يمر على شمال الشام وفيه من المدن هنالك بالس ومنبج وسميساط وملطية وزبطرة وحلب، وقنسرين وأنطاكية، وطرابلس، والمصيصة، وصيدا، والكنيسة السوداء، وأذنة، وطرسوس، وعمورية، ولاذوقية، ثم يمر في بحر الشام على جزيرة قبرس، ورودس ثم يمر في أرض المغرب على بلاد طنجة، وينتهي إلى بحر المغرب، وذكر الحيار من الاقليم الثالث.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الشافعي بدمشق قال: أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي الحافظ قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني وأبو الحسن علي بن أحمد بن منصور المالكي وأبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن زريق.
وأنبأناه إجازة عاليا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قالوا: قال لنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ: ذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة وأن الهند رسمتها فجعلت صفة الأقاليم كأنها حلقة مستديرة تكتنفها ست دوائر على هذه الصفة.

فالدائرة الوسطى هي اقليم بابل والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى كل دائرة منها إقليم من الأقاليم الستة فالاقليم الأول منها إقليم بلاد الهند، والاقليم الثاني اقليم الحجاز، والاقليم الثالث اقليم مصر، والاقليم الرابع إقليم بابل وهو الممثل بالدائرة الوسطى التي اكتنفتها سائر الدوائر، وهو أوسط الأقاليم وأعمرها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا، وحد هذا الاقليم مما يلي أرض الحجاز وأرض نجد الثعلبية من طريق مكة، وحدة مما يلي الشام وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخاً، وحده مما يلي أرض خراسان وراء نهر بلخ، وحده مما لي الهند خلف الديبل بستة فراسخ، وبغداد في وسط هذا الاقليم، والاقليم الخامس بلاد الروم والشام، والاقليم السادس بلاد الترك، والاقليم السابع بلاد الصين.
وهذا الذي ذكره الخطيب من أن الاقليم الخامس بلاد الروم والشام وهم فاحش لأن البلاد الشمالية من الشام وهي التي حكينا فيها عن الخالدين والجيهاني، وأبي الحسين بن المنادي، وعن الرسالة التي ذكرناها في أول الباب ما حكيناه، اتفقوا كلهم على أنها من الاقليم الرابع، وما عدا هذه البلاد من بلاد الشام وهي الأكثر هي من الاقليم الثالث، فكيف يجعل الشام جميعه من بلاد الاقليم الخامس ولم يذهب أحد إلى ذلك، وإنما أوردنا قوله لوصفه الاقليم الرابع لكونه أوسط الأقاليم وأعمرها. والله الموفق للصواب.
باب ما جاء في
صحة تربة حلب
وهوائها واعتدال مزاجها وخفة مائها
أعلم أن هواء حلب الغربي ينعش الأنفس ويحييها، ويربي الأجسام ويغذيها، ويؤثر في الأجساد كتأثيره في الزروع بعد الفساد، فإن الزرع بها قد يذبل ويبور فيخضر عندما تهب عليه الدبور، ومياهها بالرقة والخفة موصوفة، وتربتها بقلة العفونات مشهورة معروفة، وهذه الأسباب موجبة للصحة والاعتدال مؤثرة في دفع الاسقام والأعلال، وما أحسن ما وصفها عبد الملك بن صالح وجمع في أوجز كلام ما فيها وفي بلادها من المدائح، وقد قبل له يوماً: يا أبا عبد الرحمن ما أحسن بلادكم ! فقال: وكيف لا تكون كذلك، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيح وجبال وضح.
وسمعت الحكيم الصفي سليمان بن يعقوب بن سعيد البغدادي بقيصرية من بلد الروم يقول لي: ذكر أرسطا طالس في كتاب الكيان أنه لما أتى مع الاسكندر لقصد دارا الملك ومقابلته، وصل معه إلى حلب وكانت تسمى باليونانية بيرواء فتحقق حال تربتها وصحة هوائها، فاستأذن الاسكندر في المقام بها وقال: إن بي بهاء مرضاً باطناً، وهواء هذه البلدة موافق لشفائي، فأقام بها، فزال ما كان به من المرض.
وقد اتبعه الاسكندر بعد ذلك فيما اعتمده من فعاله، وسلك طريقه الذي سلكه ونسج على منواله، فإن الشيخ أبا منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الفقيه الدمشقي أخبرنا بها قال أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه قال: أخبرنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي وأبو محمد عبد الله بن عبد الرزاق بن فضيل قالا: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عوف بن أحمد بن عوف قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن منير قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خريم قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا غالب بن غزوان الثقفي قال: حدثنا صدقة بن يزيد الخراساني عمن حدثه قال: لما أتى ذو القرنين العراق استنكر قلبه فبعث إلى تراب الشام فأتي به، فجلس عليه، فرجع إليه ما كان يعرف من نفسه.
ولا أشك أن التراب الذي أحضر إليه من تراب حلب، أو بعض عملها لما ذكرناه من فعل أرسطو، ولما بيناه في الباب المتقدم من أن الاقليم الرابع واسطة الأقاليم وأطيبها ماء وأعدلها هواء وأحسنها أهلاً، وأصحها طباعاً، وليس في بلاد الشام من الاقليم الرابع غير حلب وأعمالها.
وقرأت بخط الحافظ أبي نصر بن فتوح الحميدي قال: ووقع طاعون ووباء بالشام فأراد الوليد أن يخرج إلى حلب فيقيم بها، فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقول: " قل لن ينفعكم الفرار إِن فررتم من الموت أو القتل وإِذاً لا تمتعون إلا قليلاً " فقال له الوليد: فذلك القليل أريد.

قلت وقد كان جماعة من بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب، وأثروها على دمشق مع طيب دمشق وحسنها، وكونها وطنهم، ولا يرغب الانسان عن وطنه إلا بما هو أفضل منه، فمنهم هشام بن عبد الملك انتقل إلى الرصافة، وسكنها واتخذها منزلاً لصحة تربتها، واختار المقام بها على دمشق، ومنهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله أقام بخناصرة واتخذها له منزلاً، ومنهم مسلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة، وابتنى بها قصراً وبناه بالحجر الصلد الأسود، وبقي ولده به بعده، وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قد ولي الشام جميعه، فاختار حلب لمقامه، وابتنى له بظاهرها قصر بطياس وهو من غربي النيرب وشماليه، وولد له به عامة أولاده، كل هذا لما اختصت به هذه البلاد من الصحة والاعتدال، وكذلك الحصانة.
فإنني قرأت في كتاب نسب بني العباس تأليف أبي موسى هرون بن محمد بن اسحق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: أن إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس لما مات وكان أولاده بفلسطين قال: فأمر الرشيد عبد الملك بن صالح بحمل ولد إبراهيم جميعاً من فلسطين إلى حلب من مال أمير المؤمنين لاجتماع ولد صالح بن علي بها ولأنها حصينة منيعة، وأن يجري عليهم من الأرزاق ما أمر به لهم، فحملهم عبد الملك بن صالح جميعاً من فلسطين إلى حلب، فلم يزالوا بها إلى أن توفي الرشيد، ثم افترقوا.
وأما غير هؤلاء من الملوك العظام أرباب الممالك الواسعة والبلاد الشاسعة الذين تركوا سائر بلادهم، واختاروا المقام بحلب قراراً، وجعلوها مسكناً لهم وداراً، فأكثر من أن يحصون، وهذا هرقل على سعة مملكته واستيلائه على بلاد الروم وبلاد الشام جميعها اختار المقام بأنطاكية، وكان كما ذكرنا عنه أنه كلما حج بيت المقدس، خلف سورية وهي شام حلب وقنسرين وعملهما وطعن في أرض الروم التفت إليها فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع ولم يقض منك وطره، وهو عائد، ولما فتحت قنسرين، وسار نحو القسطنطينية التفت وقال: عليك السلام يا سورية سلام لا اجتماع بعده.
باب في ذكر
ما ورد من الكتابة القديمة على الأحجار بحلب
وعملها وما أشبه ذلك
قد ذكرنا في أول كتابنا هذا ما حكاه أبو أسامة الخطيب بحلب أن أباه حدثه أنه حضر مع أبي الصقر القبيصي ومعهما رجل يقرأ باليونانية فنسخوا كتابة كانت على القنطرة التي على باب أنطاكية قال: ونسختها: بنيت هذه المدينة بناها صاحب الموصل والطالع العقرب والمشتري فيه، وعطارد يليه ولله الحمد كثيراً. وذكرنا أن صاحب الموصل هو تلوكوس.
وقرأت بخط إبراهيم بن أحمد بن اسحق بن إبراهيم بن عطاء الله مما سمعه على أبي العباس الكندي قريء على أبي العباس أحمد بن إبراهيم الكندي قال: حدثني أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان في رجب من سنة تسع عشرة وثلاثمائة قال: حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي سعد الوراق قال: حدثني علي بن الحسين بن هرون قال: حدثني أحمد بن عباد قال: حدثنا عبد الملك بن قريب قال: وجد حجر بقنسرين مزبور مكتوب فيه بالعبرانية:
إذا كان الأمير وصاحباه ... وقاضي الأرض يدهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء
وقرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قاضي معرة النعمان في كتاب سير الثغور من تأليفه في ذكر مدينة طرسوس قال: وبباب قلمية يعني باب طرسوس حجر بحضرة دار مزاحم مدور لاصق بالحائط مكتوب عليه باليونانية سطور قرأها أحمد بن طغان السندي البيطار فذكر أن المكتوب عليه: الحمد لله الوارث للخلق بعد فناء الدنيا كما غرقني، فإني ابن عم ذي القرنين عشت أربعمائة سنة وكسرا، ودرت الشرق والغرب أطلب دواء للموت من أراد أن يدخل الجنة فليصل في هذا الدير عند العمود ركعتين، ومن أراد صنعة العمد وآلتها، فعليه بالقنطرة السابعة من جسر أذنه.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم بن سلمان الاربلي قال: أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد ابن محمد النعالي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن سعيد بن السماك قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم الختلي قال حدثني أبو عمرو عثمان بن سعيد بن يزيد الأنطاكي قال: حدثنا علي ابن الهيثم المصيصي قال: حدثنا تمام بن كثير أبو قدامة الساحلي قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور قال: حدثنا الوليد القاص قال: أتيت أنطاكية فإذا أسود قد نبش قبراً فأصاب فيه صفيحة نحاس فيها مكتوب بالعبرانية، فأتوا بها إلى أمام أنطاكية، فبعث إلى رجل من اليهود فقرأه، فإذا فيه أنا عون بن أرميا النبي، بعثني ربي إلى أنطاكية أدعوهم إلى الايمان بالله، فأدركني فيها أجلي، وسينبشني أسود في زمان أمه أحمد صلى الله عليه وسلم.
ووقع إلي ببغداد كتاب من تأليف أحمد بن محمد بن إسحق الزيات الهمذاني الفقيه، فنقلت منه: حدثنا أبو عمرو عبد العزيز بن محمد بن الفضل قال: حدثني الفضل بن شحرف قال: حدثنا عبد الله بن جبير قال: حدثني موسى بن طريف عن أبي يحيى عن إسماعيل بن عياش قال: كنت جالساً إلى عامل أنطاكية إذ ورد عليه كتاب من أبي جعفر بنبش القبور فنبشوا في هذا الجبل قبراً فإذا فيه رجل أضلاعه تتثنى، وعند رأسه لوح مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أنا عوذ بن سام بن نوح بعثت إلى أهل أنطاكية فكذبوني وقتلوني، وينبشني رجل أسود فرع أصلع، فنظروا فإذا الذي نبشه أسود، وكانت عليه عمامه فكشفوها، فإذا هو أصلع، ونزعوا خفه فإذا هو أفرع، فقال: إتركوه كما كان.
أخبرنا سليمان بن محمد بن الفضل الموصلي في كتابه قال أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي قال: أخبرنا أبو القاسم الإسماعيلي إذناً قال: أخبرنا أبو القاسم السهمي قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي قال: حدثنا جعفر بن أحمد قال: حدثنا سعيد بن كثير قال: حدثنا ابن لهيعة عن يزيد عن أبان بن أبي عياش عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه وجد تحت الجدار الذي قال الله عز وجل في كتابه: " وكان تحته كنز لهما " . أنه كان لوح من ذهب، والذهب لا يصدأ ولا يتغير، فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، محمد رسول الله.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن مسلم الإربلي قال: أخبرتنا الكاتبه شهدة بنت الآبري قالت: أخبرنا أبو عبد الله النعالي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد ابن عبيد الله الحنائي قال: أخبرنا أبو عمرو بن السماك قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم بن سنين قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمرو بن الجراح قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله " وكان تحته كنز لهما " قال: صحف علم؛ وقال: حدثنا إسحق بن سنين قال: حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا قتيبه بن بسام عن إسماعيل عن ليث عن مجاهد قال: كان الكنز لوحاً من ذهب في أحد جانبيه، لا إله إلا الله الواحد " الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " ، وكان في الجانب الآخر عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك، وعجباً لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها، ثم هو يطمئن إليها، عجباً لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل.
قلت: وكان الكنز المذكور بأنطاكية فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد ذكرنا ذلك في فضل أنطاكية.
أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد بن يوسف قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي.

وأخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن عثمان الزركشي البغدادي قال أخبرنا أبو الفتح بن البطي قال: أخبرنا أبو فضل بن خيرون قال: أبو إسحق وأخبرنا أبو المظفر الكاغدي قال: أخبرنا أبو بكر الطريثيثي قالا: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو جعفر بن درستويه قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثتنا هنادة بنت مالك الشيباني ذكرت عن صاحبها حماد بن الوليد الثقفي أنه سمع جعفر بن محمد وهو يقول حين سئل عن كنز الغلامين اليتيمين وصلاح أبيهما فقال جعفر: إنه كان أبوهما صالحاً دونه سبعة آباء، فحفظ الغلامان بصلاح أبيهما الأكبر، وإنما كان الكنز علم سطرين ونصف ولم يتم الثالث، فيه مكتوب: يا عجبا من الموقن بالموت كيف يفرح، ويا عجبا من الموقن بالرزق كيف يتعب، ويا عجبا من الموقن بالحساب كيف يغفل.
وهذا الكنز كان بأنطاكية، جاء في التفسير عن ابن عباس وغيره ذلك.
وفي جبل بني عليم من أعمال حلب قرية يقال لها: نحله، وقريب منها مقبرة عليها كتابة بالرومية، ويشاهد الناظر على المقبرة في بعض الليالي نوراً ساطعاً حتى إذا قصده إختفى عنه النور، فلا يرى شيئاً، وهذا أمر شائع ذائع مستفيض، أخبرني جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب أنهم شاهدوه.
وقال لي صديقنا بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب رحمه الله: أمر الأمير سيف الدين علي بن قلج وكان من أكابر الأمراء بحلب، وقد اجتمعت أنا به ولم أسأله عن ذلك، بأن تنقل تلك الكتابة الرومية، فنقلت، ودفعها إلى بعض علماء الروم، فترجمها، فكان معناها هذا النور هبة من الله العظيم لنا، أو ذكر كلاماً نحو هذا، وفيه زيادة عليه.
وحضرت بقلعة الراوندان عند الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب فحكى أن عنده ببلد الراوندان قرية، وأثمار بيده نحو الغرب، وقال: هي في ذلك المكان، وإنه يشاهد فيها نور ساطع إما في ليلة الجمعة أو في ليلة أخرى سواها ينظر إليه من كان خارجاً عن تلك القرية، حتى إذا قصدها ووصل إليها غاب عنه فلم ير شيئاً..
قرأت بخط أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي في كتاب سير الثغور قال: وفي البرج المنسوب إلى الهري، فذكر أشياء ثم قال: وعلى أسكفتي الباب العلياتين حجر قد طبق المصراعين، فيه قبر دقيانوس ملك أصحاب الكهف، وذكر لي جماعة ثقات بطرسوس أن يازمار الخادم في ولايته كشف عنه بمقدار ما يمكن الوصول إليه، فوجوده أحد عشر أوقية بالطرسوسي التي وزن كل أوقية منها إثنان وثلاثون درهماً، ورد ما كان كشف منه إلى حاله.
قلت والعجب أن عبد الله المأمون دفن في بطانة محراب جامع طرسوس بسلاحه، ولما ملك الدمستق طرسوس، سقط محراب الجامع، وسقط المأمون بسلاحه، فأخذ الدمستق سيفه، ورد الباقي إلى حاله، ورد إلى موضعه.
وشاهدت في المدرسة الحنفية المعروفة بالحلاوية بحلب مذبحاً من الرخام الملكي الشفاف الذي يقرب النصارى عليه القربان وهو من أحسن الرخام صورة إذا وضع تحته ضوء من وجهه، فسالت الشريف تاج الدين أبا المعالي الفضل ولد شيخنا إفتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي عنه، وكان نشأ بهذه المدرسة، وولي تدريسها بعد أبيه فقال لي: إن نور الدين محمود بن زنكي أحضره من أفامية، ووضعه في هذه المدرسة، وعليه كتابة باليونانية، فسألته عنها فذكر لي أنه حضر من ترجمها، وفيها مكتوب عمل هذا للملك دقلطيانوس والنسر الطائر في أربعة عشر درجة من برج العقرب، قال: فيكون مقدار ذلك ثلاثة آلاف سنة.
قلت وهذا دقلطيانوس هو آخر ملوك رومية، قيل أنه ملك عشرين سنة والله أعلم. وسمعت والدي رحمه الله يقول لي: إن نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله كان يحشو للفقهاء القطائف، ويملأ بها هذا الجرن الرخام، ويجتمعون عليه ويأكلونها.
باب في
ذكر ما بحلب وأعمالها من المزارات
وقبور الأنبياء والأولياء والمواطن الشريفة التي بها مظان اجابة الدعاء
فأما قلعة حلب ففيها مقاما إبراهيم صلى الله عليه وسلم الأعلى والأسفل، وقيل أن إبراهيم عليه السلام كان قد وضع أثقاله بتل القلعة، وكان يقيم به ويبث رعاءه إلى نهر الفرات والجبل الأسود، ويحبس بعض الرعاء بما معهم عنده، ويأمر بحلب ما معه، واتخاذ الأطعمة وتفرقتها على الضعفاء والمساكين، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في باب تسمية حلب.

فأما المقام التحتاني فكان موضعه كنيسة للنصارى إلى أيام بني مرداس، وقد قال ابن بطلان في بعض رسائله إن فيها كان المذبح الذي قرب عليه إبراهيم عليه السلام، فغيرت بعد ذلك وجعلت مسجداً للمسلمين، وجدد عمارته نور الدين محمود بن زنكي ووقف عليه وقفاً حسناً، ورتب فيه مدرساً يدرس الفقه على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.
وأما المقام الأعلى ففيه تقام الخطبة بالقلعة ويصلي فيه السلطان الجمعة، وفيه رأس يحيى بن زكريا عليه السلام موضوع في جرن من الرخام في خزانة، ووقع الحريق ليلة من الليالي في المقام المذكور فاحترق جميعه في سنة أربع وستمائة، ولم يحترق الجرن المذكور ودفع الله النار عنه.
وقرأت في تاريخ محمد بن علي العظيمى، وأنبأنا به شيخنا أبو اليمن الكندي عنه قال: في سنة خمس وثلاثين وأربعمائه ظهر ببعلبك رأس يحيى بن ذكرياء في حجر منقور، فنقل إلى حمص، ثم إلى حلب وهو إلى الآن.
وأخبرني أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي رحمه الله قال: بقلعة حلب مقام إبراهيم عليه السلام، وبه صندوق فيه قطعة من رأس يحيى بن زكريا عليه السلام، ظهرت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وأما ما هو في نفس المدينة فمنها مسجد الغضائري، ويعرف الآن بمسجد شعيب، وهو أول مسجد إختطه المسلمون بحلب عند فتحها.
أنبأنا شيخنا أبو اليمن الكندي عن محمد بن علي العظيمي قال: لما فتح المسلمون حلب دخلوها من باب أنطاكية، ووقفوا داخل الباب، وحفوا حولهم بالتراس، فبني في ذلك المكان مسجد وهو المعروف بالغضائري.
وأخبرني عمي أبو غانم محمد بن هبة الله أن الغضائري كان يعبد الله بالمسجد المعروف بالغضائري داخل باب أنطاكية، وهو المعروف الآن بمسجد شعيب، لأن نور الدين وقف عليه وقفاً، وجعل فيه الشيخ شعيباً يقريء الناس الفقه.
وهذا الغضائري هو أبو الحسن علي بن عبد الحميد الغضائري أحد الأولياء من أصحاب سري السقطي وحج من حلب ماشياً أربعين حجه، وسنذكر ترجمته في موضعها من كتابنا هذا إن شاء الله.
وأما شعيب فهو ابن أبي الحسن بن حسين بن أحمد الأندلسي الفقيه، كان من الفقهاء الزهاد، وكان محمود بن زنكي يعتقد فيه، وكان مقيماً بهذا المسجد، فوقف على المسجد وقفاً ورتب فيه شعيباً هذا يذكر الدرس على مذهب الشافعي رضي الله عنه، فاليوم يعرف بمسجد شعيب. وسنذكر ترجمته إن شاء الله تعالى.
ومنها مسجد غوث داخل باب العراق في المرمى، وفيه قطعة من عمود فيه كتابة في الجمر، يزعمون أن علياً رضوان الله عليه كتبها بسنان رمحه حين ورد إلى صفين، ويقولون: إن هذا الحجر نقل من الرقة إلى حلب.
قال لي: علي بن أبي بكر الهروي فيما ذكره من الزيارات بحلب: وبها داخل باب العراق مسجد غوث به حجر عليه كتابه، ذكروا أنها خط علي بن أبي طالب عليه السلام، وله حكاية.
قلت وأظن أن مسجد غوث هذا منسوب إلى غوث بن سليمان بن زياد قاضي مصر، وكان قدم مع صالح بن علي بن عبد الله بن العباس إلى حلب، وسنذكر ترجمته في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ومنها مشهد النور وهو بالقرب من باب قنسرين في برج من أسوار حلب فيما بين برج الغنم وباب قنسرين قال لي عمر أبو غانم محمد بن هبة الله بن أبي جرادة: هذا مشهد النور، إنما سمي بذلك لأنه رؤي النور ينزل عليه مراراً؛ قال: وكان ابن أبي نمير العابد يتعبد فيه، فاتفق أن نزل ملك الروم على حلب محاصراً لها، فجاء الحلبيون إلى ابن أبي نمير العابد فقالوا إدع الله لنا أيها الشيخ، قال: فسجد على ترس كان عنده، ودعا الله تعالى وسأله دفع العدو عن حلب، فرأى ملك الروم في منامه تلك الليلة قائلاً يقول له إرحل عن هذه البلدة، وإلا هلكت، أتنزل عليها وفيها الساجد على الترس في ذلك البرج، وأشار إلى البرج الذي فيه مشهد النور، فانتبه ملك الروم، وذكر المنام لأصحابه، وصالح أهل حلب، وقال: لا أرحل حتى تعلموني من كان الساجد على الترس في ذلك البرج، فكشفوا عنه فوجدوه ابن أبي نمير ورحل ملك الروم عن حلب.
وقال لي الوزير الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف القفطي: مشهد النور تعتقد فيه النصيرية إعتقاداً عظيماً ويحجون إليه.

وهذا ابن أبي نمير هو أبو عبيد الله عبد الرزاق بن عبد السلام بن عبد الواحد بن أبي نمير العابد الأسدي، وكان من الأولياء المشهورين بالكرامات، وسنذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وقبره خارج باب قنسرين يزار، وتنذر له النذور إلى يومنا هذا، وهو مدفون في تربة بني أمين الدولة ابن الرعباني، غربي قلعة الشريف والخندق، وقيل إنه ما سئل الله عنده حاجة إلا قضاها.
وقال لي أبو بكر أحمد بن عبد الرحيم بن العجمي يقال لقبره سم ساعة، لسرعة الإجابة عنده، يعني إذا دعا الانسان عنده على عدوه.
وكان بالقرب منه من جهة الشمال إلى جانب سور باب قنسرين قبر مشرق ابن عبد الله العابد الحنفي، وكان فقيهاً حنفياً منقطعاً في المسجد الجامع، وكان قبره يزار ويتبرك به، وزرته مراراً مع والدي رحمه الله، فلما حرر الملك الظاهر خنادق حلب، ووضع التراب على المقابر حول قبر مشرق العابد من موضعه، ونقل إلى سفح جبل جوشن، وشاهدته في الموضع الذي نقل إليه، ولوح قبره الأول عليه، وسنذكره إن شاء الله في موضعه.
وفي المسجد الجامع في الشرقية من القبلية في العضادة الثانية الملاصقة لصحن الجامع في شمال الشرقية موضع متعبد مشرق العابد المذكور.
وأخبرني القاضي أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب قال: كان الخطيب أبو الفضل عبد الواحد بن هاشم يصلي بجامع حلب في الشرقية، ويتعمد الصلاة في هذا الموضع المذكور، فسألته عن ذلك، فقال: كان أبي هاشم يصلي أبداً ها هنا كثيراً، وأخبرني أن الشيخ مشرق بن عبد الله العابد كان يصلي فيه، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يصلي ها هنا.
وخارج المدينة مما يلي القبلة مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الجبانة، وفي محراب المسجد حجر قيل أنه يجلس عليه، وفي الرواق القبلي الذي يلي الصحن صخرة نابته فيها نقرة قيل إنه كان يحلب فيها غنمه، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وفي المشهد المذكور في جهة الشمال فيها قبر الإمام علاء الدين أبي بكر الكاساني الحنفي أميركا سان، وقبر امرأته فاطمة بنت شيخه علاء الدين السمرقندي، وكان من العلماء الصالحين، وسنذكرها في هذا الكتاب إن شاء الله.
وقبلي هذا المشهد مقبرة فيها جماعة من العلماء الصالحين الأخيار منهم أحمد الأصولي صاحب برهان الدين البلخي، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
وقبلي هذه المقبرة قبر أبي الحسين الزاهد المقدسي، ينذر له النذور، والدعاء عنده مستجاب وله كرامات مشهورة، وكان الفرنج يعظمونه، وقيل إنه رؤي وهو راكب الأسد وإلى جانبه قبر صاحب له من الأولياء أيضاً يقال له زيد العابد.
ومن شمالي المشهد التربة المعروفة بسلفي من بني العديم فيها جد أبي أبو غانم وعمي أبو غانم وكانا من العباد الأولياء، وفيها قبر الحافظ أبي بكر الجياني، وسيأتي ذكر هؤلاء في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وفي جهة الشمال من هذه الجبانة مشهد للخضر عليه السلام قيل إنه رؤي فيه، وهو قديم وعليه وقف.
ومن شرقي المدينة بينها وبين النيرب مشهد قرنبيا على جبل صغير قيل إنه رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، فعمره قسيم الدولة آق سنقر، ووقف عليه وقفاً.
وخارج باب الأربعين قبر بلال بن رباح مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف موضع قبره بل نقل إنه مات بحلب ودفن بها خارج باب الأربعين، وسنذكر ذلك في موضعه، ونذكر إختلاف الناس فيه إن شاء الله، وقد شوهد النور مراراً ينزل على الجبانة التي خارج باب الأربعين بالجبل.
وفي هذا الجبانة جماعة من الأولياء والصالحين منهم الحافظ أبو الحسن علي ابن سليمان المرادي أحد الأولياء المكاشفين، والاستاذ عبد الله بن علوان والد شيخنا الحافظ أبي محمد عبد الرحمن، وشيخنا المذكور، وفيها في تربة واحدة قبور جماعة من الأولياء منهم الشيخ أبو الحسن علي بن يوسف الفاسي، والشريف الزمن، والشيخ عبد الحق المغربي، وشيخ الشيوخ بالموصل وسيأتي ذكرهم في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وفي جبانة باب النصر مشهد يعرف بمشهد الدعاء، يقال إن الدعاء به مستجاب.
وبباب الجنان ملاصق الباب من ظاهره مشهد قديم يعرف بمشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قيل رؤي في المنام؛ أخبرني بذلك الشيخ علي بن أبي بكر الهروي.

وبجبل جوشن مشهد الدكة، ومشهد الحسين رضي الله عنه، وقد ذكرناهما عند ذكر جبل جوشن.
وفي قبلي جبل جوشن في طرف الياروقيه مشهد الأنصاري، قال لي أبو الحسن بن الهروي به قبر عبد الله الأنصاري، كما ذكروا.
وأخبرني والدي رحمه الله قال: رأت امرأة من نساء أمراء الياروقية في المنام قائلاً يقول: ها هنا قبر الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فنبشوا، فوجدوا قبراً، فبنوا عليه هذا المشهد، وجعلوا عليه ضريحاً.
وفي قرية يقال لها نوايل من شرقي مدينة حلب على رأس جبلها مشهد يقال هو مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
وبأرض آرل، وهي قرية من جبل سمعان، على رأس الجبل من جهة الشرق، مشهد مشرف على بلد الأرتيق جميعه، يقال له مشهد الرجم، يزار ويتبرك به، وفيه سرداب، قيل إن نبياً من الأنبياء رجمه قومه، وإنه في ذلك السرداب؛ سمعت والدي رحمه الله يذكر لي ذلك.
وبروحين، قرية من جبل سمعان، مشهد حسن، وفي جانب المسجد منه ثلاثة قبور، قيل إن الأوسط منها قبر قس بن ساعدة الإيادي والقبران الآخران قبرا سمعان وشمعون من الحواريين، وقد ذكرنا قصة قس، ومقامه بين القبرين، والشعر الذي أنشده، فلا حاجة إلى إعادته ها هنا، وسيأتي في ترجمة قس من شرح ذلك ما فيه مقنع إن شاء الله تعالى.
وبجبل برصايا قبر شيخ برصيصا، ومقام داود عليه السلام، وقد ذكرناه، وقال لي الشيخ علي بن الهروي: جبل برصايا به مقام برصيصا العابد وقبر شيخ برصيصا، ومقام داود عليه السلام.
وقال: مشحلا قرية من بلد عزاز بها قبر أخي داود النبي عليه السلام. قلت وهذه مشحلا قرية من قبلي عزاز وغربها، وبها نهر جار وبساتين، وقد خرج منها بعض أهل الحديث.
وبقورس قبر أوريا بن حنان، في قبة من قبلي المدينة، وقصته مع داود عليه السلام معروفة، تذكر في موضعها إن شاء الله تعالى.
وبمنبج مشهد من شرقي المدينة زعموا أن به قبر خالد بن سنان العبسي، وهو النبي الذي ضيعه قومه، وسنذكر قصته إن شاء الله.
أخبرني علي بن أبي بكر الهروي قال: وبها يعني منبج مشهد النور، يزعمون أن به بعض الأنبياء، ويقولون إنه خالد بن سنان العبسي الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك نبي أضاعه قومه.
قال: وبها مسجد المستجاب، وبها قبور جماعة من الصالحين.
وفيها مشهد من غربي المدينة وشماليها يقال له المستجاب، يتبرك به، ويقال إن الدعاء به مستجاب.
وبجبل باب بزاعا من غربي الباب، ويقال للجبل تيمر، مشهد مطل على الباب يزورونه ويتبركون به، ويقولون بأنه في كل سنة في خميس نيسان يجتمع إليه من هذه الدويبات الحمر التي تشبه الدراريج، ويوجد على المقابر شيء كثير حتى يعم أكثر الأرض التي حول المشهد، ثم تذهب من حوله، ولا يبقى إلا اليسير.
وبجبل الطور إلى جانب قنسرين مشهد قيل إنه مقام صالح النبي عليه السلام وقد تقدم ذكره.
وقال لي الشيخ علي بن أبي بكر الهروي مدينة قنسرين بجبلها مشهد يقال إنه مقام صالح النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال إن الناقه منه خرجت لصالح، وبه آثار أقدام البعير.
وقال: والصحيح أن صالحاً كان بأرض اليمن، وقبره في شبوه باليمن، هذا ما ذكره ابن الهروي، والصحيح أن موضع الناقة بالحجر من مدائن ثمود، والذي يغلب على ظني أن هذا المشهد من بناء صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان إليه ولاية الشام، وله آثار بحلب وقنسرين، فنسب المشهد إلى صالح عليه السلام.
وبمعرة النعمان فيما زعموا قبر يوشع بن نون عليه السلام، في مشهد هناك جدد عمارته الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب رحمه الله، وهو يزار ويتبرك به.
وقيل إن بها قبر محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر، يزار أيضاً.
وبكفر طاب قرية يقال لها شحشبو قيل بها قبر الإسكندر، وقيل إنه مات بها ونزع ما في جوفه ودفن بهذا المكان، وصبر جسده وحمل إلى أمه؛ وقد ذكر بعض أرباب التواريخ أنه مات بحمص، فلا استبعد ذلك فإن كفر طاب كانت من أعمال حمص، والله أعلم.
قال لي علي بن أبي بكر الهروي: شحشبو قرية من أعمال فاميه، بها قبر الإسكندر، ويقال إن أمعاءه هناك وجثته بمنارة الاسكندرية، وقيل إنه مات ببابل.

وبدير سمعان من قرى معرة النعمان، ويقال أيضاً دير النقيره لأن إلى جانبها قرية يقال لها النقيرة قبر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حائر صغير وإلى جانبه من خلف ظهره قبر الشيخ أبي زكرى يحيى بن المنصور، وكان أحد أولياء الله تعالى، وله كرامات ظاهرة، وكان قد أقام في المسجد الذي بهذه القرية يعبد الله تعالى حتى أدركه أله، فدفن في الحائر إلى جانب عمر رضي الله عنهما، وسنذكره إن شاء الله تعالى في كتابنا هذا.
وبأنطاكية قبر حبيب النجار مؤمن آل ياسين، وزرت قبره بها. وبها قبر عون بن أورميا النبي، وقبر عوذ بن سام بن نوح النبي عليهما السلام، وقد ذكرناهما في باب قبل هذا.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن داود بن عثمان الدربندي بحبرى في مشهد الخليل عليه السلام قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن الشافعي قال: أنبأنا أبو سعد عمار بن طاهر بن عمار بن إسماعيل الهمذاني قال: أخبرنا أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسن بن القاسم بن محمد الرميلي المقدسي قال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن الخضر بن سليمان بن سعيد السلمي الدمشقي إجازة، شافهني بها قال: أخبرنا أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الحافظ الرازي قال: حدثنا أبو يعقوب إسحق بن إبراهيم الأذرعي قال: حدثنا محمد بن الخضر عن هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم عن سعيد - يعني - بن عبد العزيز عن مكحول عن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وبسواحل الشام من قبور الأنبياء ألف قبر، وبأنطاكية قبر حبيب النجار، وذكر تمام الحديث.
وقد ذكرنا فيما تقدم في فضل أنطاكية حديثاً مسنداً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن فيها التوراة، وعصا موسى، ورضراض الألواح، ومائدة سليمان بن داود في غار من غيرانها؛ وفي حديث آخر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وفيها جبل، وفي ذلك الجبل غار، وفي ذلك الغار عصا موسى صلى الله عليه وسلم وشيء من ألواحه، ومائدة سليمان، ومحبرة إدريس، ومنطقة شعيب، وبردا نوح.
وقد ذكرنا فيما نقلناه عن الحسن بن أحمد المهلبي في وصفها، وبها كنيسة القسيان وهي كنيسة جليلة، ويقال إن بها كف يحيى بن زكرياء عليه السلام.
وقرأت بخط أبي عمرو الطرسوسي قاضي المعرة قال: قبر أبي معاوية الأسود بطرسوس، بباب الجهاد في الطريق الآخذ إلى الميدان يمنة السائر، بإزاء قبة ابن الأغلب، ما فارقه الزوار مدة عمارة طرسوس تبركاً به وتيمناً بالدعاء بحضرته؛ وقال أبو عمرو سمعت عدة من شيوخ طرسوس يقولون ما صدق أحد نيته في حاجة لله عز وجل فيها رضاً، فتوسل ودعا عند قبر أبي معاوية إلا أجابه الله عز وجل.
وبعرب سوس، وقيل إنها آخر حدود الشام في جبل بانجلوس من غربي عرب سوس، الكهف الذي كان فه أصحاب الكهف، ولبثوا فيه ثلاثمائه سنين، وزرت المكان عند دخولي إلى بلاد الروم، وهو مكان حسن كثير الزوار، وهو كما وصفه الله تعالى في كتابه. " وترى الشمس إِذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإِذا غربت تقرضهم ذات الشمال " . والكهف يدخل إليه الإنسان حبواً لا يمكن الماشي أن يمشي فهي قائماً لقصر سقفه، وبني عليه مشهد عظيم بالحجر، وجعل له سور، ووقف عليه للزوار، وقد ذكرنا عرب سوس فيما تقدم.
قال لي علي بن أبي بكر الهروي مدينة الرصافة بها قبور جماعة من الصحابة والتابعين لا أعرف أسمائهم.
وقال: مدينة بالس بها مشهد علي بن أبي طالب عليه السلام، وبها مشهد الطرح، وبها مشهد الحجر، يقال إن رأس الحسين عليه السلام وضع عليه عندما عبروا بالسبي والله أعلم.
باب في
ذكر ما بحلب وأعمالها من العجائب
والخواص والطلسمات والغرائب
حدثني والدي رحمه الله قال: لم يكن البق يوجد في مدينة حلب ولا يعهد منه شيء، إلى أن اتفق عمارة في بعض أسوارها، ففتح فيها طاقة أفضت إلى مغارة كانت مسدودة، فخرج منها بق عظيم عند فتحها، أظنها في ناحية قلعة الشريف، فحدث البق فيها من ذلك اليوم.
قال: وقيل بأنه كان الانسان إذا أخرج يده من داخل السور إلى خارجه سقط البق على يده، فإذا أعادها إلى داخل السور إرتفع.

وأخبرني الرئيس إبراهيم بن الفهم رئيس معرة النعمان قال: كان في معرة النعمان عمود فيه طلسم للبق، قال: وذكر أهل المعرة أن الرجل كان يخرج يده وهو على سور المعرة إلى خارج السور فيسقط عليها البق، فإذا أعادها إلى داخل السور زال عنها.
قال لي وأخبرني رجل من أهل المعرة يسمى محمداً قال: رأيت أسفل عمود في الدار التي كنت بها في معرة النعمان ففتحت موضعه لأستخرجه، فانخرق إلى مغارة، فأنزلت إليها إنساناً، أو قال نزل هو بنفسه، ظناً أنه مطلب، فوجدنا مغارة كبيرة، ولم نجد فيها شيئاً، قال: ورأى فيها في الحائط صورة بقة، قال: فمن ذلك اليوم كثر البق بمعرة النعمان وقد قال أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في قصيدة الأعلام في وصف أنطاكية وقد قدمنا ذكره.
والبق لا يدخلها ويتصل ... لكن بها فأر عظيم كالورل
وقال في تفسير هذا البيت، ولا يدخلها البق، ومن خرج منها آذاه البق، وهي كثيرة الفأر.
وسمعت والدي رحمه الله وغيره من الحلبيين يقولون: لم نسمع بأن حية من الحيات التي داخل مدينة حلب لدغت أحداً فمات من لدغتها. قال لي والدي رحمه الله: ويقال إن بها طلسماً للحيات، وقيل إنه ببرج الثعابين في الزاوية التي عند باب الفراديس المستجد.
وبلغني أن جماعة في زماننا لدغتهم حيات داخل مدينة حلب، ولم تؤذهم كجاري العادة، وأن الملدوغ لا يبقى بالألم إلا أياماً يسيره ويبرأ، والعجب أن حيات بانقوسا خارج المدينة لا تلدغ أحداً إلا ويموت في الحال، وحيات المدينة كما ذكرنا، وهذا لطف من الله عز وجل.
وسرمين لا يوجد فيها حية أصلاً، وفي وسطها عمود يقال إنه طلسم للحيات.
وذكر لي أهل معرة النعمان أن حيات معرة النعمان لا تؤذي إذا لدغت كما يؤذي غيرها.
وسمعت إبراهيم بن الفهم رئيس المعرة يقول: إن العمود القائم في مدينة المعرة هو طلسم، ذكروا أنه للحيات، وأن الحية إذا لدغت إنساناً عندنا بالمعرة لا تؤذيه. وهذا العمود قائم مستقر على قاعدة بزبرة حديد في وسطه يميله الانسان فيميل، وربما تميله الريح القوية، ويضع الناس إذا مال الجوز أو اللوز فيعود إلى مستقره فيكسره.
وسمعت إبراهيم بن الفهم المذكور يقول كان بالمعرة عمود آخر كان فيه طلسم للعقارب، فكانت العقارب بالمعرة لا تؤذي، فزال ذلك العمود، فزال أثره والعقارب اليوم بالمعرة إذا لدغت تقتل وبناحية الجزر من أعمال حلب بالقرب من معرة مصرين قرية يقال لها يحمول، ولنا فيها ملك تتوارثه عن أجدادنا من حدود الثلاثمائه للهجرة، لا يوجد في أرضها عقرب أصلاً. وحكى لي جماعة من فلاحيها أنهم يخرجون في بعض الأوقات، ويحتطبون من جبل الأعلى حطباً، ويأتون به إلى يحمول هذه فربما يعلق في الحطب من الجبل عقرب، فمتى ما شمت تراب يحمول ماتت.
ومن العجب أن إلى جانب يحمول قريتين يقال لأحديهما الكفر وللأخرى بيت رأس، وبين جدارها وجدار كل واحدة من القريتين مقدار شوط فرس، وإذا صاح إنسان في القريه سمع في القرية الأخرى، وفي كل واحدة من القريتين من العقارب شيء كثير، وهي من أشد العقارب ضرراً.
وفي يحمول هذه آبار كثيره ماؤها معين طول البئر مقدار عشره أذرع، وهاتان القريتان ليس فيهما بئر واحد، وإذا حفر فيهما بئر لا يجدون فيها معيناً، ولهم صهاريج من ماء المطر، وربما يقل عليهم الماء، فيكون شرب أهل القريتين من يحمول هذه.
وأخبرني من أثق به من الحلبيين أنه ولي عملاً بشيح الحديد، وأنه لا يوجد بها عقرب أصلاً وأن الرجل من أهل شيح إذا غسل ثوبه في مائها ثم خرج إلى موضع آخر، فوضع على ثوبه ماء وعصر وشربه من لدغته عقرب بريء من وقته، وإن قطر منه قطرة على عقرب ماتت في الحالة الراهنة.
وهذه شيح الحديد قرية كبيرة لها كورة، وفيها وال وديوان، وهي في طرف العمق من أعمال أنطاكية وهي اليوم من أعمال حلب مضافة إلى حارم، وبها كان مقام يوسف بن أسباط رحمة الله عليه.

وأخبرني والدي رحمه الله وجماعة من مشايخ حلب، يأثره الخلف عن السلف، أن العمود الحجر المعروف بعمود العسر، بالقرب من الأسفريس بمدينة حلب، ينفع من عسر البول، وإذا أصاب الإنسان، أو الدابة عسر البول أتوا به إليه وأداروا به حوله، فيزول ما به، وذكروا أن هذا مجرب، والناس يعرفون ذلك إلى زمننا هذا ويستعملونه فيفيد، والمحله التي هذا العمود بها تعرف بعمود العسر.
وفي قرى حلب في الناحية الشرقية وتعرف بالحبل خربة تعرف بجبب الكلب، وهي إلى جانب قبثان الحبل كان بها بئر ينفع المكلوب؛ وأخبرني والدي رحمه الله فيما يأثره عن سلفه أن هذا البئر كان ينفع من عضه الكلب الكلب، فيأ من المعضوض من الكلب بالنظر في تلك البئر والشرب منها.
قال والدي رحمه الله: وبطلت منفعة البئر بأن امرأة ألقت فيها خرقة حيض، فبطل تأثيرها، وهذا متداول عند أهل حلب، يأثره الخلف عن السلف، وإنما بطلت منفعه البئر في حدود الخمسمائه.
ونقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه الموسوم بالبداية والنهاية قال: سنة خمس وأربعين وأربعمائه فيها كلبت الذئاب والكلاب وأتلفت أكثر الناس.
قال أبي: قال لي جدك رحمه الله كان أبي أبو المتوج قد دخل إلى حلب وتركني عند جدي الصوفي أتفرج بسرمين، وكنت لا أعرف لي والداً سواه لغيبة أبي عند الأمراء والملوك، فقال: يا علي إحذر أن تخرج وحدك فإن الكلاب الكلبة كثير، فاتفق أنني خرجت مع أصحابي وغلماني فقيض لي كلب فرعشني، فدخلت غير طيب النفس، وذلك بعد العصر والزمان الصفري في التشارين، فمضى من خبر جدي الحسن الصوفي العجلي، فركب فرسه، وأخذ دلواً للسموط وأخذني، ومضى يخب ويناقل وأنا معه إلى أن أتى بي جب الكلب شمالي حلب فسقاني منه، وغسل يدي ورجلي ووجهي، وقال: إقلع ثيابك، فقلت: الله الله إن خلعت ثيابي في هذا البرد مت، فقال: وليت مت واسترحت يا فاعل يا صانع، فاستقى أربعين دلواً وصبها علي، وقال: تطلع في الجب، وكانت آية الجب إن نفع المرعوش أبصر النجوم في الجب، وإن لم ينفعه سمع نبيح الكلاب، فقال: ما ترى؟ فقلت أرى النجوم في الماء، فقال: الحمد لله، وركب، وأخذني فبات في سرمين، ولكن بعد تهور الليل.
قال: يقول جدك: فوالله بعد تمام الإسبوع بلت ثلاث كلاب مصورة بأذنابها ورؤوسها.
قال: ولم يزل هذا الجب يتداوى به الناس إلى أن ملك حلب رضوان الملك ابن تاج الدولة، فعول على توسيع فمه، وكان ضيقاً عليه أربعة أعمدة، تمنع أن ينزل فيه، فقال: نعمله يكون الإنسان ينزل إليه، ولا يقلب عليه، فقيل له: إن هذه الطلسمات لا يجب أن تتغير عن كيفياتها، فلم يقبل ففتحه فزال عنه ما كان يزيل الأذى، وكان يقال إن ذلك كان في سنة ست وتسعين وأربع مائه، وهو كان من العجائب الثلاث: جب الكلب، ونهر الذهب، وقلعة حلب، فأما النهر فهو ماء يجري إلى أن ينتهي إلى مواضع في الجبول وغيرها من القرى، فيسكبونها ويجرون إليها السواقي، فإذا دخل تلك المساكب جمد بإذن الله، وصار ملحاً أبيض في بياض الثلج، فيباع منه بالأموال الخطيرة، ولذلك سمي نهر الذهب.
قلت: وهذا علي بن منقذ صاحب هذه الواقعة هو الأمير سديد الملك أبو الحسن علي بن أبي المتوج مقلد بن منقذ الكناني الذي فتح شيزر واشتراها من الأسقف بمال بذله له على ما ذكرناه في الباب المتقدم في ذكر شيزر، وكان من الرجال العقلاء، والأمراء العلماء، والأدباء الشعراء، وجده المذكور لأمه هو الحسن بن عجل المعروف بالصوفي، وبنو الصوفي الذين تولوا رئاسة دمشق كانوا من نسله، وكان الصوفي يسكن سرمين، وسيأتي ذكرهما في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
قرأت في كتاب الربيع تأليف غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال بن المحسن ابن إبراهيم بن هلال الصابي، وأخبرنا به عبد اللطيف بن يوسف إجازة عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البططي عن أبي عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن قال: وحدثني أبو عبد الله بن الأسكافي كاتب البساسيري في سنة إحدى وخمسين وأربعمائه قال: احترق بحلب عاماً أول برج من أبراج سورها، وحكى ذلك للمستنصر بالله صاحب مصر خادم كان له بحلب، فقال له: إن كنت صادقاً ففي هذه السنة يخطب لنا بالعراق، وذاك عندنا في كتبنا دليل على ما قلناه.

قال أبو عبد الله: وأتفق أن جئنا وأقمنا الخطبة في ذي القعدة من سنة خمسين.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
وفي قرية من قرى جبل السماق من أعمال حلب يقال لها كفر نجد، وهي قرية كبيرة كثيرة الأشجار، بئر من غربي القرية ربما ساح ماؤها في بعض السنين على وجه الأرض، من خاصية ماء البئر أنه يخرج العلق إذا نشب في حلق الانسان أو الدابة، إذا شرب ذلك الماء.
وهذا أمر مستفيض لا شك فيه، فإنني جربته أنا بنفسي، فإنني سافرت في بعض السنين مع والدي رحمه الله إلى حماه، فشربت ماءً بتمنع، وهي قرية في طريق حماة من عمل كفر طاب، ولها ركية معروفة بالعلق، فنشب في حلقي علقة في موضع لا يوصل إليه في أقصى الحلق، وعدت إلى حلب، وهي على حالها، وعولجت بأنواع الأدوية التي تستعمل لاستخراج العلق، فلم تنجع شيئاً، وجعلت تكبر في حلقي، ويزداد خروج الدم بسببها، حتى أني كنت ألقي منه في كل يوم شيئاً كثيراً، فاشتغل خاطر والدي رحمه الله لذلك، فاتفق أن حضر مقدم قرية كفر نجد عند عمي أبي المعالي، وذكر له خاصية هذه البئر، فجاء عمي وذكر لوالدي ذلك، فقام في الحال وركب، وسار بي إلى كفر نجد، فوصلناها آخر النهار قبل المغرب، وخرج بي إلى البئر وشربت من مائها مراراً، وعدت إلى القرية، وألقيت من الدم شيئاً كثيراً، وغلبني النوم لما نالني من التعب، فأغمضت، فخرجت العلقة من حلقي إلى فمي فوجدته مطبقاً، فطلبت منفسي الهواء وأن تخرج من خيشومي، فانتبهت، وفتحت فمي، فنزلت إليه، فأخرجتها من فمي وهي بمقدار الاصبع الطويلة بعد أن ألقت ما كان في جوفها من الدم.
وفي أعمال حلب عدة حمات تنفع من البلاغم والرياح وكثير من الأدواء، فمنها حمة في السخنة من عمل المناظر من ناحية قنسرين ماؤها في غاية الحرارة، وأهلها يغتسلون فيها ويتعوضون بها عن الحمام، وذكر لي جماعة من أهلها أنهم ينتفعون بها من الريح والبلغم والحب، ونزلت إليها واغتسلت فيها.
وذكر لي أن بناحية العمق حمة أخرى يتداوى بها الناس أيضاً.
وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان، وعد كور قنسرين والعواصم، وقال: وكورة الجومة، وبها العيون الكبريتية التي تجري إلى الحمة، والحمة بقرية يقال لها جندارس، ولها بنيان عجيب معقودة بالحجارة، يأتيها الناس من كل الآفاق فيسبحون فيها للعلل التي تصيبهم، ولا يدرى من أي يجيء ماؤها ذلك الكبريتي، ولا أين يذهب.
وقرأت في كتاب أخبار البلدان تأليف أحمد بن محمد بن إسحق الهمذاني، المعروف بابن الفقيه، قال: وعلى سبعة أميال من منبج حمة عليها قبة تسمى المدير، وعلى شفيرها صورة رجل من حجر أسود، تزعم النساء أن كل من لا تحبل منهن إذا حكت فرجها بأنف تلك الصورة حبلت، وبها حمام يقال له حمام الصراني في وسطه صورة رجل من حجر يخرج ماء الحمام من إحليله.
أخبرني بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب رحمه الله قال: أخبرني ابن الإكليلي المنجم الحلبي قال: لما حفر بالمسجد الجامع بحلب موضع المصنع للماء، وجد فيه صورة أسد من الحجر الأسود، وهو موضوع على بلاط أسود، ووجهه إلى جهة القبلة، قال: فاستخرجوه من مكانه، فجرى بعد ذلك ما جرى من خراب جامع حلب إما بالزلزلة وإما بالحريق.
قلت ووقع مثل ذلك في زماننا في أيام دولة الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، وأتابكه ومدبر دولته طغرل الخادم الظاهري، فجدد طغرل داراً في القلعة ليسكنها، فلما حفر أساسها، ظهر فيما حفروه صورة أسد من حجر أسود، فأزالوه عن موضعه، فسقط بعد ذلك الجانب القبلي من أسوار قلعة حلب، وانهدم من سفح القلعة قطعة كبيرة.

أخبرنا أحمد بن الأزهر بن السباك البغدادي في كتابه إلي عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الأنصاري قال: أنبأنا المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني الحسن ابن ابنة غلام أبي الفرج الببغا، وكتب خطه، وشهد له أبو الفرج بصحة الحكاية، قال: في أعمال حلب ضيعة تعرف بعين جارا، وبينها وبين الحوته حجر قائم قائم كالتخم بين أرض الضيعتين، فربما وقع بين أهل الضيعتين شر فيكيدهم أهل الحوتة بأن يطرحوا ذلك الحجر القائم، فكما يقع الحجر، يخرج أهل الضيعتين من النساء ظاهرات متبرجات لا يعقلن بأنفسهم طلباً للجماع ولا يستقبحن في الحال ما هم عليه من غلبة الشهوة إلى أن يتبادر الرجال إلى الحجر، فيعيدونه إلى حاله الأولى، فيتراجعن النساء إلى بيوتهن وقد عاد إليهن التميز باستقباح ما كن عليه.
وهذه الضيعة كان سيف الدولة أقطعها أبا علي أحمد بن نصر البازيار، وكان أبو علي يتحدث بذلك ويسمعه منه الناس وذكر هذه الحكاية بخطه في الأصل.
قلت: هكذا قال: الحوتة بالحاء، وهي الآن تسمى الهوته بالهاء، وهي إلى جانب عنجار والهوتة أقطعتها، وبطل ما ذكره التنوخي، وقيل لي بأن الحجر باقي.
قرأت في تاريخ أعارنيه بعض الهاشميين بحلب جمعه أبو غالب همام بن الفضل بن جعفر المهذب المعري، ذكر فيه حوادث سنة سبع وستين وأربعمائة أنه ظهر بأنطاكية طلسم في جرن على صور الأتراك، فما حال الحول حتى فتحها الأتراك.
ثم قرأت بخط محمد بن علي العظيمي الأستاذ في تاريخه، وأنبأنا به عنه المؤيد بن محمد الطوسي في حوادث سنة سبع وستين قال: وفيها فتح سليمان بن قطلمش نيقيه وأعمالها، وفيها كانت الزلزلة بأنطاكية فأخربت منها كنائس ومنازل وبعض سورها، وفيها ظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير على بابها، وكان الدير عاب، فلم يجدوا له خشباً لسعة أكواره، فجددوا في وسطه أساسات للقناطر، فخرج عليهم جرن فيه خيال أتراك من نحاس، فظهر الأتراك على أنطاكية.
وذكر العظيمي في تاريخه المختصر ما أخبرنا به شيخنا أبو اليمن الكندي إجازة عنه قال، في حوادث سنة سبع وستين وأربعمائة: وزلزلت أنطاكية، وفتح سليمان بن قطلمش نيقيه وأعمالها وظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير الملك على باب أنطاكية سبعة أتراك من نحاس على خيل نحاس بجعابهم، فما حال الحول حتى فتحها الأتراك.
قلت: فقد تواطأ ابن المهذب والعظيمي على أن هذا كان في سنة سبع وستين وليس الأمر كذلك بل كان فتح سليمان بن قطلمش أنطاكية في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، والظاهر أن ابن المهذب نقل ذلك وطغى القلم في سنة سبع وسبعين بستين، فكتبه على الغلط، ونقل العظيمي ذلك من تاريخه على الغلط، والصحيح ما ذكره حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي في أخبار الفرنج، وقرأته بخط الرئيس يحيى بن المراوي الحلبي، وذكر أنه نقله من خط حمدان بن عبد الرحيم، قال: وكان من عجائب الزمان أن أنطاكية خربتها زلزلة عظيمة قبل فتحها بمدة أربع سنين، وسقط من سورها عدة أبرجة.

حكى القاضي حسن بن الموج الفوعي قال: كنت قد هربت من المجن ووصلت إلى أنطاكية وخدمت بها الأجل مسعود وزير يغي سغان، فتركني على العمارة، قال: فعدنا إلى ما قد أخربته الزلزلة من السور فعمرناه، فعاد أحد الأبرجة هبطاً وعاب، فأشير علينا بنقضه، وأن يقرر أساسه، فهدمناه، ونزلنا على آخر دمس في أساسه، فوجدنا جرناً قد انكسر عليه طابق عظيم، فكشفناه فوجدنا فيه سبعة أشخاص من نحاس على خيل من نحاس، على كل واحد ثوب من الزرد، معتقلاً ترساً ورمحاً؛ قال: فعرفت الأجل مسعود بذلك، فنفذ ثقته، فأخرج الأشخاص وكشف ما تحت الجرن فلم يجد شيئاً سواها، فحمل الأشخاص إلى الوزير فأخذها وأحضرها إلى مجلس الأمير يغي سغان؛ فقال بعض الحاضرين: لو أحضر الأمير من مشايخ المدينة من يكشف له حقيقة هذا الأمر، فتقدم بإحضار جماعة، وأبرزت إليهم الأشخاص وقيل لهم: تعرفون ما هذه الأشخاص؟ قالوا: ما نعرف، بل إننا نحكي للأمير ما يقارب هذا الأمر، لنا دير يعرف بدير الملك واسع الهواء، عاب علينا في سنة سبع وسبعين وأربعمائة فتكسر أكثر خشبه، فنقضناه وتطلبنا له خشباً بمقداره فلم نجد بأنطاكية وبلدها شيئاً، فأشار علينا بعض الصناع بتقديم الحائط فحفرنا أساس الحائط الجديد، فلما انتهينا إلى أسفله وجدنا أشخاص أتراك من نحاس في أوساطهم القسي والنشاب، فلم نحفل بذلك، وعمرنا الحائط، فما مضى لنا غير مدة قصيرة حتى سرق المدينة سليمان بن قتلمش في أول شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة في أربعمائة غلام أو دون، وملكنا كما سمع الأمير، وهذه الأشخاص ربما كانت أمة هذه أشكالهم من العرب أو غيرهم من المسلمين، ووروا عن خبر الفرنج، وكان قد وصلهم عنهم أخبار شاذة وما يجسر أحد يفوه بها، فشتمهم يغي سغان أقبح شتم وقال: يا كفار في الأرض غير الأتراك؟! وأمر بإخراجهم، فما حال الحول حتى قيل الفرنج قد نزلوا القسطنطينية.
هذا ما حكاه القاضي حسن بن الموج، والتواريخ كلها متفقة على أن سليمان بن قطلمش هجم أنطاكية في سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
وقال حمدان بن عبد الرحيم بعد هذه الحكاية، ونقلته من خط ابن المراوي،: ومثل هذا أن روجار صاحب أنطاكية احتاج إلى رخام يستعمله، فذكر له: إن في الموضع الفلاني قصراً عمره الملك الذي عمر أنطاكية، وإن فيه من الرخام كل عجيبة، فأمر أن يطلب، وكان هذا في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، فلما كشف عنه وجد جرن رخام، وفيه فارس على فرس، إلا أن فيها ما ينافي الفرس، وهو ملثم لا يبين فيه غير عينيه، فأحضر ذلك الشخص إليه، وأخذ في أحاديث تلك الأشخاص التركية والفرنجية، فنظر في ذلك، فقال له بعض القسوس إضرب به الأرض ينكسر وينكسر شره، فضرب به الأرض حتى تكسر؛ وفي تلك الجمعة وصله مستصرخ بيت المقدس يخبره بنزول عسكر المصريين إليهم، فسار حتى إذا وصلهم وبرز لمقاتلة عسكرهم فجايشوا أياماً، ثم رجع عسكر مصر وقد خسر، وعاد روجار إلى أنطاكية، ولم يقم بها غير عشرة أيام، وخرج إلى أعزاز وحاصرها، فأنفذ الحلبيون إلى إيل غازي بن أرتق، فاستدعوه وملكوه حلب، وشد التركمان، وسار إليه فالتقوا على فرضة ليلون على موضع إسمه تل عقبرين فكسر الفرنج، وقتل رجار وأخذ رأسه، وقتل من الفرنج عدد ألوف، ولو تم عسكر إيل غازي إلى أنطاكية لأخذت، ولكنه هاب الأمر ولله المشيئة.
باب في
ذكر ما يتعلق بحلب وأعمالها من الملاحم وأمارات الساعة

أخبرنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل الهروي في كتابه إلينا قال: أخبرنا أبو القاسم تميم بن أبي سعد بن أبي العباس الجرجاني قال: أخبرنا الحاكم أبو الحسن علي بن محمد بن علي البحاثي قال: أخبرنا أبو الحسن محمد ابن أحمد بن هرون قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البستي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون قال: حدثنا أبو ثور قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من أهل المدينة، وهم خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فيهزموا، ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً ثم يقتل ثلثهم وهم أفضل شهداء عند الله، ويفتح ثلث، فيفتحون قسطنطينية فبينا هم يقسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح قد خلفكم في أهاليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج - يعني الدجال - فبينا هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فإذا رآه عدو الله يذوب كما يذوب الثلج، ولو تركوه لذاب حتى يهلك، ولكه يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته.
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه عن زهير بن حرب عن معلى بن منصور عن سليمان بن بلال، وقد أوردناه عنه فيما تقدم.
كتب إلينا أبو محمد أحمد بن الأزهر بن عبد الوهاب بن السباك من بغداد أن القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد أخبرهم كتابة عن أبي محمد الحسن ابن علي بن محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن زكريا بن حيوية قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن المنادي قال: أخبرت عن الحكم بن موسى السمسار قال: حدثنا يحيى بن حمزه عن إسحق بن عبد الله قال: أخبرني عبد الرحيم بن شيبة عن من أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً، فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده ليأرزن الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن، والذي نفسي بيده ليأرزن الاسلام إلى ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها، فبينما هم كذلك استغاث العرب بأعرابها فخرجوا في مجلية لهم لصالح من قضى وخير من بقي، فاقتتلوا هم والروم، فستتقلب بهم الحرب حتى بردوا العمق، عمق أنطاكية، فيقتتلون فيها ثلاث ليال، العرب والروم، ويرفع الله النصر عن كل حتى تخاض الخيل إلى ركبها في الدم، وتقول الملائكة يا رب ألا تنصر عبادك المؤمنين، فيقول حتى يكثر شهادهم فيستشهد ثلث، ويصبر ثلث، ويرجع ثلث شكاكاً، فيخسف بهم، فقول الروم: لن ندعكم حتى تخرجوا كل بضعة فيكم ليست منكم، فيقول العرب للعجم: إلحقوا بالروم، فتقول العجم أكفر بعد الإيمان ! فيغضبون عند ذلك فيجتمعون على الروم فيقتتلون هم وهم، ويغضب الله عز وجل عند ذلك فيضرب بسيفه ويطعن برمحه، فقيل لعبد الله بن عمرو: وما سيف الله ورمحه؟ قال: سيف المؤمن ورمحه حتى يهلك الروم جميعاً فما ينفلت منهم مخبر، ثم ينطلقون إلى أرض الروم فيفتحون حصونها ومدائنها بالتكبير، ثم يأتوا مدينة هرقل فيجدوا خليجها بطحاء، ثم يفتحونها بالتكبير ثم يأتوا فيكبروه الله تكبيرة فتسقط جداراً من جدرها، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فتسقط جداراً آخر، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فتسقط جداراً آخر، ثم لا يبقى جدارها البحري إلا سقط، ويسيرون إلى روميه فيفتحونها بالتكبير فيكيلون بها غنائمهم كيلاً بالفرايق.

قال أبو الحسين بن المنادي: وحدثنا علي بن داود قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد قال: حدثني أبو قبيل المعافري عن عبد الله بن عمرو أنه قال فيما كان يسأل عنه من الملاحم: إن رجلاً من أعداء المسلمين بالأندلس يقال له ذو العرف يجمع من قبائل الشرك جمعاً عظيماً، فيعرف من بالأندلس أنه لا طاقة لهم به فيهرب أهل القوة من المسلمين في السير فيجوزون إلى طنجة، ويبقى ضعفة المسلمين وجماعتهم ليس لهم سفن يجوزون فيها، فيبعث اللهم لهم وعلاً يبين لهم الأرض في البحر فيجوزون فلا يبطن الماء أظلافه فيفطن له الناس، فيقول بعضهم لبعض اتبعوا الوعلة، فيجوز الناس كلهم على أثره، ثم يرجع البحر قلا على ما كان عليه قبل ذلك، ثم يجوز العدو في المراكب، فإذا أحسسهم أهل إفريقية هربوا كلهم من إفريقية ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين حتى يقتحون الفسطاط هرباً من ذلك العدو حتى ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام مسيرة خمسة برد، فيصلون هنالك تترى، فتخرج إليهم راية المسلمين على الجسر فينصرهم الله عليهم فيهزمونهم ويقتلونهم إلى نوبية مسيرة عشر ليال من النيل، فيوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأداتهم سبع سنين وينقلب ذو العرف من أهل القتل ومعه كتاب قد كتب له وأمر أن لا ينظر فيه حتى يقدم مصر، فينظر فيه وهو منهزم، فيجد فيه ذكر الإسلام، وأنه يؤمر بالدخول فيه إذا قرأ ذلك الكتاب، فيسأل الأمان على نفسه وعلى من أجابه إلى الإسلام الذين انفلتوا معه من القتل، فيسلم ويصير مع المسلمين ثم يأتي في العام الثاني رجل من الحبشة يقال له اسيس وقد جمع جمعاً، فيهرب المسلمون من أسوان حتى لا يبقى فيها ولا فيما دونها أحد من المسلمين إلا دخل الفسطاط فينزل اسيس بجيشه مدفاً على رأس بريد من الفسطاط، فتخرج إليهم راية من المسلمين على الجسر فينصرهم الله عليهم، فيقتلونهم ويأسرونهم حتى يباع الأسود بعباءة.
قال الليث بن سعد: قال أبو قبيل: فالفارس يومئذ خير من كذا وكذا راجلاً، يغير على فرسه فيصيب لأهله الشاة والطعم يغيثهم به.
قال الليث بن سعد: فقلنا لأبي قبيل: قدر ماذا؟ فقال: قدر ما يأتيهم أعراب على قعدانهم مداداً لهم يخرج الراكب يومئذ من عدن أبين فلا يجد لراحلته كلأً حتى يرد الشام فإذا اجتمع المسلمون بالشام ساروا إلى الروم، فالتقوا بالأعماق من أرض قنسرين فاقتتلوا، وأنزل الله على الفريقين الصبر ورفع عنهم النصر، قال أبو قبيل: فيقتل ثلث المسلمين، فهم من خيار شهداء المسلمين، ويهرب ثلث فيخسف بهم ويبقى ثلث.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بدمشق قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم بن الحسن قال: أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي قال الحافظ: وحدثنا أبو البركات الخضر بن شبل بن عبد الواحد الحارثي الفقيه عنه قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم المقريء قال: حدثنا أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المري قال: أخبرنا أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصاء قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر بن عمارة بن حريم المقريء قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني سعيد بن عبد العزيز أن من أدرك من علمائنا كانوا يقولون: يخرجون أهل مصر من مصرهم إلى ما يلي المدينة، ويخرج أهل فلسطين والأردن إلى مشارق البلقاء وإلى دمشق ويخرج أهل الجزيرة وقنسرين وحمص إلى دمشق وذلك ما كان حدثنا به سعيد عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة مدينة يقال لها دمشق.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بدمشق قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن قال: أخبرنا أبو البركات الخضر بن شبل بن عبد الواحد الحارثي قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسين بن محمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم المقريء قال: حدثنا أبو نصر عبد الوهاب ابن عبد الله بن عمر المري قال: أخبرنا أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصاء قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر بن عمارة بن خريم المقريء قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: لقيت أبا بشر الكلاعي، وكان ثقة، فذاكرته، فقال: سمعت أبا وهب الكلاعي يخبر عن مكحول أن الملاحم عشر، فأولاهن ملحمة قيسارية بفلسطين وآخرهن ملحمة عمق أنطاكية.
قرأت في كتاب الملاحم والفتن لأبي عبد الله نعيم بن حماد المروزي، وقد قرأه كاتبه على أبي بكر عبد الله بن محمد بن سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال أبو بكر: حدثنا نعيم بن حماد.
وأنبأنا عبد العزيز بن الحسين بن هلاله قال: أخبرتنا بذلك أم هانىء عفيفة بنت أبي بكر أحمد بن عبد الله بن محمد الفارفاني الأصبهانية قالت: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الجوزدانيه قالت أخبرنا أبو بكر بن ريذه قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال: أخبرنا عبد الرحمن بن حاتم المرادي قال: حدثنا نعيم بن حماد حدثنا الوليد بن مسلم عن الوليد بن سليمان بن أبي السائب سمع القاسم أبا عبد الرحمن يقول: الفئة الخاذلة للمسلمين بعمق عكا وأنطاكية ينخرق لهم من الأرض خرق يدخلون فيه لا يرون الجنة ولا يرجعون إلى أهليهم أبداً.
وقال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا الوليد عن كلثوم بن زياد عن سليمان ابن حبيب المحاربي عن كعب قال: تقتتلون بالأعماق قتالاً شديداً ويرفع النصر ويفرغ الصبر ويسلط الحديد بعضه على بعض حتى تركض الخيل في الدم إلى ثنتها ثلاثة أيام متوالية لا يحجز بينهم إلا الليل حتى تقول عمائر من الناس - يعني طوائف - : ما كان الاسلام إلا إلى أجل ومنتهى، وقد بلغ أجله ومنتهاه، فالحقوا بموالد آبائنا، فيلحقون بالكفر، ويبقى أبناء المهاجرين، فيقول رجل منهم: يا هؤلاء ما ترون إلى ما صنع هؤلاء قوموا بنا نلحق بالله، فما يتبعه أحد، فيمشي إليهم حتى يأتيهم فينشلونه بينازكهم حتى أن دماءه لتبل أذرعهم، فيهزمهم الله.
قال الوليد: فحدثني عثمان بن أبي العاتكه عن كعب مثله، قال كعب: فذلك أكرم شهيداً كان في الإسلام إلا حمزه بن عبد المطلب، فتقول الملائكة، ربنا ألا تأذن لنا بنصرة عبادك؟ فيقول: أنا أولى بنصرتهم، فيومئذ يطعن برمحه ويضرب بسيفه ورمحه، وسيفه أمره، فيهزمهم الله، ويمنحهم أكتافهم فيدوسونهم كما تداس المعصرة، فلا يكون للروم بعدها جماعة ولا ملك.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الحكم بن نافع عن جراح عن أرطأة قال: إذا ظهر صاحب الأدهم في الإسكندرية وعلا أرض مصر لحقت العرب بيثرب والحجاز وتخلي بين الشام وتلحق كل قبيلة بأهلها، ويبعث إليهم بجيش، فإذا انتهوا بين الجزيرتين نادى مناديهم ليخرج إلينا كل صريح أو دخيل كان منا في المسلمين، فتغضب الموالي فيبايعون رجلاً يسمى صالح بن عبد الله بن قيس بن يسار فيخرج بهم، فيلقى بهم جيش الروم فيقتلهم ويقع الموت في الروم وهم يومئذ ببيت المقدس قد استولوا عليها، فيموتون موت الجراد ويموت صاحب الأدهم، وينزل صالح بالموالي أرض سورية فيدخل عمورية وتدين له، وينزل قموليه ويفتح بزنطيه وتكون أصوات جيشه فيها بالتوحيد عالية، وتقتسم أموالها بينهم بالآنية، ويظهر على روميه ويستخرج منها تابوت صهيون، وتابوت من جزع فيه قرط حواء، وكتونه آدم - يعني كساءه - ، وحلة هرون، فبينا هو كذلك إذ أتاه خبر - وهو باطل - فيرجع.
قال جراح عن أرطاة: الملحمة الأولى في قول دانيل بالإسكندرية بسفنهم فيستغيث أهل مصر بأهل الشام فيلتقون فيقتتلون قتالاً شديداً، فيهزم المسلمون الروم بعد جهد شديد، ثم يقيمون عاماً ويجمعون جمعاً عظيماً، ثم يقبلون فينزلون يافا فلسطين عشرة أميال، ويعتصم أهله بذراريهم في الجبال، فيلقاهم المسلمون فيظفرون بهم، ويقتلون ملكهم.

والملحمة الثانية: يجمعون بعد هزيمتهم جمعاً أعظم من جمعهم الأول فيقبلون فينزلون عكا، وقد ملك ملكهم ابن المقتول، فيلتقي المسلمون بعكا، ويحبس النصر عن المسلمين أربعين يوماً، ويستغيث أهل الشام بأهل الأمصار فيبطئون عن نصرهم، فلا يبقى يومئذ مشرك حر ولا عبد من النصرانيه إلا أمد الروم، فيفر ثلث أهل الشام، ويقتل الثلث، ثم ينصر الله البقية، فيهزمون الروم هزيمة لم يسمع بمثلها ويقتلونهم وملكهم.
والملحمة الثالثة: يرجع من رجع منهم في البحر، وينضم إليهم من كان فر منهم في البر، ويملكون ابناً لملكهم المقتول، صغيراً لم يحتلم، ويقذف له مودة في قلوبهم، فيقبلون بما لم يقبل به ملكاهم الأولان من العدد فينزلون عمق أنطاكية، ويجتمع المسلمون فينزلون بإزائهم، فيقتتلون شهرين، ثم ينزل الله نصره على المسلمين فيهزمون الروم، ويقتلون فيهم وهم هاربون طالعون في الدرب، ثم يأتيهم مدد لهم، فيقفون ويتذامر المسلمون فيكرون عليهم كرة فيقتلونهم وملكهم، وينهزم بقيتهم، فيطلبهم المهاجرون، فيقتلونهم قتلاً ذريعاً، فحينئذ يبطل الصليب، وينطلق الروم إلى أمم من ورائهم من الأندلس، فيقبلون بهم حتى ينزلوا الدرب فيتميز المهاجرون نصفين، فيسير نصف في البر نحو الدرب والنصف الآخر يركبون في البحر، فيلتقي المهاجرون الذين في البر ومن في الدرب من عدوهم، فيظفرهم الله بعدوهم فيهزمونهم هزيمة أعظم من الهزائم الأول، ويوجهون البشير إلى إخوانهم في البحر: إن موعدكم المدينة فيسيرهم الله أحسن سيرة حتى ينزلوا على المدينة فيفتحونها ويخربونها، ثم يكون بعد ذلك أندلس، وأنتم تجمعون فتأتون الشام فيلقاهم المسلمون فيهزمهم الله.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الحكم بن نافع قال: ثم يستمد الروم بالأمم الثانية فتجيش عليهم الألسنة المختلفة، ويجتمع إليه أهل رومية والقسطنطينية وأرمينية حتى الرعاء والحراثون تغضب لملك الروم، فيقبل بأمم كثيرة سوى الروم، ملوك عشرة يبلغ جمعهم مائة ألف وثمانين ألف، وتنزوي العرب بعضها إلى بعض من أقطار الأرض، ويجتمع الجناحان مصر والعراق والشام وهي الرأس، فيقبل ملك الروم على منبر محمول على بغلتين فيوجهون جيوشهم، فيجولون الشام كلها غير دمشق، فيسير إليهم المسلمون على أقدامهم، فيلتقون في عمق كذا وكذا وعمق كذا وكذا أربعة مواطن، فيسير الجمعان على نهر ماؤه بارد في الصيف حار في الشتاء، فيغور ماؤه، ويكثر يومئذ، فينزل المهاجرون أدناه والروم أقصاه، ويربطون خيولهم بالشجر التي عند رحالهم، ويستعدوا للقتال حتى يصيروا في أرض قنسرين، فيكون منزلهم ما بين حمص وأنطاكية، والعرب فيما بين بصرى ودمشق وما وراءهما فلا يبقى الروم خشباً ولا حطباً ولا شجراً إلا أوقدوه، فيلتقي الجمعان عند نهير فيما بين حلب وقنسرين، ثم يصيرون إلى عمق من الأرض فيه عظم قتالهم، فمن حضر ذلك فليكن في الزحف الأول، فإن لم يستطع ففي الثاني أو الثالث أو الرابع أو الآخر فإن لم يطق فليلزم فسطاط الجماعه لا يفارقها فإن يد الله عليهم، ومن هرب يومئذ لم يرح ريح الجنة، فيقول الروم للمسلمين: خلوا لنا أرضنا وردوا إلينا كل أحمر وهجين منكم، وأبناء السراري، فيقول المسلمون: من شاء لحق بكم ومن شاء دفع عن دينه ونفسه، فيغضب بنو الهجن والسراري والحمراء، فيعقدون لرجل من الحمراء راية وهو السلطان الذي وعد إبراهيم إسحق أن يعطيا في آخر الزمان، فيبايعونه، ثم يقاتلون وحدهم الروم فينصرون على الروم، ثم تنحاز فجرة العرب إلى الروم ومنافقوهم حين يرون نصرة الموالي على الروم، وتهرب قبائل بأسرها جلها من قضاعة وناس من الحمراء، حتى يركزوا راياتهم فيهم، ثم ينادي الرفاق بالتميز، فإذا لحق بهم من لحق نادوا غلب الصليب، فخير العرب يومئذ اليمانيون المهاجرون وحمير وألهان وقيس، أولئك خير الناس يومئذ، فقيس يومئذ تقتل ولا تقتل، وحدس مثلها والأزد يقتلون ولا يقتلون، ويومئذ يفترق جيش المسلمين أربع فرق، فرقة يستشهدون، وفرقة تصبر، وفرقة تفر، وفرقة تلتجيء بعدوها.

قال: وتشد الروم على العرب شدة فيقتل خليفتهم القرشي اليماني الصالح في ثلاثة آلاف، فيؤمرون عليهم أميراً ومعه سبعون أميراً كلهم صالح صاحب راية، فالمقتول والصابر يومئذ في الأجر سواء، ثم يسلط الله على الروم ريحاً وطيراً تضرب وجوههم بأجنحتها فتفقأ أعينهم وتصدع بهم الأرض، فيتحلحلوا في مهواة بعد صواعق ورواجف تصيبهم، ويؤيد الله الصابرين، ويوجب لهم من الأجر كما أوجب لأصحاب محمد عليه السلام، ويملأ قلوبهم وصدورهم شجاعة وجرأة، فإذا رأت الروم قلة الفرقة الصابرة طمعت فقالت: إركبوا كل حافر فطؤوهم وانبذوهم، فيقوم راكب من المسلمين على سرجه فينظر عن يمينه وشماله وبين يديه فلا يرى طرفاً ولا انقطاعاً فيقول: أتاكم الخلق ولا مدد لكم إلا الله فموتوا وأميتوا، فيبايعون رجلاً منهم بيعة خلافة فيأمرهم فيصلون الصبح، فينظر الله إليهم، فينزل عليهم النصر، ويقول: لم يبق إلا أنا وملائكتي وعبادي المهاجرون، اليوم مأدبة الطير والوحوش، لأطعمنها لحوم الروم وأنصارها ولأسقينها دماؤهم، فيفتح ربك خزائن سلاحه التي في السماء الرابعة، وسلاحه العز والجبروت، فينزل عليهم الملائكة، ويقذف المسلمون قسيهم، ويدقوا أغماد سيوفهم، فيصلتونها عليهم، ويوجهوا أسنة رماحهم إليهم، ويبسط ربك يده إلى سلاح الكفار، فيضمه فلا يقطع، ويغل أيديهم إلى أعناقهم، ويسلط أسلحة الموحدين عليهم، فلو ضرب مؤمن يومئذ بزند لقطع، ويهبط جبريل وميكائيل فيدفعونهم بمن معهم من الملائكة، فيهزمهم الله، فيسوقونهم كالغنم حتى ينتهوا بهم إلى ملوكهم، وملوكهم من الرعب لوجوههم، وتنتزع أتوجتهم عن رؤوسهم، فيطؤونهم بالخيل والأقدام حتى يقتلوهم حتى تبلغ دماؤهم ثتن الخيل فلا تنشفه الأرض، وكل دم يبلغ ثتن الخيل فهو ملحمه، وهو ذبح، فذلك انقطاع ملك الروم، ويبعث الله ملائكة إلى جزائرها تخبرهم بقتل الروم.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا أبو المغيرة عن صفوان قال: حدثنا بعض مشايخنا قال: جاءنا رجل وأنا نازل عند ختن لي بعرقه، فقال: هل من نزل الليلة فأنزلوه فإذا رجل خليف للخير كأنه حين ينظر إليه ملتمس العلم، فقال: هل لكم علم بسوسية؟ قالوا: نعم، قال: وأين هي؟ قلنا خربة نحو البحر، فقال: هل فيها عين يهبط إليها بدرج وماء بارد عذب؟ قالوا: نعم، فقال: هل إلى جانبها حصن خرب؟ قلنا: نعم، قال: قلنا: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا رجل من أشجع، قالوا: ما بال ما ذكرت؟ قال تقبل سفن الروم في البحر حتى ينزلوا قريباً من تلك العين فيحرقون سفنهم، فيبعث إليهم أهل حمص وأهل دمشق، فيمكثون ثلاثاً يدعونهم الروم على أن يخلوا لهم البلد، فيأبون عليهم، فيقاتلهم المهاجرون، فيكون أول يوم القتل في الفريقين كلاهما، واليوم الثاني على العدو، والثالث يهزمهم الله، فلا تبلغ سفنهم منهم إلا أقلهم، وقد حرقوا سفناً كثيرة، قالوا: لا نبرح هذا البلد، فهزمهم الله، وصف المسلمين يومئذ بحذاء البرج الخرب، فبينما هم على ذلك قد هزم الله عدوهم حتى يأتي آت من خلفهم فيخبرهم أن أهل قنسرين أقبلوا مقبلين إلى دمشق، وأن الروم قد حملت عليهم، وكان موعداً منهم في البر والبحر، فيكون معقل المسلمين يومئذ دمشق.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن داود قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت أبا عامر الألهاني يقول: خرجت مع تبيع من باب الرستن، فقال: يا أبا عامر إذا نسفت هاتان الزبلتان فأخرج أهلك من حمص، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: فإذا دخلت أنطرسوس فقتل فيها ثلاثمائة شهيد فأخرج أهلك من حمص، قلت فإن لم أفعل؟ قال: فإذا جاء الحمل من أهل الأندلس بألف قلع، ثم فرقها بين الأقرع ويافا فاخرج أهلك من حمص، قلت: أرأيت إن لم أفعل؟ قال: فوالله لئن لم تفعل ليصيبن أهلك ما أصاب أهل حمص، قلت: وما الذي يصيبهم؟ قال: يغلقها أعاجمها على ذراري المسلمين ونسائهم.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا بقية عن صفوان عن شريح بن عبد عن كعب قال: تكون وقعة بيافا يقاتلهم المسلمون يوم الأربعاء والخميس والجمعة والسبت والأحد، ثم يفتح الله للمسلمين يوم الاثنين.
قال صفوان: فسألت عن ذلك خالد بن كيسان فقال: حدثني أبي قال: إذا هزم الله الروم من يافا ساروا حتى يجتمعوا بالأعماق فتكون الملحمة.

وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا عبد القدوس عن صفوان عن عامر بن عبد الله أبي اليمان الهوزني عن كعب قال: إن الله يمد أهل الشام إذا قاتلهم الروم في الملاحم بقطعتين، دفعة سبعين ألفاً، ودفعة ثمانين ألفاً من أهل اليمن حمائل سيوفهم المسد، فيقولون: نحن عباد الله حقاً حقاً، نقاتل أعداء الله، يرفع الله عنهم الطاعون والأوجاع والأوصاب حتى لا يكون بلد أبرأ من الشام، ويكون ما كان في الشام من تلك الأوجاع والطاعون في غيرها.
قال: وإن بالمغرب لحمل الضان ملك من ملوكهم يعد لأهل الإسلام ألف قلع، كلما أعدها بعث الله عليها قاصفاً من الريح حتى يأذن الله بخروجها فترسي ما بين عكا والنهر فيشغلوا كل جند أن يمد جنداً، فسألته أي نهر هو؟ قال: مهراق الأرنط نهر حمص، ومهراقة ما بين الأقرع إلى المصيصة.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا ابن وهب ورشدين جميعاً عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عن جبريل بن شراحيل قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن أهل الأندلس يأتون في البحر وإن طول سفنهم في البحر خمسون ميلاً، وعرضها ثلاثة عشر ميلاً حتى ينزلوا الأعماق.
قال ابن وهب: البر والبحر.
أنبأنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن علوان وسعيد بن هاشم بن أحمد الأسديان عن أبي البركات الخضر بن شبل الحارثي قال: أخبرنا أبو طاهر محمد ابن الحسين قال: أخبرنا أبو علي الأهوازي قال: حدثنا أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر بن أيوب المري قال: أخبرنا أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي قال: أخبرنا أحمد بن عمير قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني كلثوم بن زياد عن سليمان بن حبيب المحاربي عن رجل من قومه أنه سمعه من كعب يقول: يلتقون بعمق عكا فيقتتلون، ثم يتهايبون فينحازون، ثم يقتتلون ثم يتهايبون حتى ينتهوا إلى عمق أنطاكية، فيقيمون به لا ينهزم هؤلاء ولا هؤلاء، ويبعث المسلمون فيستمدون إلى عدن أبين، ويبعث الروم إلى من يمدهم من روميه.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الشافعي الدمشقي بها قال: أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله قال: أخبرنا أبو القاسم السمرقندي قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر قال: أخبرنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر بن الصواف قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل المهندس قال: حدثنا أبو بشر الدولابي قال: حدثنا محمد بن عوف قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان بن عمرو قال: حدثنا أبو الزاهرية حدير بن كريب عن كعب أنه قال: قال الحافظ أبو القاسم: وأنبأنا أبو علي الحداد، وحدثني أبو مسعود يعني عبد الرحيم بن علي بن حمد عنه قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الذكواني قال: حدثنا أبو الشيخ قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: حدثنا عيسى بن خالد قال: حدثنا أبو اليمان عن صفوان بن عمرو عن أبي الزاهرية عن كعب أنه قال: لن تزالوا بخير ما لم يركب أهل الجزيرة أهل قنسرين، وأهل قنسرين أهل حمص فيومئذ تكون الجفلة ويفزع الناس إلى دمشق.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي قال: أخبرنا أبو محمد القاسم بن علي بن الحسن الحافظ قال: أخبرنا أبو البركات الخضر بن شبل الفقيه قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحسين قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم المقريء قال: حدثنا أبو نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المري قال: أخبرنا أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد السلمي قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا أبو عامر موسى بن عامر قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني يزيد بن سعيد بن ذي غضوان العنسي عن مدلج بن المقداد العذري عن سليم مولاهم أنه سمع كعب الأحبار يقول: إذا نزلت الروم عمق الأعماق بأنطاكية، فمن لم ينصر المسلمين يومئذ فليس هو على شيء.

أنبأنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بن حيوية قال: أخبرنا أبو الحسن بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن فهم قال: حدثنا محمد بن سعد قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال نبئت أن عبد الله بن سلام قال: إن أدركني وليس لي ركوب فاحملوني حتى تضعوني بين الصفين، يعني قتال الأعماق.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد المقريء قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن وعبد الله بن محمد قالا: حدثنا عمر ابن الحسن أبو حفيص القاضي الحلبي قال: حدثنا محمد بن كامل بن ميمون الزيات قال: حدثنا محمد بن اسحق العكاشي قال: حدثنا الأوزاعي قال: قدمت المدينة في خلافة هشام، فقلت: من ها هنا من العلماء؟ قالوا: ها هنا محمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومحمد ابن علي بن الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: والله لا بد أن أبدأ بهذا قبلهم، قال: فدخلت المسجد فسلمت فأخذ بيدي فأدناني منه فقال: من أي إخواننا أنت؟ فقلت له: رجل من أهل الشام، قال: من أي أهل الشام؟ قلت: رجل من أهل دمشق، قال: نعم، أخبرني أبي عن جدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للناس: ثلاث معاقل فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية دمشق ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج طور سيناء.
ونقلت من كتاب الملاحم والفتن تأليف نعيم بن حماد مما رواه عنه أبو بكر ابن أبي مريم، وأنبأنا عبد العزيز بن الحسين قال: أخبرتنا به الحرة عفيفة بنت أحمد قالت: أخبرتنا فاطمة قالت أخبرنا ابن ريذة قال: أخبرنا الطبراني قال: أخبرنا المرادي قال: حدثنا نعيم قال: حدثنا أبو عمر عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب ابن حسين عن محمد بن ثابت عن أبيه عن الحارث عن عبد الله قال: لا ينجو من بليتها إلا من صبر على الحصار، والمعقل من السفياني باذن الله ثلاث مدن للأعاجم ناحية الثغور، مدينة يقال لها أنطاكية، ومدينة يقال لها قورس، ومدينة يقال لها سميساط، والمعقل من الروم جبل يقال له المعنق.
وقال: أخبرنا أبو عبد الله نعيم بن حماد المروزي قال: حدثنا أبو عمر صاحب لنا من أهل البصرة قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت عن أبيه عن الحارث الهمداني عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يكون بين المسلمين وبين الروم هدنة وصلح حتى يقاتلوا معهم عدواً لهم فيقاسمونهم غنائمهم، ثم أن الروم يغزون مع المسلمين فارس، فيقتلون مقاتلتهم ويسبون ذراريهم فتقول الروم: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم، فيقاسمونهم الأموال وذراري المشركين، فتقول الروم: قاسمونا ما أصبتم من ذراريكم، فيقولون لا نقاسمكم ذراري المسلمين أبداً، فيقولون: غدرتم، فترجع الروم إلى صاحبهم بالقسطنطينية، فيقولون: إن العرب غدرت بنا ونحن أكثر منهم عدداً وأتم منهم عده وأشد منهم قوة فأمدنا نقاتلهم، فيقول: ما كنت لأغدر بهم وقد كانت لهم الغلبة في طول الدهر علينا، فيأتون صاحب رومية فيخبرونه بذلك فيوجه بثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً في البحر، ويقول لهم صاحبهم: إذا أرسيتم بسواحل الشام فحرقوا المراكب لتقاتلوا عن أنفسكم فيفعلون ذلك، ويأخذون أرض الشام كلها برها وبحرها ما خلا مدينة دمشق والمعنق ويخربون بيت المقدس.

قال: فقال ابن مسعود: وكم تسع دمشق من المسلمين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتتسعن على من يأتها من المسلمين كما تتسع الرحم على الولد، قال: قلت: وما المعنق يا نبي الله؟ قال: جبل بأرض الشام من حمص على نهر يقال له الأرنط، فتكون ذراري المسلمين في أعلى المعنق والمسلمون على الأرنط يقاتلونهم صباحاً ومساء، فإذا أبصر ذلك صاحب القسطنطينية، وجه في البر إلى قنسرين ثلاثمائة ألف حتى تجيئهم مادة اليمن سبعون ألفاً، ألف الله قلوبهم بالإيمان، فيهم أربعون ألفاً من حمير حتى يأتوا بيت المقدس فيقاتلون الروم، فيهزمونهم، يخرجونهم من جند إلى جند حتى يأتوا قنسرين، وتجيئهم مادة الموالي، قال: قلت وما مادة الموالي يا رسول الله؟ قال: هم عتاقتكم، وهم منكم قوم يجيئون من قبل فارس فيقولون: تعصبتم يا معشر العرب لا نكون مع أحد من الفريقين، أو تجتمع كلمتكم، فتقاتل نزار يوماً واليمن يوماً والموالي يوماً فيخرجون الروم إلى المعنق، وينزل المسلمون على نهر يقال كذا وكذا، والمشركون على نهر يقال له الرقية، وهو النهر الأسود، فيقاتلونهم، فيرفع نصره عن العسكرين وينزل صبره عليهما، حتى يقتل من المسلمين ثلث، ويفر ثلث ويبقى الثلث، فأما الذين يقتلون فشهيدهم كشهيد عشرة من شهداء بدر، يشفع الواحد من شهداء بدر لسبعين، وشهيد الملاحم يشفع لسبعمائة، وأما الثلث الذين يفرون فإنهم يفترقون ثلاثة أثلاث، ثلث يلحقون بالروم ويقولون لو كان لله بهذا الدين من حاجة لنصرهم، وهم مسلمة العرب بهراء وتنوخ وطيء وسليح، وثلث يقولون منازل آبائنا وأجدادنا، وحيث لا ينالنا الروم أبداً، مروا بنا مروا بنا إلى البدو، وهم الأعراب، وثلث يقولون: إن كل شيء كاسمه، وأرض الشام كاسمها الشؤم، فسيروا إلى أرض العراق واليمن والحجاز حيث تخاف الروم، وأما الثلث الباقي فيمضي بعضهم إلى بعض يقولون: الله الله دعوا عنكم العصبية، ولتجتمع كلمتكم، وقاتلوا عدوكم فإنكم لن تنصروا ما تعصبتم، فيجتمعون جميعاً ويتبايعون على أن يقاتلوا حتى يلحقوا باخوانهم الذين قتلوا، فإذا أبصر الروم إلى من تحول إليهم، ومن قتل، ورأوا قلة المسلمين قام رومي بين الصفين ومعه بندفي أعلاه صليب، فيقول: غلب الصليب غلب الصليب، فيقوم رجل من المسلمين بين الصفين ومعه بند فينادي: بل غلب أنصار الله وأولياؤه، فيغضب الله على الذين كفروا من قولهم: غلب الصليب، فيقول: يا جبريل أغث عبادي، فينحدر في مائة ألف من الملائكة، ويقول: يا ميكائل أغث عبادي، فينحدر في مائتي ألف من الملائكة، ثم يقول: يا إسرافيل أغث عبادي، فينحدر إسرافيل في ثلاثمائة ألف من الملائكة، وينزل الله نصره على المؤمنين، وينزل بأسه على الكفار فيقتلون ويهزمون ويسير المسلمون في أرض الروم حتى يأتوا عمورية، وعلى سورها خلق كثير يقولون: ما رأينا شيئاً أكثر من الروم كم قتلنا وهزمنا وما أكثرهم في هذه المدينة، فيقولون: آمنونا على أن نؤدي إليكم الجزية فيأخذون الأمان لهم ولجميع الروم على أداء الجزية، وتجتمع إليهم أطرافهم فيقولون: يا معشر العرب إن الدجال قد خالفكم إلى ذراريكم، والخبر باطل، فمن كان فيهم منكم فلا يلقين شيئاً مما معه، فإنه قوة لكم على ما بقي فيخرجون فيجدون الخبر باطلاً، وتثب الروم على من بقي في بلادهم فيقتلونهم حتى لا يبقى بأرض الروم عربي ولا عربية ولا ولد عربي إلا قتل، فيبلغ ذلك المسلمين فيرجعون غضباً لله فيقتلون مقاتلتهم ويسبون الذراري، ويجمعون الأموال، لا ينزلون على مدينة ولا على حصن فوق ثلاثة أيام حتى يفتح لهم، وينزلون على الخليج، ويمد الخليج حتى يفيض فيصبح أهل قسطنطينية يقولون: الصليب مد لنا بحرنا، والمسيح ناصرنا فيصبحون والخليج يابس، فتضرب فيه الأخبية ويحسر البحر عن القسطنطينية، ويحوط المسلمون ليلة الجمعة بالتحميد والتكبير والتهليل إلى الصباح ليس فيهم نائم ولا جالس، فإذا طلع الفجر كبر المسلمون تكبيرة واحدة، فيسقط ما بين البرجين فيقول الروم: إنما كنا نقاتل العرب فالآن نقاتل ربنا وقد هدم لهم مدينتنا وخربها لهم فيمكنون بأيديهم، ويكيلون الذهب بالأترسه، ويقسمون الذراري حتى يبلغ سهم الرجل منهم ثلاثمائة عذراء، ويتمتعون بما في أيديهم ما شاء الله، ثم يخرج الدجال حقاً، ويفتح الله القسطنطينية على يدي أقوام

هم أولياء الله، ويرفع الله عنهم الموت والمرض والسقم حتى ينزل عليهم عيسى بن مريم، فيقاتلون معه الدجال. أولياء الله، ويرفع الله عنهم الموت والمرض والسقم حتى ينزل عليهم عيسى بن مريم، فيقاتلون معه الدجال.
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي مريم: وأخبرني عمرو بن قيس عن أبي بحيرة قال: لتسيرن الروم حتى ينزلوا دير بهراء حتى يضع ملكهم صليبه وبنوده على هذا التل تل قحمايا فيكون أول هلاكهم على يد رجل من أنطاكية يدعوا الناس فينتدب معه رجال من المسلمين، فهو أول من يحمل عليهم فيهلكهم الله.
كتب إلينا أبو محمد أحمد بن الأزهر بن عبد الوهاب بن السباك من بغداد أن القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد، المعروف بقاضي المارستان، أنبأهم أن أبا محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري أخبرهم فيما أذن لهم فيه قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن زكريا بن حيوية قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد المنادي قال: أخبرني أبو سليمان عبد الله بن جرير الجواليقي قال: أخبرني رجل من أهل الكتاب موصوف بجمع الملاحم أن هذا الكتاب يعني كتاب دانيال عليه السلام عندهم مسموع من كبرائهم لا يكادون يدفعونه إلا إلى من يثقون بكتمه ليعرفهم بما يتضمنه من عجائب الملاحم: فأخذت من أبي سليمان ما يكون من الملاحم الآتية، وتركت كتب الماضية، فابتدأت من ذلك بآخر عهد المعتمد، ثم آخر الكتاب، فذكر دانيال عليه السلام في كتابه هذا، وذكر ابن المنادي أشياء من الملاحم اختصرتها أنا وذكرت ما يتعلق بحلب وأعمالها فمنها أنه قال: ويطوي الله الأرض للظاهر الخارج من مكة واسمه محمد بن علي من ولد السبط الأكبر الحسن بن علي فيتسمى بالامام الحسني، فيبلغ البيداء من يومه.
وذكر حديث السفياني وهلاكه وهلاك جيشه إلى أن قال: ثم أن الحسني يستخلف على العراقين وما ولاهما ويخرج إلى الروم، فيكتب ملك الروم إلى ملك الصقالبة أن هذا العدو الذي قدم لقتالي إذا هزمني أقبل إليك، فأمدني أكفك أمره، فيمده ويكتب إلى صاحب أرمينية بمثل ذلك، فأما صاحب أرمينية فقد شغله صاحب الحسني فلا يجيبه بلا ولا نعم، ويحارب الحسني الروم فيفتح منها مدناً وحصوناً كثيرة، ويقيم بطرسوس، ويبث أصحابه وجيوشه في جميع الثغور فكلهم ينصرهم الله، فيفتح الوجه الذي هو فيه ويغنم، وذكر بعد ذلك فتح الحسني قسطنطينية وهرب ملكها وقد قسم السبي وغنم ما يعجز عن قسمته حتى يكيل الذهب والفضة بالترس، وذكر خوارج يخرجون على أصحاب الحسني في البلاد.
ثم قال: ويخرج أصحاب الحسني في كل الوجوه فينصرهم الله في الوجوه كلها، ويفتحون البلدان، ويصفو الأمر للحسني، وقد كان ملك الروم لما بلغه أن الخوارج قد خرجوا على الحسني حلف وهو بالرومية خلف قسطنطينية أن يخرج إلى أرض الاسلام، فيغلب على ما قدر عليها من مدنها، ويدخلها كما دخل الحسني قسطنيطينة، ويرجع إلى قسطنيطينة، ثم تجتمع بطارقته عنده ويسير إلى طرسوس، ثم يخرج منها حتى يأتي الفرات، ويمهله الحسني حتى يأتي حران، ثم يأخذ عليه الحسني من ورائه ومن قدامه، فيقتل أصحابه ويأخذ صلبانهم، وينزع ملك الروم ثيابه ويلبس ثياب أهل طرسوس ويتزيا بزي أهل الثغر، ويتقلد سيفاً ويركب بغلاً، ويلطخ فمه بدم، فكلما تلقاه رجل من المسلمين أومأ إليه بيده كأنه يسلم عليه، ويدعو له، فيظن أنه رجل من أهل الثغر قد أصابه ذلك في جهاده الروم، فلا يزال كذلك حتى يأتي طرسوس، ثم يضرب إلى الروم وينادي ويسأل هل رأيتم الطاغية؟ فيقولون: هرب، ولو كان في القتلى وجدناه، فيولي الولاة، ويوجههم في وجوه بلدان الاسلام كلها وقد استقام أمر الاسلام كله، ثم يخرج في أصحابه فيجاهد الروم، ويرسل إليه ملك الروم ويخبره بحيلته التي نجا بها، ويسأله الصلح والرجوع ويخوفه فساد بلاده إن هو اشتغل بقتال الروم، فيقول له لسنا نقاتلك على الأموال والغنائم، إنما نقاتلك على أن يكون الدين دين الاسلام.

قال: فيقرأ ملك الروم كتابه على بطارقته ويقول لهم: لا يكون هذا أحرص على الجهاد منكم، فيقولون له: صدقت، فاخرج بنا إليه، فيجتمعون ويخرجون إلى الحسني في ألف صليب، تحت كل صليب جمع كبير، ويلقاهم الحسني، فيقتل منهم كل يوم مقتلة عظيمة لا تحصى، وينهزمون ويتبعهم حتى يبلغ بهم القسطنطينية ويحاصرهم أيضاً، ويضيق عليهم ويسألونه الصلح فيأبى ذلك عليهم فيهزمون عنها إلى رومية ويخلونها له فيدخلها في أصحابه فيهدمون بيعتها العظمى بعد أخذهم بيت مذبحها وصلبانه، ويحرثون قسطنطينية، ويهدمون سورها ويقيمون فيها وفيما حولها، ويريدون المسير إلى رومية، فيرسل الحسني جيشاً إلى ملك الصقالبة فيهزمونه أيضاً، ويأخذون بعض بلاده.
ويخرج بإصطخر من فارس رجل أعور يدعي أنه الدجال، ويسمي نفسه فيقول أنا الإله، واقتص قصة خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم، وقال: ثم يقول المسيح للحسني وأصحابه: دونكم أصحاب الدجال، فكل من لا يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاقتلوه فيضعون فيهم السلاح فيقتلونهم عن آخرهم، ثم يقول المسيح عيسى للحسني: قد قضيت ما عليك ووجب أجرك، وهذا آخرهم، ثم من الدنيا، ويأتيه ملك الموت، فيقبض روحه بأهون ما قبض أحداً من الناس طيبة بذلك نفسه، ثم ذكر بعد ذلك قصة المهدي وبيعته.
كتبت إلينا زينب بنت عبد الرحمن الشعري من نيسابور أن أبا المظفر القشيري أنبأها قال: أخبرنا الامام أبو بكر البيهقي قال: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا محمد بن صالح بن هانيء قال: حدثنا الفضل بن محمد الشعراني قال: حدثنا عبد الصمد بن صالح قال: حدثنا الليث بن سعد عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: للدجال آيات معلومات إذا غارت العيون، ونشفت الأنهار، واصفر الريحان، وانتقلت مذحج وهمدان من العراق فنزلت قنسرين، فانتظروا الدجال غادياً أو رائحاً.
قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرجاه.
أخبرنا الشريف افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال أخبرنا أبو الفتح أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الشاشي قال: أنبأنا أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد الحسيني قال: أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي قال: أخبرنا دعلج بن أحمد العدل قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا يونس بن أبي يعقوب قال: حدثني أبي أبو يعقوب عن مسلم أبي سعيد قال: كنت مع ابن مسعود رضي الله عنه فوضع يده علي يتوكأ حتى دخل - يعني داراً قريبة من باب السوق - فرأى فيها غضارة من عيش من رقيق وحشم وخيل وهدايا ودواجن من الغنم، فقال: يا أبا سعيد يعجبك ما ترى ها هنا؟ قلت: أي والله يا أبا عبد الرحمن، فقال: والذي نفس عبد الله بيده لئن بقيت قليلاً لتختار أن لك بالدنيا وما فيها بعيراً تقتنيه، ثم أشار بيده نحو المغرب، ثم قال: طريق المسلمين هاربين من الدجال ملطاط الفرات إلى الشام، فذكر الحديث.
أخبرنا أبو جعفر يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الدامغاني البغدادي الصوفي قراءة عليه بحلب قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو العز محمد بن المختار بن محمد قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد ابن حنبل قال: حدثنا أبي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا المسعودي عن حمزة العبدي - أو العيدي - قال: حدثنا أشياخنا قال: خرج ابن مسعود فنادى نداءً، ولم يناج نجاءً، فقال: الملطاط شاطىء الفرات طريق بقية المؤمنين، هراب من الدجال، فبئس المنتظر أم الساعة: فالساعة أدهى وأمر، ثم أخذ حصاةً فقال بها على ظفره: هكذا ما خروجه بأنفض لإيمان مؤمن ما نفضت هذه الحصاة من ظفري.
وقرأت في كتاب الملاحم والفتن لنعيم بن حماد راوية أبي بكر بن أبي مريم عنه من نسخة قرئت على أبي بكر قال: حدثنا نعيم.

وأنبأنا عبد العزيز بن هلالة قال: أخبرتنا به عفيفة بنت أحمد قالت أخبرتنا فاطمة قالت: أخبرنا ابن ريذة قال: أخبرنا الطبراني قال: أخبرنا عبد الرحمن قال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الحكم عن نافع عن جراح عن أرطاة قال: تفتح القسطنطينية ثم يأتيهم الخبر بخروج الدجال، قال: فيكون باطلاً ثم يقيمون ثلاث سبع سابوع فتمسك السماء في ثلث السنة ثلث مطرها، وفي السنة الثانية ثلثيها، وفي الثالثة تمسك قطرها أجمع، فلا يبقى ذو ظفر ولا ناب إلا هلك، ويقع الجوع فيموتون حتى لا يبقى من كل سبعين عشرة، ويهرب الناس إلى جبال الجوف إلى أنطاكية، ومن علامة خروج الدجال ريح شرقية ليست بحارة ولا باردة، تهدم صنم اسكندرية، وتقلع زيتون المغرب والشام من أصولها، وتيبس الفرات والعيون والأنهار وتنسى لها مواقيت الأيام والشهور ومواقيت الأهلة.
وقال أبو بكر عبد الله بن أبي مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا سفيان عن مسلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: ذكر عن ابن مسعود الدجال فقال: تفترقون أيها الناس بخروجه على ثلاثة فرق، فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح، وفرقة تأخذ شاطىء الفرات يقاتلهم ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق فيقتلون لا يرجع منهم بشر.

أنبأنا أبو القاسم بن الحرستاني عن أبي محمد عبد الكريم بن حمزة قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد قال: أخبرنا جدي أبو بكر قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن سعيد بن خالد الخشني قال: حدثنا أبو علي الحسن بن عوانة الكلابي، من كفر بطنا، قال: حدثنا محمد بن نصر النيسابوري قال: حدثنا محمد بن بدر الملطي قال: حدثنا كثير بن الربيع بن مرازم السلمي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس لا تؤذن علي اليوم أحداً، فجاء أبو بكر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم جاء عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم جاء علي فاستأذن فلم يؤذن له، فرجع علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً فدخل عليه الحجرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجلس علي محمر قفاه، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برقبته فقال له: يا علي لعلك أمكنت الشيطان من رقبتك، قال: وكيف لا أغضب وهذا أبو بكر صاحبك ووزيرك استأذن عليك فلم يؤذن له، وهذا عمر بن الخطاب صاحبك ووزيرك استأذن عليك فلم يؤذن له، وأنا ابن عمك وصهرك استأذنت عليك فلم يؤذن لي، وجاءك رجل من بني سليم فأذنت له، فقال: اسكت يا علي، يأبي الله لسليم إلا حباً، يا علي إن جبريل أمرني أن أدفع الراية إلى بني سليم، يا علي إن لله ملائكة سياحين مشبهين برجال من بني سليم يتصفحون وجوه بني سليم فإذا لقيتم الشيخ الكبير منهم، فسلوه أن يدعو الله لكم فإنه تستجاب دعوتهم، يا علي إن بني سليم رضى الإسلام، يا علي إن بني سليم ردء الإسلام، يا علي إن الله ادخر بني سليم إلى آخر الزمان، يا علي إنه إذا كان في آخر الزمان يخرج من النواحي معهم أحياء من العرب من عك وسليم وبهراء وجذام وطيء، فينتهون إلى مدينة يقال لها نصيبين، فيكون من فسادهم أمر عظيم، فينتهون إلى مدينة يقال لها آمد، فيغلبون عليها، فيفزع الناس منهم ويدخلون في حصونهم، ثم ينتهون إلى مدينة يقال لها الرقة، مدينة يجري على بابها نهر من الجنة، فيغلبون على مدينة إلى جانبها يقال لها الرقة السوداء، فيستبيحون ذراري المسلمين وأموالهم، فتنتهي طائفة منهم إلى نواحي من نواحيها، فتسبي نساء عيلان فيغضب لذلك رجل من بني سليم، خميص البطن، أخوص العين، يقال له فلان، ويخرج حي من بني عقيل، فيلحقون فيدركونهم فيستنقذون ذراري المسلمين وأموالهم، يا علي رحم الله بني سليم، يقتل منهم الثلث، ويبقى الثلثان، ثم ينتهون من فورهم ذلك إلى مدينة يقال لها ملطية قد غلب عليها العدو، يا علي رحم الله بني سليم يقتل منهم الثلثان، ويبقى الثلث، يا علي رحم الله بني عقيل يقتل منهم الثلث ويبقى الثلثان، يا علي إن في بني سليم خمس خصال، لو أن خصلة منها في جميع العرب لافتخرت بها، إن فيهم من خصب القراء، وفيهم ثالث ثلاثة، وفيهم من نزلت براءته من السماء، وفيهم من نصر الله ورسوله، وفيهم من الثلاثة الذين خلفوا، يا علي لو أن خصلة منها في جميع العرب لافتخرت بها، يا علي لو مالت العرب فرقتين، فكانت فرقة منها بني سليم لملت مع بني سليم، يا علي إن العرب كلها تختلف في حكمهم، وإن بني سليم على الحق، يا علي حب بني سليم، فإن حبهم أمان وبغضهم نفاق، يا علي لا تخبرهم بما أخبرتك به.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي
أخبرنا الشيخ العلامة أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي فيما أذن لنا في روايته عنه قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري قال: أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إجازة قال: أخبرنا أبو سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسين بن حميد قال: حدثنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات، فكره الناس ذلك، فقال عبد الله: أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه ملء طست ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره، وتكون بقية الماء والمؤمنون بالشام.
هكذا جاء في رواية عبد الرحمن المسعودي منقطعاً ليس بين القاسم وابن مسعود أحد، ورواه الأعمش عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود متصلا.

أنبأنا بها عمر بن محمد المؤدب قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن هبة الله بن الحسن قال: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن القاسم ابن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: شكوا إليه الفرات وقلة الماء، فقال: يأتي عليكم زمان لا تجدون فيه ملء طست من ماء، ويرجع كل ماء إلى عنصره ويبقى الماء والمؤمنون بالشام.
ففي روايته منقطعاً، وفي هذه عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود متصلاً ذكر قلة الماء في الفرات، وفي رواية عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي منقطعاً ليس بين القاسم وبين ابن مسعود أحد ذكر كثرة الماء في الفرات.
قال أبو الحسين بن المنادي: ثم إن الروايتين على الاتفاق أن الفرات يقل ماؤه قلة ضارة بالناس والله أعلم.
قلت: ويحتمل أن الاختلاف في الكثرة والقلة إنما جاء لاختلاف الواقعتين بأن يكون ماء الفرات مد سنة ونقص أخرى، فقال عبد الله فيه ما يؤول حاله إليه.
أخبرنا الشيخ الثقة أبو سعد ثابت بن مشرف بن أبي سعد البناء البغدادي قراءة عليه بحلب قال: أخبرنا مسعود بن الحصين البغدادي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد بن البسري قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى ابن عبد الجبار السكري قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا عباس بن عبد الله الترقفي قال: حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الأيام والليالي حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً ويحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعين، وينجو واحد.
وقد رواه علي بن عاصم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وزاد فيه أن أبا صالح قال لابنه سهيل: يا بني إن أدركته فلا تقربنه.
أخبرنا بذلك أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله قال: أخبرنا المؤيد عبد الرحيم بن الأخوة وصاحبته عين الشمس قالا: أخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، قالت: إجازة، قال: أخبرنا أبو طاهر الثقفي وأبو الفتح منصور بن الحسين قالا: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ قال: حدثنا أحمد بن مسعود ابن عمرو بن ادريس الزنبري المصري قال: حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى قال: حدثنا علي بن عاصم قال: أخبرني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذهب الدنيا حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون. قال لي أبي: يا بني إن أدركته فلا تقربنه، قال علي بن عاصم: فحدثت بهذا الحديث شعبة فقال: إني قد سمعته من سهيل ولكن لا أحفظ أنه قال: يا بني إن أدركته فلا تقربنه استيقنت أنه قال: يا بني إن أدركته فلا تقربنه، قلت: نعم.
وأخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي بدمشق قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد المقريء قال: أخبرنا أبو الحسين ابن النقور قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين بن أخي ميمي الدقاق قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا إسحق بن شاهين قال: حدثنا خالد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عنده، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعين.
وأخبرنا أبو سعد بن مشرف قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى ابن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن الداودي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه قال: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن خزيم الشاشي قال: حدثنا أبو محمد عبد بن حميد بن نصر قال: أخبرني ابن أبي شيبة قال: وجدت في كتاب أبي محمد بن أبي شيبة عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرت عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول الذين عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبون به، فيقتتلون عليه حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون.

وقد رواه حفص بن عاصم بن عمر والأعرج عن أبي هريرة وزاد فيه: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً.
أخبرنا به أبو روح الهروي في كتابه قال: أخبرنا تميم الجرجاني قال: أخبرنا الحاكم البحاثي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن هرون قال أخبرنا أبو حاتم بن حبان قال: أخبرنا أحمد بن حمدان بن موسى قال: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا عقبة بن خالد قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً.
وقال ابن حبان: أخبرنا أحمد بن حمدان في عقبه قال: حدثنا الأشج قال: حدثنا عقبة بن خالد قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: يحسر عن جبل من ذهب.
وقد رواه الحسين بن حميد عن عبد الله بن سعيد الكندي عن عقبة بن خالد عن عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن جده حفص بن عمر، وهو جد عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر وليس بجد خبيب، وزاد فيه من ذهب ومن فضة.
أخبرنا به أبو اليمن الكندي إذناً قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد الحري قال أخبرنا أبو القاسم بن البسري قال: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي إجازة قال: أخبرنا أبو سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسين بن حميد قال: حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي قال: حدثنا عقبة بن خالد قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن جده حفص بن عمر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب ومن فضة، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً.
ورواه إسحق مولى المغيرة بن نوفل عن المغيرة بن نوفل عن أبي بن كعب وقال فيه: فيقتل تسعة أعشارهم.
أنبأنا به أبو روح الهروي قال: أخبرنا تميم الجرجاني قال: أخبرنا الحاكم البحاثي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن هرون قال: أخبرنا أبو حاتم بن حبان قال: أخبرنا يحيى بن أحمد بن عمرو بالفسطاط قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم ابن العلاء الزبيدي قال: حدثنا عمرو بن الحارث قال: حدثنا عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال أخبرني محمد بن مسلم قال: أخبرني إسحق مولى المغيرة بن نوفل أن المغيرة بن نوفل أخبره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن تل من ذهب، فيقتتل عليه الناس فيقتل تسعة أعشارهم.
وقرأت في كتاب الملاحم والفتن لنعيم بن حماد رواية أبي بكر بن أبي مريم قال: حدثنا نعيم.
وأنبأنا عبد العزيز بن هلاله قال: أخبرتنا به عفيفة بنت أحمد بن عبد الله قالت: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت أخبرنا أبو بكر بن ريذة قال أخبرنا الطبراني قال: أخبرنا المرادي قال حدثنا نعيم قال: حدثنا مروان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن حذيفة أنه قال لعروة بن أبي الجعد البارقي، ونظر إلى الفرات، فقال: كيف أنتم حين تخرجون منها لا تذوقون منه قطرة؟ فقال له عروة: تظن ذلك؟ قال: لا بل أستيقنه.
أنبأنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي قال: أخبرنا أبو إسماعيل داود بن محمد بن أبي منصور بن ماشاذه بأصبهان أن فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية أخبرتهم قراءة عليها وهو حاضر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن ريذه قال: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: أخبرنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا يحيى ابن سعيد العطار وأبو المغيرة عن ابن عياش عن عبد الله بن دينار عن كعب قال: تنزل الترك آمد وتشرب من الدجلة والفرات ويسعون في الجزيرة وأهل الإسلام من الحيرة لا يستطيعون لهم شيئاً، فيبعث الله عليهم ثلجاً بغير كيل فيه صر من ريح شديدة وجليد فإذا هم خامدون، فإذا أقاموا أياماً قام أمير أهل الإسلام في الناس فيقول: يا أهل الإسلام ألا قوم يهبون أنفسهم لله، فينظروا ما فعل القوم، فينتدب عشرة فوارس فيجيزون إليهم فإذا هم خامدون، فيرجعون فيقولون إن الله قد أهلكهم وكفاكم، هلكوا من عند آخرهم.

قال ابن عياش: وأخبرني عتبة بن تميم عن الوليد بن عامر اليزني عن زيد بن جبير، وفي نسخة يزيد بن جبير، عن كعب قال: ليردن الترك الجزيرة حتى يسقوا خيولهم من الفرات، فيبعث الله عليهم الطاعون فلا يفلت منهم إلا رجل واحد.
وأخبرنا أحمد بن الأزهر بن عبد الوهاب في كتابه قال: أنبأنا أبو بكر محمد ابن عبيد الباقي قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري فيما أذن لنا في الرواية عنه قال: أخبرنا أبو عمر بن حيوية قال: أخبرنا أبو الحسين بن المنادي قال: حدثنا أبو موسى محمد بن هارون أن موسى الأنصاري قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن المفضل الحراني المعروف الكزبراني قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن - هو الطواييقي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه أنه سمع مكحولاً يقول: لا تنقضي الدنيا حتى يرد الترك الفرات.
وقرأت في كتاب الملاحم والفتن تأليف نعيم بن حماد، رواية أبي بكر بن أبي مريم من نسخة قرئت عليه قال: حدثنا نعيم بن حماد.
وأنبأنا عبد العزيز بن هلاله قال: أخبرتنا عفيفة بنت أحمد بن عبد الله قالت: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت: أخبرنا أبو بكر بن ريذه قال: أخبرنا الطبراني قال: أخبرنا عبد الرحمن قال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الوليد عن ابن جابر وغيره عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم: للترك خرجتان إحديهما يخربون أذربيجان والثانية يشرعون منها على ثني الفرات، قال: فيرسل الله على جننهم الموت، يعني دوابهم، فيرجلهم، فيكون فيهم ذبح الله الأعظم، لا ترك بعدها.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا يحيى بن سعيد وأبو المغيرة عن ابن عياش قال: وأخبرني رجل من آل حبيب بن مسلمه عن الحكم بن عتيبه قال: يخرجون فلا ينهنههم دون الفرات شيء، أصحاب ملاحمهم وفرسان الناس يومئذ قيس عيلان فتستأصلهم، لا ترك بعدها.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الوليد عن ابن آدم عن أبي الأعبس عن كعب قال: يشرع الترك على ثني الفرات فكأني بذوات المعصفرات يطفقن على ماء الفرات.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن ابن مسعود قال: كأني بالترك قد أتتكم على براذين مخذمه الآذان حتى يربطوها بشط الفرات.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا بقية عن أم عبد الله عن أخيها عبد الله بن خالد عن أبيه خالد بن معدان عن معاوية قال: إتركوا الرايضة ما تركوكم فإنهم سيخرجون حتى ينتهوا إلى الفرات فيشرب منه أولهم ويجئ آخرهم، فيقولون: قد كان ها هنا ماء.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا الحكم بن نافع عن جراح عن أرطاة عمن حدثه عن كعب قال: قال عبد الله بن عمر: ثم يبعث الله بعد قبض عيسى وأرواح المؤمنين بتلك الريح الطيبة ناراً تخرج من نواحي الأرض تحشر الناس والدواب والذر إلى الشام.
قال كعب: وتخرج تلك النار من القسطنطينية نار وكبريت يبلغ لهبها ودخانها السماء فتركد عند الدروب بين جيحان وسيحان، ونار أخرى من عدن تبلغ بصرى، تقوم إذا قاموا، وتسير إذا ساروا، وإن الفرات ليجري ماؤه أول النهار، وبالعشي يجري كبريتاً وناراً، وذكر تمام الحديث.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا عبد الوارث عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن رجل عن أبي هريرة قال: تخرج نار من قبل المشرق ونار أخرى من قبل المغرب تحشران الناس بين أيديهم القرده، تسيران بالنهار، وتكمنان بالليل حتى تجتمعا بجسر منبج وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا أبو يوسف المقدسي عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بسر الحمصي عن كعب قال: المهدي يبعث بقتال الروم، يعطى قوة عشرة، يستخرج تابوت السكينة من غار بأنطاكية فيه التوراة التي أنزل الله على موسى، والانجيل الذي أنزل الله على عيسى، يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم.
وقال: حدثنا نعيم قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق عمن حدثه عن كعب قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر قد خفي، ويستخرج التوراة والإنجيل من أرض يقال لها أنطاكية.
وقال: حدثنا نعيم قال: حدثنا يحيى بن اليمان عن المنهال بن خليفة عن مطر الوراق قال: المهدي يخرج التوراة غضة - يعني طرية - من أنطاكية.

أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا الفراء قال: أخبرنا أبو بكر الحافظ قال: أخبرنا الحسين بن علي قال: أخبرنا أبو سليمان الحراني قال: حدثنا محمد ابن الحسن قال: حدثنا أحمد بن سلم قال: حدثنا عبد الله بن السري عن أبي عمر البزاز عن مجالد عن الشعبي عن تميم الداري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسكنها - يعني أنطاكية - رجل من عترتي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يشبه خلقه خلقي وخلقه خلقي، يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
أخبرنا أبو محمد صقر بن يحيى بن صقر الحلبي الشافعي قاضي منبج قراءة عليه قال: أنبأنا أبو طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم المعدل قال: أخبرنا أبو الأسوار عمر بن منخل الدربندي بحلب قال: حدثنا محمد بن أبي نصر بن أبي بكر اللفتواني من لفظه بأصبهان قال: أخبرنا أحمد بن عبد الغفار، وتميم بن عبد الواحد، وعمر بن أحمد بن عمر الأصبهانيون بها قالوا: أخبرنا أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني قال: حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي بدمشق سنة سبع وسبعين قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن بن بنت شرحبيل قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي قال: أتى رجل ابن عباس قال: بلغنا أنك تذكر سطيحاً تزعم أن الله عز وجل خلقه، لم يخلق من ولد آدم شيئاً يشبهه؟! قال: نعم، إن الله عز وجل خلق سطيحاً الغساني لحماً على وضم، والوضم شراح من جريد، وكان يحمل على وضمه، فيؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمه والكفين، وكان يطوى من رجليه إلى ترق